أزمة جيلي كبيرة، لقد رأى مصر مرتين، مرة أيام الطفولة والصبا والشباب الأول، ومرة منذ نهاية السبعينيات حتى اليوم. مصر التي عرفتها في الطفولة والصبا والشباب الأول كانت متسعة، سكانها لا يزيدون عن الثلاثين مليونا مع بداية السبعينيات، بينما كانت في الخمسينيات والستينيات أقل من ذلك.
كان الريف غير المدينة، وكان الريفي حين يصل المدينة للعمل يمكن أن يكون حكاية للسينما، وكان عدد النازحين من الريف إلى المدينة أقل، وسرعان ما يحمل الريفي ثقافة المدينة، وحين يتزوج وينجب يأتي ابناؤه حاملين روح المدينة.
كانت الشوارع متسعة والبلدية أو المحافظة في ما بعد، تقوم برعايتها نظافة وغيره، وكانت الحدائق تُقام فيها عروض سينمائية وفنية أحيانا، وكانت الشواطئ مفتوحة لارتداء المايوهات، وكان علاقات الحب تتحرك في الشوارع والحدائق وعلى كورنيش النيل أو البحر، وفي جلسات السينما وأغاني أم كلثوم وعبد الحليم وشادية ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد وغيرهم عن الحب الرومانسي تملأ الفضاء ليلا ونهارا. كانت هناك شوارع يجلس فيها الأحباء، فضلا عن الكازينوهات والكافتريات والحدائق، ولم يكن وضع الحبيب لذراعه على كتفي حبيبته فعلا فاضحا في الطريق العام، يمكن أن يحوله للمحكمة. كان التحرش بالبنات لا يزيد عن كلمات تنتهي مع عدم الاهتمام، ولم يكن أحد يمد يده على جسم فتاة تمشي في الطريق. كانت الأزياء الأوروبية تجد طريقها للحياة في مصر للرجال والبنات، وكانت الجامعة كلها فتيات يرتدين الجوب والميكروجوب والعلاقات بين الطلاب والطالبات عادية جدا، فلا أحد ينظر إلى أسفل، في المدرج حيث تجلس الفتيات حول الشباب، ولا في الكافتريا الواسعة، وكان الحب هو أكبر طريق، ويجد أماكن للتعبير عنه مفتوحة، وكان الزواج سهلا بعد التخرج، فالعمل موجود وأسعار السكن بسيطة جدا، يمكن أن يتحملها الزوجان معا.
هذه مصر التي عرفتها حتى منتصف السبعينيات، حين بدأ المد السلفي برعاية الدولة، وكان من أبرز ملامحه الإنجاب الكثير، فالله باعث الرزق، وحجاب المرأة ونقابها، وملايين الخطب في المساجد حولتها إلى شيطان مُباح ما دامت قد خرجت من البيت. في الوقت نفسه زادت الهجرة من الريف إلى المدينة، وقامت العشوائيات في كل المدن مع الفساد، الذي اجتمع فيه المال المقبل مع المهاجرين إلى بلاد النفط، مع الأجهزة الإدارية الفاسدة، فتشوهت المدن. زيادة السكان جعلت الفصل الدراسي يصل إلى مئة تلميذ في مدارس الدولة، بينما أنا عشته في المرحلة الابتدائية وكان عشرين تلميذا وفي الإعدادي والثانوي كان ثلاثين تلميذا في مدارس الدولة المجانية التي تعلمت فيها. خمسون سنة مرت الآن فصار هذا التحول هو مظهر الحياة الأساسي، لذلك كثيرون جدا من الشباب لا يعرفون شيئا عن مصر ما قبل ذلك. ورغم وجود صفحات على الميديا تحمل عناوين من نوع مصر زمان، لكن قليلين منهم من يقتنعون.
الحديث طويل عما جرى لكنني أتحدث عن أمر واحد وهو بلد كان يتسع الفضاء فيه للحب، وبلد لم يعد يتسع فضاؤه للحب لكن للتحرش. لم يعد التحرش نظرة أو كلمة لكن صار اعتداء بالأيدي على الفتيات، واحتكاكا بهن دون مناسبة في الشوارع، وشتائم ومد أيدي بالضرب أحيانا على الظهر أو الأرداف، وغير ذلك من المظاهر القذرة، بل لم يعد التحرش فعلا فرديا، لكن صار فعلا جماعيا تظهر صوره في الأعياد والإجازات، في الحدائق والشوارع، حين يطارد الشباب الصغير الفتيات ويمدون أياديهم عليهم. طبعا هناك أسباب كثيرة لهذا منها، قلة فرص العمل والزواج وانهيار التعليم وغير ذلك كثير، لكن الأهم أنه تم التأكيد لخمسين سنة، على أن المرأة شيطان يجب أن لا تخرج من البيت، وإلا صارت مباحة.
لم يعد التحرش فعلا فرديا، لكن صار فعلا جماعيا تظهر صوره في الأعياد والإجازات، في الحدائق والشوارع، حين يطارد الشباب الصغير الفتيات ويمدون أياديهم عليهم.
فجأة اكتشف الإسلامويون والدولة معهم، أن هناك كائنا اسمه المرأة هي مصدر الخطيئة، يجب أن تتركز عليه كل خطبهم في المساجد، وكل دروسهم في المدارس، وكل جلساتهم، كأنه لم يكن هناك في مصر نساء من قبل. هل كنا عميانا لا نرى النساء. كنا نراهن لكن كما نرى أنفسنا، بشرا خلقهم الله مثلنا يستحقون كل الاحترام، نغني لهن ونسمع الأغاني من أجلهن ونفرح بلقاءاتهن وتتسع حياتنا بالأمل. كانت الأيام الفارقة بين الرسائل أصعب الأيام على الأحباء. كنا نمشي معهن في الشوارع بحرية، ونجلس في الحدائق والكافيهات بحرية، ولم يكن التعبير عن الحب أمرا مكروها. فارق كبير بين بلد كانت فيه المقاعد على الكورنيش وبعض الشوارع يجلس عليها الأحباء بحرية، وبلد وضعوا على المقاعد «الخراء» يوما ما، حتى لا يجلس عليها أحد ثم نزعوها. طاقة الحب التي كان يتسع لها الفضاء، كانت لا تترك فرصة للتحرش، الذي لم يكن يقوم به إلا مريض نفسي يركب الأوتوبيس المزدحم ليلتصق بامرأة، وياويله لو احتجت وسمعها الركاب، أو أيضا معجب عادي لا يزيد عن كلمة من أغنية مثل «يا صباح الخير ياللي معانا» أو «كدا برضه يا قمر» لا يكررها إذا لم يجد تجاوبا بابتسامة. مضت خمسون سنة حتى الآن من الأحاديث عن المرأة الشيطان التي خلقت للجنس لا لشيء آخر، حتى بلغ العته أن متعة الرجال في الجنة هي الجنس مع الآلاف من النساء كل يوم. كل يوم عشرات الآلاف. ماذا كانت النتيجة غير الاعتداء على البنات والسيدات محجبات وغير محجبات، ولم يفلح الحجاب ولا النقاب في منع الأذى عنهن. صحيح الأمر مرتبط كما قلت بمشاكل اجتماعية واقتصادية أخرى، لكن الأهم أنه مرتبط بالفكرة التي وحدت بين المرأة والشيطان. لم يمنع الحجاب ولا النقاب التحرش، لأن فكرة الحجاب التي شاعت لدينا مرتبطة ببقاء المرأة في البيت. لم يمنع الحجاب الذئاب كما كانت شعارات السبعينيات وما بعدها «الحجاب أمام الذئاب.. الحجاب قبل الحساب» والسبب بسيط جدا، إنه ارتبط كما قلت بعدم خروجها واستباحتها مهما ارتدت من ثياب.
بعض الأئمة يتحدثون عن غض البصر، وكنا وحولنا السيدات والبنات في الشوارع والسينمات والمدارس والجامعات والشواطئ في لباس البحر، نغض البصر دون سماع الأئمة، لأن الأمر كان عاديا جداً، أن تجد على البلاج السيدات والبنات في المايوهات، وربما كان الشاذ أن ترى امرأة أو فتاة في الماء بالجلباب. كان شيئا يدعو إلى الضحك. ولم يكن هناك تحرش بهن لأن وجودهن على البلاج هكذا أمر عادي. المدهش لي هو أن ملايين من الشباب لا يصدقون أنه هكذا كانت مصر، وألتمس العذر لهم، لأنهم لم يروه، لكن الكثيرين يتصورون أن ذلك أيضا كان خطأ وخطيئة. أي أن كثيرين متشبعين بالأفكار الوهابية المتخلفة، وإذا ظهرت صورة قديمة في مدرسة أو جامعة ترتدي فيها الفتيات الجوب القصير، يقولون إنهم الأجانب أو الأغنياء وإن مصر لم تكن هكذا. لم يروا فتيات ونساء الأحياء الشعبية وهم يقلدون الأغنياء في الأحياء الراقية في زيهم، بل يضعن في شرفات البيوت الزهور مثلهم. لم يكن الزي أبداً سببا للتحرش، بل زاد التحرش وبلغ السماء مع اختفاء المرأة في السواد حول جسدها ووجهها لأن خمسين سنة من الخطاب باعتبارها شيطانا كفيل بذلك. لم نكن عميان لا نرى النساء، لكن الفضاء كان يتسع بالحب أكثر من أي شيء آخر.
روائي مصري
مأساة
عزيزي إبراهيم نريد حرية الكلام أولا . نحن ممنوعون من الكلام. الحكم العسكري منذ سبعين عاما دمر كل كل شيء وجعل مصر معرة الأمم. الانشغال بالمايوهات والميني والميكروجيب ليس قضية ملحة في أيام البؤس والهوان والخراب وضياع النيل على يد الجنرال الانقلابي الإرهابي الذي حول حياتنا إلى جحيم وأفرغ جيوبنا من أجل بناء السجون لا المدارس والقصور لا الجامعات والعاصمة المحصنة له وللحرامية الكبار وليس تعمير الصحراء وبناء المدن الجديدة للفقراء، واخترع صندوق تحيا مصر ليحيا هو وقبيله. بالله يا إبراهيم المصريون في هم وغم مقيم، أما إذا كنت من عشاق المايوهات والملابس اللي من غير هدوم فعندك عشرات الفنانات اللاتي يلبسن كما تحب ، ومثلهن خلق كثير. خلينا في حرية الكلام أولا.
أخي علي، التغيير التكاملي أو التحرر التكاملي هو أفضل طريقة، برأيي.
الأخ أسامة: من يبحث عن رغيف الخبز ولا يجده، يصعب أن يستمع إلى حديثك عن البوفتيك والبانيه والاسكالوب!
أخي علي، الناس أذكى مما تعتقد وأكثر وعيًا بل في الربيع العربي كان واضحًا أن المجتمعات العربية أكثر وعيًا مما نعتقد، ولم تعد قصة الخبز تمنعهم من المطالبة بحقوقهم!
قالت سيمون دي بوفوار “كاتبة ومفكرة فرنسية وفيلسوفة وجوديةوناشطة سياسية ونسوية ” بخصوص المرأة التي تنفق كل شيء في سبيل أنوثتها: “بأنها في مرحلة من مراحل عمرها سترسم خطًا عبر الصفحة لتحسب حساباتها؛ وذلك برصد الحساب والمقارنة بين جانبيه السلبي والإيجابي؛ وعندئذ سترتاع عند معرفة القيود الضيقة التي فرضتها عليها الحياة، ولكن الحياة ليست أقل ضيقًا إذا قمت بتضيق كل شيء لمحاولة الهروب من قيود التكوين البيولوجي كما اكتشف هذا الجيل من النساء، وفي آخر المطاف ستشعرين بالاستعداد لتصبحي أُمًّا في سن الأربعين، وسترتاعين بأنك لن تصبحي أبدًا كذلك، أو قد تطلِّقين زوجك في سن الخمسين، وسترتاعين بأنك لن تتمتعي برفقة حميمة مع رجل آخر ثانيةً، أو قد تحرمين أطفالك من صُحبتك عندما يكونون في طور النمو وذلك لمزاولة وظيفة من الوظائف، وعندئذ سترتاعين عندما يعاملونك باللامبالاة وعدم الاكتراث أو حتى العداء والكراهية عندما تلتمسين صُحبتهم وأنت امرأة عجوز، ولعل هذه أسوأ نتيجة تتعرض لها المرأة عندما تحاول تجاهل أهمية تكوينها البيولوجي، إن محاولة المرأة تجاهل أهمية تكوينها البيولوجي لن يعرض حياتها إلا للمزيد من الخطر والتهديد كلما تقدم بها السن”
صباح الخير أخي إبراهيم عبد المجيد وصباح الخير ياللي معانا. ماأجمل أن نستمع إل صوت العقل. لك كل الحب ولكم جميعًا كل الحب ياللي معانا.
تحية لالاستاذ ابراهيم وللجميع
وهكذا كان العراق ويمكن كذلك كانت سوريا مع بعض الاختلافات ففي الستينات وبداية السبعينات كانت البنات تلبس الميني جوب وهي تنورة فوق الركبة وابعد ويقال ان مدينة العمارة كانت السباقة وقد تكون البصرة او بغداد وكانت العوائل تذهب للسينما والناس باحلى حلة وكانت النوادي الاجتماعية في بصرتنا لا يمكن ان يدخلها اعضاءها الاببدلهم الرسمية ونوادي كالميناء تفرض ربطة العنق على الرجال وغيرها وغيرها من الامور التي تراجعت الان ومع ذلك كما قلت لم يتحرش الشباب كما نرى الان واغلب البنات محجبات فالذي جرى في بلدنا ان صدام وعائلته وعشيرته فرضوا ثقافتهم الريفية البدوية على الجميع فاصبحت النوادي الاجتماعية مهزلة بمعنى الكلمة فيدخلها حمايته والحرس الخاص والضباط بالملابس العسكرية او لباس قريتهم وبدون ان يكونوا اعضاء واصبحت الموسيقى الغجرية ورقصها هي التي تسمع وليس غناء الامس الراقي ولما اتى الحثالة بعد 2003 بفكرهم الديني والقبلي فلا حاجة لشرح حال العراق قالان لا يوجد سينمات في كثير من مدن العراق وخاصة البصرة كمدينة كبيرة وميناء معروف وكانت سابقا حلم ابناء الخليج ليزوروها ويتمتعوا بمعالمها
تمامًا، كلنا بالهوى سوا! هذا ورغم إختلاف النظام الحاكم في الوفت الحاضر لكنه إختلاف شكلي بين الأنظمة، أما المجتمعات العربية فكلها بالهوى سوا بكل أسف!
سبحان الله، عندما بوتين رئيس روسيا، يطلب من بايدن رئيس أميركا في عام 2021، تحيّيد فضاء الإنترنت/الشّابِكة والفضاء الجوّي، من التحرّش/الاستفزاز/فلسفة المنافسة بشكل عام،
هو أول ما خطر لي عند قراءة عنوان (فضاء الحب وفضاء التحرش)، والأهم هو لماذا، وما دليلي على ذلك؟!
ما الفرق بين أول رحلة رئيس أميركا في عام 2017، والتي هي تختلف عن أول رحلة رئيس أميركا في عام 2021، ولماذا؟!
في عام 2021، طلب من G7، توحيد الضريبة على 15% على الأقل، حتى لا تهرب الإيرادات، من دول فلسفة الغرب الرأس مالية إلى دول حكمة الشرق الرأس مالية، حيث (الانضباط في الإنتاج) أكثر،
وبالتالي سيكون المُنتَج لديهم أكثر ربحاً، من المُنتَج في دول الغرب الرأس مالية؟!
لأن رفاهية دول العولمة، تعني الربح أكثر، ولا تعني التكلفة الأقل في الإنتاج مثل ما يظن رئيس وزراء الهند (مودي)،
أو الغش في الإنتاج الفرنسي كما يظن الرئيس (إيمانويل ماكرون) ولذلك هو ضد أي شيء له علاقة بشهادة تثبت موضوع (الحلال أو الحرام)،