فريد زكريا: الاندثار الحضاري الغربي الحقيقي يحدث في أمريكا وليس في أوروبا كما يزعم ترامب 

حجم الخط
8

لندن ـ “القدس العربي”:

حذر الكاتب والمذيع الأمريكي البارز فريد زكريا من أنه عكس ما يروجه ترامب ومن معه عن أوروبا فإن “الاندثار الحضاري الحقيقي يحدث بأمريكا”. وقال زكريا في مقال له بهذا العنوان في صحيفة “واشنطن بوست” إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشخصيات بارزة من حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” (ماغا) دأبت على الزعم أن الغرب مهدد بـ”الاندثار الحضاري” وحمّلت المسؤولية لأوروبا سبب نهجها في قضايا الهوية والهجرة.

لكن زكريا يدحض ذلك التصور ويؤكد أن ما يميز الغرب لا يكمن في التلاحم القبلي أو الديني وإنما في تقييد سلطة الدولة وتكريس حقوق المواطنين واستقلال القضاء وقدسية الملكية الخاصة، وبفضل ذلك تحققت الديمقراطية والازدهار والاستقرار.

وشدد الكاتب على أن سياسات إدارة ترمب الحالية تقوّض تلك الأسس، واستشهد بعدة عناصر بينها مقتل شخصين في مدينة مينيابوليس (ولاية مينيسوتا) كانا يمارسان حقوقهما بموجب التعديل الأول للدستور، وممارسات ضباط فدراليين يعتقلون الناس دون أوامر قضائية وهو ما اعتبره تجسيدا لشرطة استبدادية، وسلطة دولة غير مقيدة.

ومن الدلائل الأخرى على تقويض سمة الغرب، في نظر زكريا، الحرب التي تشنها إدارة ترمب على المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات غير الحكومية ومكاتب المحاماة وحتى الشركات الخاصة، وذلك وفق نموذج يشبه ما يجري في المجر وروسيا، حسب قوله.

إدارة ترمب  تتحدث عن “الغرب” كما لو كان متحفا تراثيا وعبارة عن رموز وشعارات وهوية. ويؤكد الكاتب أن عبقرية الغرب الحقيقية تكمن في مؤسساته المتجسدة في قانون يسري على الجميع

وفي المجال الاقتصادي، أشار زكريا إلى أن إدارة ترامب تعمل على توسيع سلطة الدولة ليس بترسيخ القواعد، بل بصناعة الصفقات وفق نسق يُستدعى فيه رؤساء الشركات للبيت الأبيض للمعاقبة أو المكافأة، وبذلك يتوقف النظام الرأسمالي عن كونه ساحة تنافسية ويصبح شبيها لنظام المحسوبية.

وجدد زكريا الانتقاد لإدارة ترمب التي تتحدث عن “الغرب” كما لو كان متحفا تراثيا وعبارة عن رموز وشعارات وهوية. ويؤكد الكاتب أن عبقرية الغرب الحقيقية تكمن في مؤسساته المتجسدة في قانون يسري على الجميع، وحرية يحميها قادة مقيدون بضوابط القانون ومجتمع مدني قادر على معارضة الدولة.

ويمضي زكريا في انتقاد تصور إدارة ترمب ويقول إن الغرب ليس سلالة بالدم وإنما هو عقد مبني على سلطة مقيدة وحقوق محمية وبالتالي فإن أكبر تهديد للغرب، في نظره، هو توسيع سلطة الدولة، بحيث يصبح الغرب مثل أي مجتمع آخر يسيطر فيه الأقوياء على الضعفاء.

وخلص زكريا إلى أنه وجود “اندثار حضاري” حقيقي، لكن ليس في أوروبا وإنما في الولايات المتحدة التي توغل حكومتها تدريجيا في ممارسة سلطة غير محدودة، بينما يمضي الشعب في التعايش مع تلك السلطة.

وقبل نحو أسبوعين أكد زكريا في عموده بصحيفة “واشنطن بوست” الذي عنونه بـ”عقيدة ترامب هي لنجعل أمريكا أصغر مرة أخرى” أنه عكس شعارها المزعوم “لنجعل أمريكا أعظم مرة أخرى” فإن عقيدة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياستها الخارجية تختزل دور الولايات المتحدة من قوة عالمية إلى مجرد قوة إقليمية، في توجه يمكن تلخيصه في شعار “لنجعل أمريكا أصغر مرة أخرى”.

واعتبر الكاتب المعروف بكتبه وبرنامجه الشهير في “سي أن أن” أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة تنتقد عقودا من الانخراط الأمريكي العالمي، وتدعو إلى تضييق تعريف المصالح الأمريكية وحصرها أساسا في نصف الكرة الغربي، مستحضرة عقيدة مونرو بصيغة حديثة.

واعتبر زكريا أن هذا المنطق يبدو ظاهريا معقولا، ولكنه يتجاهل كون الولايات المتحدة اليوم هي أقوى دولة في التاريخ، وأن نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري يجعل انكفاءها على “فنائها الخلفي” أمرا مستحيلا إلا بكلفة باهظة عليها وعلى النظام الدولي.

وأشار إلى أن الظروف التي نشأ فيها مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر كانت تخص دولة صغيرة محدودة الإمكانات، لا عملاقا عالميا مترابط المصالح مع أوروبا وآسيا أكثر بكثير من أمريكا اللاتينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    بل يحدث في كليهما، اندحار حضاري أخلاقي اقتصادي مريع جدا جدا جدا

  2. يقول شهين علاء فلوريدا:

    زكرياء يجهل او بالأحرى يتجاهل رؤية معسكر ترامب و شعاراته، ترامب لا يريد ان تدفع الولايات المتحدة الأمريكية ثمن الحفاظ على القانون الدولي و لا ان تستقبل عرقيات غريبة عن البنية السكانية الرئيسية للولايات المتحدة و لا ان تكون البلاد ملجأ لكل مهاجر غير شرعي وان لم يكن لديه مايقدمه بمستويات عالية جدا مما يمكن ان يحققه سكان الولايات المتحدة. مبدأ مونرو الذي أحياه ترامب منطقي جدا الصين تتوسع تجاريا واقتصاديا في القارة الامريكية وهذا يهدد الامن القومي الأمريكي. مشكلة فريد زكريا و معسكره هو انهم يعيشون في رومنسيات لا تمت لأولويات المجتمع الامريكي و تطلعاته و نفس هذه الرومانسية المنفصلة عن الواقع جعلت هيلارى كلنتون تخسر بطريقة مدوية امام ترامب في 2016، بالنسبة لترامب و مناصريه امريكا اولا تعني الا تتدخل الولايات المتحدة في برامج الامم المتحدة الفاشلة و تصرف اموالها عن الاخرين بدافع انها دولة عظمى قوية عليها ان تلتزم بمعالجة المرضى في العالم ببرامج مساعدات ومواطنوها لايملكون رعاية صحية مجانية ، زكريا وامثاله ادخلوا امريكا في انفصال تام بين النخب و الشعب الامريكي الذي أعاد انتخاب ترامب ضدا في هؤلاء

  3. يقول هاني:

    سياسات ترامب الشعبوية تصادمية خلّفت انقسامًا داخليًا عميقًا واضطرابًا عالميًا وتراجعًا في صورة أمريكا كقائدة للنظام الدولي. نعيش في عصر الفوضى والتقلبات كل ساعة فرار جديد وتغير التصريحات على منصة سوشل ميديا. الله يعينا ويساعدنا في هذه الأوقات العصيبة.

  4. يقول أكاديمي أردني:

    مشكلة أمريكا أنها تحارب أمم وشعوب وحضارات وليس حكومات وأنظمة ودول، وهنا يكمن الخطر الفظيع، لأن أمريكا نفسها لا تفهم أي معايير حضارية فلم يعد لها فرصة تشكيل حضارة، وكما نرى هي خليط من افراد مشتتي الفكر والاهداف، كل يوم يطلون علينا بشيء غريب،مرة انحلالية ومرة عنصرية ومرة فقط استيلاء على ثروات الغير، بالفعل هناك اندثار حضاي من الجذور لا يمكن اصلاحه، وهل الجندي الموجود على سفنهم الا انسان يفكر وربما يوما ما يغير رأيه! أمريكا في خطر والغرب كله في عداد الماضي المؤسف، لم يبقى له أثر.

    1. يقول سامي 2:

      وهل تعتبر ان امريكا لم تكون حضارة وقيم بعد، وما المشكلة اذا كانت الدوله مكونه من خليط مشتت من الافكار، هل الفكر الواحد والراءى الوحد هو الذى يصنع الحضارات، اذا كنا نعتقد ان الولايات المتحدة ليست لها قيم واخلاق، فمن هى الدوله التى لها قيم واخلاق، فى الشرق الاوسط، ام الشرق الاقصى، اين. فسبحان الله، الولايات المتحدة ونظامها الديمقراطى، والفصل بين السلطات، وقوة القانون، والحرية الفردية وكرامة الانسان، ومن امبر مؤسسى الامم المتحدة، واستقبالها لالاف المهاجرين واللاجئين، وتحريرها للكويت، ومساعدتها اعداءها المهزومين على النمو مرة اخرى كاليابان والمانيا، ومشروع مارشال الذى انقذ اوربا بعد الحرب العالمية الثانية. كل ذلك تعتبره ليس قيم ولا حضارة. اتعرفون اين مشكلتنا، الحسد الذى يعمى البصيرة، يعميك عن ماهو صالح فتاخذه وتوطنه وتنهض بهويفتح بصريتك على ما تعتبره سيئاً فلا ترى فيها الا السؤ، فتموت غيظاً ولسان حالك ان يكون هذا

  5. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    على حد معرفتي فريد زكريا دافع عن احتلال العراق في عهد بوش الإبن. فهل استفاق اليوم! ألم يبدأ الاندثار الحضاري من ذلك التاريخ! هل نسينا تشيني ورامسفلد وفولفتش …!

  6. يقول صالح/ الجزائر:

    1)- وجهان لعملة واحدة . الفرق يكمن في أن أوروبا كانت تتحكم في الغرب ، قبل أن تصبح أمريكا ، بعد الحرب العالمية الثانية ، هي المسيطرة عليه . والحضارة لا يؤسسها ، كما لا يسقطها ، شخص واحد مهما فعل من حسنات أو سيئات . ثم ما المقصود ب”الحضارة الغربية الحقيقية” ، إذا استثنينا التطور التكنولوجي ؟ . هل هي حضارة الاسترقاق ؟ ، هل هي حضارة الاحتلال والاستعمار ؟ ، هل هي حضارة الحروب المستمرة المدمرة ل”الحضارة الإنسانية” الحقيقية ؟ ، هل هي حضارة المثلية ؟ … .
    هل القانون ، في الغرب ، وليس في روسيا والمجر ، يسري على الجميع، ويتمتعون بنفس الحرية التي يحميها قادة مقيدون بضوابط مقننة ومجتمع مدني قادر على معارضة الدولة ؟ . لماذا إذن مُنعت المظاهرات المنددة بجرائم الحرب ضد الإنسانية ، في غزة ؟ . ولماذا لم تنفذ أمريكا مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في حق المجرم عندما وُجد في واشنطون ؟ ، بل المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية ، البريطاني كريم خان ، هو الذي تلقى التهديدات ، والاتهام ب«التحرش « .

  7. يقول صالح/ الجزائر:

    2)- هل الأقوياء في الغرب لا يسيطرون على الضعفاء ؟ . أليست طريقة السيطرة هي التي تغيرت وتنوعت ؟ . ربما لم تعد بالسيوف وبغيرها من الأسلحة ، وإنما أصبحت السيطرة ، غير المباشرة ، بالشركات العملاقة الخاصة التي تملك المال والإعلام . من يستفيد من بيع السلاح بكل سهولة في أمريكا ؟ هل هم المواطنون العاديون ؟ .
    حاول الرئيس باراك أوباما حماية الضعفاء بإصدار قانون الرعاية الصحية “أوباما كير”، إلا أن مجلس النواب الأميركي قام بإلغائه وتعويضه بنظام جديد اقترحه الرئيس دونالد ترمب .
    ثم لا ننسى أن “الحضارة الغربية” قامت ، ومازالت ، على حساب المجتمعات الأخرى ، غير الغربية .

اشترك في قائمتنا البريدية