المنظومة الغربية عملت على تشويه الجهاد وتحريف مقاصده وتزييف معانيه، باختراع «جهاد جديد» إن صح التعبير، يتسق واستراتيجية الغرب، بحيث يتخذ من العنف وسيلة لإبراز حقيقة الإسلام، وإظهاره بوصفه دينَ عنفٍ ودمٍ، واستناداً إلى ذلك حقق الغرب بذلك هدفين؛ الأول هو تعطيل فريضة الجهاد، لأنها صارت رديفة الإرهاب، فأدى ذلك بدوره إلى تحقيق الهدف الثاني وهو، ضرب الإسلام من الخارج بسلاح الأعداء، سواء بقوة السلاح أو بسلاح الأفكار، أو من الداخل بإبعاد المسلمين عن دينهم، بفرض النموذج العلماني المتطرف، الذي لا يتسامح بوجود تعاليم الدين أو قيمه أو رموزه، وفي أحسن الأحوال جعلها مجرد طقوس يقوم بها الإنسان المسلم، ولا أثر لها في واقعه.
لذلك انطلق الغرب في عمل دؤوب، فجعل، في البداية، من فريضة الجهاد منبت الإرهاب ومنشأ التطرف، لكي يشوهها فتكون مقدمة لإلغاء هذه الفريضة، أو تعطيلها، ومن ثم، يتحقق الهدف الأصلي وهو، إضعاف الأمة واستباحة ثرواتها ونهب خيراتها، نتيجة لذلك تعرّض الجهاد إلى حصار قوي من طرف أمريكا والغرب، فصار لفظاً ممنوعا يجب عدم ذكره أو تداوله، وقد يؤدي استعماله، مناقضاً للسياق الذي رسمته مخابر الغرب، إلى العقوبة، لأنه، وفقاً لرؤيتها، داخل في دائرة تمجيد الإرهاب والعنف، ومن يستطيع أن يمجد انتحارياً استهدف العديد من المدنيين؟ ومن ذا الذي يؤيد من ينصب فخاخاً بسيارات ملغومة تزرع الرعب والقتل في وسط المدنيين الآمنين؟ ومن يا ترى يقبل بهذه السلوكيات الشاذة، التي هي لا من دين الله، ولا من شريعته؟ لكنه العقل الغربي المتآمر على جغرافية الإسلام، ومن أجل مصالحه يصنع أي شيء، دون أن يوقفه أحد أو يردعه رادع، فهو يملك سلطان القوة سياسياً وعسكرياً، ويوجه ما يجري إعلامياً، وفق ما يريد. على هذا الأساس، أصبح العرب والمسلمون مدانين في العالم، أينما حلوا أو ارتحلوا، وأن كل ما يصدر منهم من مقاومة، أو اعتراض على الغرب وسياسته الاستعمارية، هو، في واقع الأمر، إرهاب يجب إدانته أو محاربته، وصارت مقاومة المحتل إرهاباً، والمقاومون إرهابيين.
إن التعامل مع كل مقاومة بهذا المنظور، معناه تجفيف منابع القوة لدى المظلومين في العالم، حتى يصبحوا عراة من أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم، أو قوة لحماية أرضهم، فيسهل بذلك إذلالهم وإخضاعهم والسيطرة عليهم.
في السياق ذاته، جرت إعادة النظر في كثير من قضايا الشعوب العادلة، بإعادة تقييمها انطلاقاً من هذا التصنيف، أي المقاومة بوصفها إرهاباً، فصنفت بعض قضايا التحرر من المحتل على أنها فعل إرهاب، ومن يقودها هم إرهابيون، وأكثر من ذلك، صار النظر إلى فعل المقاومة على أنه جريمة، وسلاحها، أي سلاح، خطراً على أمن العالم والبشرية، بينما إجرام المحتل مبرر، لأنه دفاع عن النفس، وهذه النظرة، في واقع الأمر، مفارقة عجيبة جداً، لا يقبلها العقل السليم، ولا المنطق الصحيح، لكن في مثل هذا العالم الظالم المجرم كل شيء ممكن؛ أليس من يقتل بالطائرات والصواريخ والقنابل الثقيلة والدقيقة والذكية، إجرامه مبرر ومقبول، لأنه دفاع عن النفس، في المقابل، من يستعمل البندقية دفاعاً عن أرضه وشعبه ومقدساته هو إرهابي، يجب إقامة تحالف ضده من أجل منعه من إصدار أي ردة فعل، ولعل ما يحدث في غزة والضفة وكل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1948 إلى الآن، أفضل دليل على ذلك.
لقد أسقطت معركة طوفان الأقصى العديد من السرديات الغربية، التي سنها الجبابرة المتحكمون في العالم، لأجل تحقيق أهدافهم الاستراتيجية، وما عاد مقبولا بعد السابع من أكتوبر، والعدوان الوحشي الصهيوني على غزة، أن يتعامل العالم مع قضايا الشعوب العادلة بمنظور سياسة الكيل بمكيالين، زيادة على ذلك، فإن معركة الطوفان، قامت بتحرير الجهاد من الحصار الذي أقيم عليه، وعادت كلمة الجهاد إلى منابعها الأصلية، ومعانيها الحقيقية، ومقاصدها العليا، لكي تبقى الأمة قوية، عزيزة، مهيبة الجانب من أعدائها، كما قامت هذه المعركة بتحرير العلماء، فأحيوا فريضة الجهاد، عندما أصدروا فتوى توجب الجهاد ضد العدو الصهيوني في غزة، بالإضافة إلى أنها حررت الناس، فجعلتهم يتحدثون عنها في أحاديثهم، ويصدحون بها عالياً في مجالسهم، وصارت تكتب عنها المقالات والمنشورات، بلا خوف ولا وجل. هنا لا بد من طرح السؤال التالي: ما معنى أن يفرط المظلومون في المقاومة، وأن يتخلوا عن أسلحتهم؟ لقد كان الغرض من تشويه فريضة الجهاد هو أن تتخلى الأمة عن هذه الفريضة، فما هو حالها اليوم؟ إن الواقع يغني عن أي مقال، والحال يغني عن أي تحليل، ولعل النص القرآني قد استشرف هذه اللحظة من حياة المهانة والذل، فاستبق هذا المآل، فأذن الله تعالى للمظلوم في القتال، دفعاً لاعتداء المعتدي، إذ قال: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)». (سورة الحج)
لهذا يطالب الكيان الصهيوني ومن ورائه أمريكا بنزع سلاح المقاومة في غزة، والنتيجة، في التحليل الأخير، نجاح المشروع الصهيوني في تهجير سكانها، ومن ثم، ينبغي ألا تنطلي الخدعة على أهل غزة، فالمقاومة هي صمام الأمان، والدرع الحامي له، وهي السبيل الوحيد لإفشال مشروع التهجير.
لم يشرع الجهاد، في حقيقة الأمر، لإشباع غريزة القتل، وإروائها بالدم، كما يحاول الغرب إشاعة ذلك، لحاجة في نفسه قضاها، وهذه التهمة هي استمرار لتهمة نشر الإسلام بالسيف، أي أنه اتخذ السيف والإكراه سبيلا للإيمان به، لأن هذه الوسيلة لا تتوافق إطلاقاً مع المقاصد الكلية للإسلام، كونه دين سلام ورحمة، ونظرته إلى الآخر ليس كعدو، ينبغي إنهاء وجوده، إنما هو شريك في الإنسانية، يجب التعارف عليه، والتعايش معه، وعليه، فإن الجهاد شرع من باب رد العدوان على الأمة، والدفاع عنها، حتى لا تستباح بيضتها، فيضيع دينها. في هذا الصدد يقول المفكر محمد عمارة، رحمه الله، عن هذه الفريضة ما نصه: «فريضة الجهاد إسلامية خالصة، تميزت بها الشريعة الإسلامية عن الشرائع الدينية لأمم الرسالات السابقة.. لعموم الرسالة المحمدية إلى البشر، ولخلودها كخاتمة لرسالات السماء.. فعمومها يقتضي الدعوة إليها بين كل الأقوام والأوطان، الأمر الذي يستلزم الجهاد لحماية الدعوة والدعاة.. وخلودها، كخاتمة للرسالات السماوية، يقتضي حمايتها من العدوان عليها، وعلى أمتها بالجهاد، فمن دون حمايتها بالجهاد سيرد، بحكم سنة الصراع بين الحق والباطل، عدوان الباطل عليها، الأمر الذي يودي إلى الذهاب بها وبأمتها”.
يجب التذكير بفضل معركة طوفان الأقصى في تحرير الجهاد من قفص الإساءة والتشويه والتحريف، الذي أراد الغرب بالتعاون مع بعض الحكومات العربية والإسلامية أن يبقى مسجوناً فيه، لكيلا تقوم لهذه الأمة قائمة، ولقد وصلت الرسالة إلى أمريكا ومن ورائها الغرب، وهي تعرف ذلك جيداً، بأن قوة هذه الأمة تكمن في دينها، ولولا هذه الدين لما استطاعت غزة المحاصرة أن تصمد كل هذا الصمود، وأن تسطر كل هذه البطولات، ولأنها تعرف، أي أمريكا، ذلك تحارب هذه الدين بكل ما أوتيت من قوة وجهد.
كاتب جزائري
تماما كما تتقلّب مدلولات الكلمات، فتتحول أحيانًا من معنى أصلي إلى رمز مشحون بالسلبيات أو الانطباعات المسبقة، تتقلب صورة الدول في أعين العالم بحسب الأحداث السياسية والاجتماعية والإعلامية. خذ عندك فنيزويلا التي تهيمن على الاحداث مؤخرا كمثال، ومعها قارة امريكا كمنطقة بعيدة عن منطقتنا، بواقع يختلف جذريًا عن واقع منطقتنا. فأولا،عندما ننظر إلى مناطق بعيدة جغرافيًا عنا، فإننا نادرًا ما نعرفها عبر واقعها الكامل، بل عبر نافذة واحدة أو نافذتين تختزلانها في الوعي العالمي. أمريكا اللاتينية، مثلًا، لم تصل إلى أقصى الأرض عبر السياسة أو الاقتصاد فقط، بل عبر مجالات ثقافية جعلت بلدانها مألوفة حتى لمن لم يزرها قط: كرة القدم في البرازيل والأرجنتين، الموسيقى في كوبا، الأدب في كولومبيا، والدراما التلفزيونية في المكسيك وفنزويلا. في حالة فنزويلا، المفارقة أن كرة القدم لم تكن هذه النافذة، خلافًا لغالبية دول القارة. لم تُعرف فنزويلا عالميًا بمنتخبها أو نجوم ملاعبها، بل عرفت عبر قنوات أخرى أكثر نعومة وتأثيرًا: مسابقات الجمال، والدراما التي صورت البلد كفضاء ناعم (خصوصا خلال الثمانينات والتسعينات): شوارع نظيفة، بيوت أنيقة، نساء جميلات، قصص حب مصوّرة بعناية، ونهاية سعيدة شبه مضمونة في كل “تيلينوفيلا”….
….هذه الصورة لم تكن بريئة ولا عفوية، بل كانت نتاج لحظة تاريخية كان فيها النفط يوفر الاستقرار، والإعلام يصدّر “نسخة قابلة للتصدير” من المجتمع. لهذا السبب، فإن الانهيار الفنزويلي لاحقًا لم يُقرأ فقط كأزمة اقتصادية أو سياسية، بل كـ “انكسار سردي”. الجمهور العالمي لم يشاهد بلدا ينهار، بل شاهد قصة يعرفها تتشقق فجأة. حتى من منظور الجوار الإقليمي أيضًا، كانت فنزويلا تُرى كاستثناء مريح: بلد غني، غير عدائي، بعيد عن صراعات المخدرات العنيفة التي التصقت بدول أخرى. وحين سقط هذا الاستثناء، تحوّلت فنزويلا من “حلم لاتيني هادئ” إلى حالة يُنظر إليها عالميًا كمختبر للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. لذلك، فإن فنزويلا اليوم لا تواجه فقط سؤال “كيف نخرج من الأزمة؟” بل سؤالًا أعمق: كيف نُعرّف أنفسنا من جديد للعالم بعد سقوط الصورة القديمة؟
تشويه مفهوم الجهاد لم ينشأ حديثا ، كان جزءا مما توظفت له طلائع الاستشراق و أقلامه ايام الزحف الاستعماري الاول نحو أوطان المسلمين.
هل حجز هذا التشويه اسلافنا عن تحرير اوطانهم؟
ابدا، و السبب ان الدين ظل حاضرا و حاكما لم يقوى عليه تشويه فلم يقوى عليه سلاح.
الجهاد بمعنى تحرير الوجود و الوطن من القاهر غاب بتغييب أكثر ما يشكل الدين.
أليس وراء مذابح غزة دين و نصوصه،و احبار التلمود و اتباعه على قلب و قول واحد في اقرارها و دعمها؟ .. ليبحث لنا من شاء عن شبيه لها في تاريخ المسلمين و حاضرهم، او عن قلم او لسان، رسمي او مستقل، وسم التلمود و مجازر اتباعه بالارهاب، و لم يخسر شيئا.
حينما تتكلف انت بتغييب ما يتوخى متربص بك تغييبه من وجودك، فيما هو حريص على تمكينه و توريثه في قومه و واقعه، فلا تلومنّه و لا غيره اذا سطا يوما عليك.
ويبقى الانسان المسلم يعيش في مقارع التاريخ دون الوصول الى اليوم لهذا شهدنا كل هذا التحالف الاسلامي والعربي مع غزة التي ما زالت تنزف
اذا كان مفهوم الجهاد هو الدفاع عن الوطن فهو امر مقبول ولكن ان يكون الجهاد فتوحات باسم الدعوة ونشر الدين بالقوة فهو لا يختلف عن غيره