تتعرض سياسة الولايات المتحدة في جميع مناطق العالم للفشل، وهذا الإخفاق في الخطط الأمريكية سبق ولاية ترامب بسنوات، لكنه أصبح حادا وواضحا جدا في الإدارة الحالية، وألحق ضررا بليغا في السياسة الأمريكية وسمعتها الدولية. وانعكس هذا التراجع على علاقة الولايات الأمريكية مع حلفائها التقليديين، سلبيا. فالاتحاد الأوروبي، وفي الفترة الأخيرة، تذبذبت علاقته مع الولايات المتحدة، وأكبر مثال على هذا الاختلاف، المعالجة الأوروبية للمحافظة على الصفقة النووية مع إيران، على عكس ما تريد أمريكا ترامب، من عزل إيران، مع أن هذا التوجه حتى الآن لم يؤت ثماره.
ومن أهم الملفات التي فشلت أمريكا ترامب في إدارتها، إدارة علمية وواقعية، تأخذ بنظر الاعتبار قوى ومراكز الصراع الفاعلة والمؤثرة، هو الملف النووي الإيراني. قرارات الإدارة الامريكية الحالية، هوت بسمعتها الى القاع على خلاف ما يفترض أن تكون عليه، كدولة عظمى تحتل الموقع الأول في الاقتصاد والقوة العسكرية والسيطرة المالية، أو التحكم المالي في العالم، لتصبح دولة لا تحترم القانون الدولي، ولا تحترم تعهداتها واتفاقاتها، ما انعكس سلبا على أقرب حلفائها وعلاقاتهم معها، وبالذات الدول التي لا تمتلك، أو لم تصنع لها قوة للدفاع الذاتي عن أمنها بمعزل عن الحماية الامريكية، ففقدوا الثقة بالجانب الامريكي. ويمكن اختصار ملفات الإخفاق الأمريكي في ما يلي:
ـ الملف النووي الايراني: في هذا الملف وحتى الان لم تحقق الولايات المتحدة أي هدف من أهدافها، حين انسحبت من الصفقة النووية ومن ثم فرضت عقوبات غير مسبوقة وقاسية على إيران، التي تمكنت حتى الآن من احتواء الضرر والإيذاء اللذين أحدثتهما هذه العقوبات الاقتصادية، بمختلف الطرق والوسائل والأساليب من غير أن ترضخ للإرادة الأمريكية، ما وضع الإدارة الامريكية في مأزق لا مخرج لها منه، إلا التسليم بشرط إيران القاضي بإلغاء العقوبات أو تخفيفها قبل أي مفاوضات… إيران سوف تلجأ للخروج من الصفقة النووية إذا لم يقدم الاوروبيون على اتخاذ حل، ما يجعل إيران تستفيد من موارد الصفقة من قبيل السماح لها بتصدير نفطها من خلال أوروبا، ولا نعتقد ان هذا سوف يحدث. هنا تبدأ الطامة الكبرى التي وضعت أمريكا ترامب نفسها فيها؛ إيران حين تعيد العمل بمركز أراك، أو تزيد تخصيب اليورانيوم بدرجة 20%، في هذه الحالة لا يبقى أمامها لصناعة القنبلة النووية، كما يقول خبراء هذا المجال، سوى ستة أشهر أو سنة على أبعد احتمال. وفي الوقت ذاته سوف لن تدان، لأنها في هذه الفاعلية التي تقع ضمن حدود عدم الانتشار النووي، لا تتنصل من تعهداتها الدولية، لكن الوصول لهذه النسبة أو إعادة العمل بمركز أراك لإنتاج البلوتونيوم الذي لا يحتاج إلا لأشهر لتتم منه صناعة قنبلة نووية، بمعنى أدق وكما يقول خبراء هذا الاختصاص، الانتقال من البرنامج النووي السلمي إلى العسكري أمر وارد وهين وسهل، من غير ان يشكل إدانة دولية، أي عندما يظل ضمن البرنامج النووي السلمي.
السؤال هنا ما هي الطريقة أو الكيفية التي تواجه فيها الولايات المتحدة هذا التداخل والاشتباك في وضع لا يبدو المخرج منه واردا، في ظل اشتباك الارادتين الإيرانية والأمريكية، إلا استعمال القوة العسكرية، أو النزول عند الطلب الإيراني بإلغاء العقوبات أو تخفيفها. وهذا أمر صعب على الإدارة الامريكية في الظرف الحالي. أما استخدام القوة العسكرية فهذا امر مستحيل (الا إذا حدث ما يدفع الى الضربة العسكرية المحدودة أو الواسعة، اضطرارا وليس الحرب المفتوحة) لناحية صراع القوى الدولية وتنافسها.
فشل سياسة الولايات المتحدة، في أدارة ملفات مصالحها اللامشروعة في المنطقة العربية وما يجاورها والعالم
وضع الولايات المتحدة وسط هذا الصراع والتنافس الذي أخذ في الايام الاخيرة، يظهر بوضوح (الحرب التجارية مع الصين وسباق التسلح الذي تريد امريكا سحب الروس الى أتونه).. إذن كيف الخروج من هذا المأزق الأمريكي في ظل الظروف الحالية، إلا أذا تغيرت الرؤية السياسية للحل مع ايران وواقع الوضع في الادارة الامريكية سواء الحالية، أو التى ربما سوف تأتي بعدها؟ نعتقد بأن الرؤية الحالية سوف تتغير آجلا تحت ضغط الواقع والصمود الإيراني، كما تغيرت في التعامل مع الملف النووي الكوري الشمالي.
ـ كوريا الشمالية رغم من تبجح ترامب بقوة صداقته مع الرئيس الكوري الشمالي؛ تشكل وجعا للرأس الامريكي، كما تشكل هزيمة للهدف الأمريكي فيها. فعلى الرغم من اجتماعات الرئيسين الكوري والامريكي المتكررة؛ قامت كوريا الشمالية باجراء عدة تجارب، سواء حاليا على صواريخ قصيرة المدى، قالت انها صواريخ جديدة وبتقنيات جديدة، او الصواريخ متوسطة المدى قبل اشهر.. أما قول الرئيس الامريكي، في تعليق له على تجارب كوريا الشمالية الاخيرة من انها امر مؤسف، ولكنها لا تؤثر على قوة ومتانة صداقتي مع الرئيس الكوري الشمالي، فهذا قول ينم أو يعكس انعدام الخيارات الاخرى امامه..
ـ الفشل الذريع في الحرب التجارية مع الصين، التي افتعلتها امريكا ترامب، فالحرب التجارية لم تدفعها للنزول عند الإرادة الامريكية، بل على العكس قامت بإجراءات مقابلة ورادعة. وقامت الصين والروس والهند وغيرها من الدول الاخرى الى بناء نظام مالي بعيد عن هيمنة الدولار الامريكي، ورغم انه في البداية، لكنه وفي المستقبل سيتوسع، ما يعني بداية انهاء سيطرة الدولار على الاقتصاد والمال في العالم..
ـ دول الخليج العربي (السعودية والإمارات والبحرين) وعلى ما يبدو من التحركات الاخيرة، فقدت ثقتها بالحليف الامريكي، فهي تتوجس من السياسة الامريكية لجهة التنصل عن التعهد والالتزام، بما تعد وتتعهد به الولايات المتحدة. ربما تغدر بها بعد استخدامها وأموالها في تصريف خططها اتجاه إيران، أو في أمكنة اخرى من منطقتنا العربية، وتتفق مع إيران وفي ظرف سياسي ما وفي وضع مغاير عما هو موجود الآن، بمعزل عنها كما حدث لأكثر من مرة. وتتركها في موضع إدانة من قبل إيران او على اقل تقدير؛ جيران غير مؤهلين للثقة من وجهة النظر الايرانية.. لذا نلاحظ أن الإمارات (وهذا امر مفرح ومفيد لعموم المنطقة) مدت يد التعاون مع ايران في الحدود البحرية وربما غيرها، بالإضافة الى سلطنة عُمان، التي هي أصلا في علاقة ودية مع ايران. وتغير الخطاب السعودي اتجاه ايران ولو بدرجة قليلة جدا، لكنها تنبئ بان المقبل سوف يكون أفضل لناحية العلاقة مع إيران وبالذات ان ايران رحبت بهذا الانفتاح.. على محدوديته.. في النهاية نقول إن المنطقة والعالم مقبل على تغيرات كبرى والذكي والشاطر من يعرف كيف يدير دفة الصراع واتجاهاته في استثمار قوى صراع القوى الدولية العظمى والكبرى على مناطق النفوذ، بما يحفظ مصالح دولته وشعبه مستقبلا، من دون التضحية بالاستقلال وإحداث جروح عميقة في جسد السيادة قد لا تندمل في وقت قليل هذا اذا ما اندملت…
كاتب عراقي
العالم سيرى اضعاف مضاعفة من تجاوز القانون الدولي في الفترة الثانية لترامب،