إذا ظنّ امرؤ أنّ فضيحة القرن المالية، في ميادين الفساد والاختلاس والسرقة وسواها، عراقية المنشأ (نهب نحو 3.7 ترليون دينار عراقي، ما يعادل 2.5 مليار دولار، من أموال مصلحة الضرائب)؛ فإنّ فضيحة كبرى منافسة، بريطانية قلباً وقالباً هذه المرّة، تحيل زميلتها العراقية إلى مراتب أدنى: إدارة الصحة والرعاية الاجتماعية خسرت 75٪ من الـ12 مليار جنيه إسترليني (أي ما يعادل 4 مليار إسترليني) من تجهيزات دائرة «معدّات الحماية الفردية»، أو الـ PPE، التي تمّ شراؤها خلال العام الأوّل من جائحة كوفيد ـ 19 ولم تعد صالحة، وتوجّب إحراقها على سبيل الاستفادة منها في… قطاع الطاقة!
عضوة البرلمان البريطاني ورئيسة لجنة الحسابات العامة، السيدة ميغ هيليير، قالت في تقريرها إنّ « حكاية مشتريات الـ PPE قد تكون الواقعة الأشدّ خزياً في ردّ الحكومة على الجائحة. ففي بدء الجائحة تُرك العاملون في الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية وحيدين يجازفون بحياتهم ومصائر أسرهم نظراً لنقص المعدات الأساسية. وفي محاولة يائسة بذّرت الحكومة مبالغ هائلة، فصرفت على نحو متضخم بذيء إلى وسطاء في تسرّع فوضوي، تركنا أمام عقود حكومية ضخمة تحقق فيها اليوم الوكالة الجنائية الوطنية على أساس اتهامات بممارسة عبودية حديثة في سلسلة تأمين المواد». ولا يُستخدم تعبير العبودية جزافاً هنا، لأنّ التقرير البرلماني الذي رفعته هيليير يحتوي على تفاصيل مذهلة لجهة المدفوعات غير المرخّص بها، وطبيعة الشبكات المستفيدة، ومدى الصلة (أو بالأحرى: انعدامها) مع القطاع الصحي.
الإشكالية هنا أعمق، وأبعد أثراً ومغزى، من فرضية تبسيطية يمكن أن يسوقها منافح مدافع عن النظام الحكومي أو الديمقراطية البريطانية عموماً، وتتخذ من أخطاء البيروقراطية الإدارية ذريعة لتفسير الوقائع؛ الأمر الذي يسهّل القفز عن حقائق/ قواعد الإنفاق الحكومي في ظلّ النظام الرأسمالي المعاصر، في أوروبا والولايات المتحدة وسائر منظومات الاقتصاد الحرّ. ثمة تضادّ صارخ بين سياسات الصرف العامة، الحكومية، ذات الصلة بقطاعات الدولة وشركائها عموماً، من جهة؛ وفُرَص المواطن/ دافع الضرائب، مموّل تلك السياسات، في مراقبة، أو حتى معرفة، أوجه الإنفاق، الفعلية أو المستورة، من جهة ثانية. والمنطق يقول، من جهة ثالثة، إنّ الفارق معدوم أو يكاد بين حكومة محافظين يقودها بوريس جونسون، أو حكومة عمّال برئاسة كير ستارمر؛ بالنظر إلى أنّ ركائز الجوهر، من حيث سلطة المنظومة قبل أنساق الجهاز البيروقراطي في الواقع، متماثلة وشبه ثابتة.
ذلك، بالطبع، لا يعني البتة أنّ معدلات الفساد مرتفعة في بريطانيا، إذْ أنّ تقرير منظمة «الشفافية الدولية» للعام 2021 يضعها في المرتبة 11 من أصل 180 دولة، ويمنحها علامة متقدمة نسبياً تبلغ 78/ 100؛ ولا يعني، استطراداً، أنّ فضيحة الـ 4 مليار إسترليني قابلة للمقارنة، بمعنى طرائق الفساد والإفساد والنهب، مع الـ3,7 ترليون دينار عراقي. لكنه يعني، على النحو الأوثق القابل للمقارنة، السهولة العالية أو القصوى التي تتمتع بها أجهزة الصرف والإنفاق الحكومية، في ظلّ منظومة اقتصاد رأسمالي حرّ بريطانياً، مقابل منظومة فساد غير ديمقراطية أو حزبية أو ميليشياتية في نموذج العراق. وضمن مقاربة مقارنة كهذه، قد يصحّ الافتراض بأنّ الطامة أكبر في لندن منها في بغداد، ليس لأنّ أعذار النهب أو التبذير مختلفة بين البلدين، فحسب؛ بل كذلك، وأساساً ربما، لأنّ أواليات الرقابة العامة أعلى كفاءة في بريطانيا قياساً على العراق.
ولأنه ظاهرة شبيهة برقصة التانغو، لا تتمّ من دون وجود طرفين اثنين: الذي يستلم المال القذر، والذي يسلّمه؛ فإنّ مراقصة الأغنياء للفقراء في ملفات الفساد تنقلب إلى تانغو منفرد: العمالقة الأغنياء يرقصون، والصغار الفقراء يُهمشون
ومن عجائب هذا الملفّ، والدلائل على العلاقة الشائكة بين منظومات الاقتصاد الحرّ والفساد، أنّ الحكومة البريطانية ذاتها كانت قد استضافت، سنة 2016، قمة عالمية لمكافحة الفساد؛ تطلعت إلى الأمنيات المتكررة، ورفعت الشعارات المألوفة العتيقة، ودعت إلى صياغة موقف عالمي يعالج الظاهرة، ويقترح اتخاذ سلّة إجراءات رادعة ليس بصدد الأنظمة الفاسدة، المشبوهة الدائمة، فقط؛ بل كذلك سرّية أعمال الشركات، وشفافية الحكومات، وتطبيق قوانين دولية في محاسبة الفساد والفاسدين. دافيد كاميرون، وكان رئيس وزراء بريطانيا يومذاك، مهّد للقمة بهذا التصريح: «شرّ الفساد يبلغ كلّ زاوية من هذا العالم. وهو يكمن في قلب ما نواجهه من المشكلات الأكثر إلحاحاً، من التشوش الاقتصادي، إلى الفقر المستوطن، إلى تهديد دائم الحضور يخصّ التشدد والتطرف». وإذْ تمنى كاميرون أن يلاقي وليد القمة تلك ـ «أوّل» إعلان عالمي ضدّ الفساد ـ نجاحاً وفاعلية في المستقبل؛ فإنه أنذر، ضمناً، بالانتكاسات المعتادة: الانتصار في المعركة «لا يتمّ بين ليلة وضحاها، ويتطلب وقتاً وشجاعة وعزماً».
وإلى جانب حفنة ضئيلة من رؤساء الدول، مثل النيجيري محمد بخاري، والأفغاني أشرف غني؛ واثنين من رؤساء الوزارة، في نيوزيلندا وسنغافورة؛ بدا ملحوظاً تماماً، وفاقعاً صارخاً، أنّ الدول الكبرى المصنّعة لم تشارك إلا على مستوى وزراء الخارجية (أمريكا وألمانيا، مثلاً)، أو شاركت بتمثيل متدنِ عن سابق قصد (روسيا أرسلت أحد نوّاب وزير الخارجية)؛ وشاركت كريستين لاغارد، عن صندوق النقد الدولي؛ وجيم يونغ كيم، عن البنك الدولي؛ وخوسيه أوغاز، عن منظمة «الشفافية الدولية». أما الطريف، وسط هذا الحشد، فقد كانت مشاركة فرنسيس فوكوياما، دون سواه، في ورقة لا تبشّر بنهاية التاريخ مجدداً، بل تشخّص الفساد: «السمة التي تعرّف القرن الحادي والعشرين، تماماً كما كان القرن العشرون قد اتصف بصراعات إيديولوجية واسعة النطاق بين الديمقراطية والفاشية والشيوعية»!
والحال أنّ سعادة كاميرون باعتماد «أوّل» إعلان عالمي حول مكافحة الفساد لم تكن في محلّها، لأنّ اتفاقيات دولية سابقة، واحدة بارزة على الأقلّ، رأت النور في صيغة «ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد» UNCAC، وقعت عليه 140 دولة عند اعتماده سنة 2003، وهي اليوم تعدّ 178 دولة. غنيّ عن القول إنّ معظم الدول الموقعة على ذلك الميثاق لا تغرق في الفساد، فحسب؛ بل تمارس الإفساد أيضاً: في تقارير «الشفافية الدولية» يسير ترتيب الدول الأكثر إفساداً، أي الأكثر سخاء في منح الرشاوي للدول أو الجهات المتعاقدة، كما يلي: روسيا، الصين، تايوان، كوريا الجنوبية، إيطاليا. وهذه اللائحة تضمّ مجموعة الدول الآسيوية الأساسية (هونغ كونغ، ماليزيا، اليابان)، ثمّ معظم الديمقراطيات الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا…). لافت، إلى هذا، أنّ حقول منح الرشوة تتركّز في قطاعات الزراعة، والصناعة الخفيفة، والإنشاءات المدنية، والطبّ والصيدلة!
وإلى جانب علاقة الجهاز المبذّر مقابل المواطن المكبّل، ثمة مبدأ مركزي حاسم، بات ناظماُ الآن، يقول إن الفساد تعَوْلَم بدوره، ولكنّ عواقبه تصبح وخيمة أكثر أو أقلّ قياساً على ثقافة سياسية دون غيرها، أو على نظام اقتصادي دون آخر، أو على الدكتاتوريات دون الديمقراطيات. وما دامت الوقائع تشير إلى أنّ الكلّ سواسية، تقريباً، في فضائح النهب أو سوء الإنفاق، فإن الطرائق الناجعة (أو التي يمكن أن تكون ناجعة في أي يوم) ينبغي أن تأخذ بالحسبان حقيقة وجود الفاسد كتفاً إلى كتف مع المفسِد، وحقيقة وجودهما داخل هياكل الدولة وخارجها أيضاً.
ولأنه ظاهرة شبيهة برقصة التانغو، لا تتمّ من دون وجود طرفين اثنين: الذي يستلم المال القذر، والذي يسلّمه؛ فإنّ مراقصة الأغنياء للفقراء في ملفات الفساد تنقلب إلى تانغو منفرد: العمالقة الأغنياء يرقصون، والصغار الفقراء يُهمشون. وفي نموذج الفضيحة البريطانية، التي أرسلت أختها العراقية إلى صفّ ثانٍ، فإنّ دافع الضرائب الضحية يمكن أن يقاصص المسؤولين عن فضيحة ما في أيّ صندوق اقتراع وشيك؛ ريثما يُكشف النقاب عن واقعة فاضحة أخرى… تجبّ ما قبلها!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
مسلسل الفساد الحكومي والسياسي العراقي بدأ عام 2003 وحتى الان وبحسب ما تم تسريبه هنا في امريكا خلال فترة حكم ادارة ترامب هو ترليون دولار . 500 مليار منها هنا في البنوك الامريكية لمسؤولين عراقيين من كافة الاحزاب والطوائف . وقد اودعت هذه الاموال خلال فترة حكم اوباما حيث كانت تعيش شهر العسل مع حكومة المالكي .
معلومات غير صحيحة تاريخيا في حقيقة الأمر – وكأنه لم يكن هناك أي فساد حكومي أو سياسي بالمطلق في زمن صدام حسين !!؟
المشكل نحن العرب أهل خرافة بحيث قدسنا الغرب و الإنسان الغربي كإنسان كمسير ك ك …في حين أن العربي المسلم أحسن منه بكثير حتى أنه من ناحية الفساد الإنسان الغربي أكثر فسادا من العربي غير أن الغربي لعبة الإعلام و الإعلان تلعب دورها