يدرك الأوروبيون والأمريكيون أكثر من غيرهم فشل سياسة العقوبات، كما يدركون أن أهدافها المتمثلة في خلق تذمر يؤدي لتغيير سياسي لم تتحقق في أي بلد. على العكس من ذلك تستخدم الدول المستهدَفة هذه العقوبات للتدليل على ظلم المجتمع الدولي، الذي يعاقب الشعوب. بهذا تساعد هذه العقوبات، على تحقيق ما يعاكس الغرض المطلوب منها، حيث تساهم في توحيد الجماهير، التي يسهل إقناعها بوجود مؤامرة ضدها، وبأن «الديمقراطيات الغربية» لا يهمها في الواقع سوى مصلحتها. الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن لهذه الإجراءات جانبا غير إنساني. على سبيل المثال وبذريعة العقوبات منع الكثير من المعينات والأجهزة الطبية وخدمات الإنقاذ لدول تحتاجها، ما تسبب في وفاة الآلاف من الأشخاص حول العالم.
من التجارب التي لا أنساها، أنني زرت قبل حوالي العقد من الزمان جامعة أوروبية معروفة بتقديم المنح الدراسية لطلاب الجنوب. كنت أود أن أسأل عن وجود فرص يمكن إعلانها للطلاب من السودان، تم استقبالي حينها بشكل جيد في البداية، لكن المسؤول عن التعاون الثقافي ما لبث أن اعتذر، حينما انتبه إلى أن السودان يقع ضمن الدائرة الحمراء، ما يعني أن مواطنيه غير مؤهلين للحصول على منح دراسية بسبب العقوبات، التي تمنع التعاون الجامعي.
القوة التي لا يمكن إنكارها، والتي تتمتع بها دول الشمال، تمنعها أحيانا من تقدير الوزن الحقيقي لخصمها، ما يولد اندهاشا في كل مرة تصمد فيها دولة في مواجهة العقوبات
بدا لي ذلك عبثيا، فمهما كان الموقف من النظام الحاكم، إلا أنه كان من الصعب عليّ أن أربط بين منحة لطالب جامعي، وأي نظام سياسي. مثل هذا الأمر يتكرر مع التعقيدات، التي يتم فرضها على عامة مواطني الدول المغضوب عليها، والتي تبدأ من حظر الوصول إلى التطبيقات الحاسوبية، والمواد اللازمة للصناعة مرورا بتقييد التعاملات والأنظمة البنكية، التي يمنع بموجبها الملايين من إرسال أو استقبال التحويلات المالية بشكل طبيعي، بل يصل الأمر أحيانا للمنع حتى من فتح حساب. مؤخرا تم تطبيق حزمة من العقوبات على روسيا على خلفية عمليتها في أوكرانيا. شملت هذه العقوبات منع الشراء المباشر للنفط والغاز، وإخراج البنوك الروسية من برنامج «سويفت» الخاص بالتحويلات المالية. كما كان متوقعا، فإن ذلك لم يأتِ بأي نتيجة تذكر على الوضع الجيوبوليتيكي الروسي، ولا حتى على عملياتها العسكرية، التي كان المطلوب تعطيلها. إذا كانت دول مثل إيران والسودان استطاعت الثبات لعقود في وجه العقوبات والنجاح في إيجاد بدائل، فإنه من السذاجة توقع انهيار دولة بحجم روسيا، أو رضوخها، مهما كانت قسوة الإجراءات الدولية المتخذة ضدها، بل إنه كان من الواضح منذ البداية أنها لن تعدم طريقة تتابع بها التبادل التجاري، خاصة أنها تملك ما يحتاج إليه الجميع، أي موارد الطاقة. لحسن حظ «المعاقَبين»، فإن العقوبات الغربية يصعب أن تكون عقوبات دولية، بمعنى انخراط جميع الدول فيها، فكثيرا ما توفر الدول الرافضة لهذه السياسة ممرات اقتصادية فاعلة تساهم في جعل هذه العقوبات بلا جدوى. هذا ما تفعله اليوم كل من الصين والهند، البلدين الصاعدين، اللذين يحتاجان المزيد من موارد الطاقة، واللذين استغلا الفرصة من أجل خلق علاقة ربح مشتركة مع روسيا، التي كان من المهم بالنسبة إليها أن لا تتوقف عن التصدير. الخروقات لا تقتصر على ثقوب العلاقات الدولية، التي تجعل من المستحيل أن تفتقر أي دولة للأصدقاء بشكل كامل، ولكنها تمتد للعائلة الغربية نفسها، ففي ظل هذه العقوبات تابعت دول أوروبية استيراد الموارد النفطية، التي كانت معتمدة عليها بنسبة كبيرة، أما الولايات المتحدة فلم تستطع منع نفسها من الحصول على بعض المواد الأولية الروسية اللازمة لصناعتها، وهو ما يذكر بما تم اتباعه في الحالة السودانية، حينما تم استثناء سلعة الصمغ العربي من العقوبات.
القوة التي لا يمكن إنكارها، والتي تتمتع بها دول الشمال، تمنعها أحيانا من تقدير الوزن الحقيقي لخصمها، ما يولد اندهاشا في كل مرة تصمد فيها دولة في مواجهة العقوبات. في الحالة الروسية كانت القدرة المذهلة على امتصاص العقوبات والسرعة في إيجاد البدائل، بما يشمل بدائل للشركات الغربية والعلامات التجارية، التي غادرت البلاد على عجل، من الأمور التي أظهرت فشل القراءات الغربية، التي كانت تسعى لدفع الاقتصاد الروسي للانهيار، بما يعني حسم المعركة حول أوكرانيا. الانفراد الغربي، والأمريكي على وجه الخصوص، بالاقتصاد العالمي وقدرته على محاصرة من يراد إضعافه، وكذلك قدرته على التحكم بالمفاصل المالية للكوكب حمل كثيرين على البحث عن طرق لتفكيك هذه السيطرة، التي استمرت لما يقارب القرن. أفكار مثل مجموعة «بريكس» واقتراح استخدام عملات بديلة عن الدولار، ما كان لها أن تظهر لولا الإحساس بفقدان الثقة في النظام الدولي الحالي. يمكن أن تكون الأفكار حول العملة البديلة قد نشأت بسبب حاجة الدول المحاصَرة للتفكير خارج الصندوق، لكنها اليوم لم تعد مما تفكر به دول مثل روسيا والصين فقط، وإنما امتد ذلك لدول صديقة أو حليفة للولايات المتحدة، كالمملكة السعودية، العضو الجديد في «بريكس»، التي بدأت باستخدام اليوان الصيني في بعض تعاملاتها التجارية. هل يمكن لسياسة العقوبات أن ترتد كالسهم إلى صدور مطلقيها الأمريكيين؟ طرح كريستوفر ساباتيني في العدد الأخير من فصلية «فورين بوليسي» هذا التساؤل بشكل جاد، فتحت مقال بعنوان: «حب أمريكا للعقوبات سيكون سبب سقوطها»، يدعو ساباتيني لتخيل صورة جامعة لكل الدول والكيانات التي تخضع للعقوبات الأمريكية حاليا قائلا، إن هذه الصورة سوف تجمع قادة من افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، بل يمكن أن تضمن فيها روسيا وحتى الصين، التي باتت تخضع هي الأخرى لعقوبات. هذه الصورة، يقول ساباتيني، لن تشبه في حجمها أي تجمع دولي آخر. حاليا تقع ست دول تحت طائلة قانون العقوبات الأمريكية الشاملة وهي إيران وسوريا وكوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا، في حين تقع مجموعة أكبر من الدول 17) دولة( ضمن قائمة أخرى للعقوبات الموجهة، لكن هذا ليس كل شيء، فهناك دول تخضع لتقييد التصدير، كما أن هناك الآلاف من الأفراد ومؤسسات القطاع الخاص والكيانات، التي تتم إضافتها لقوائم العقوبات، التي تحدث بشكل دوري. يذكر ساباتيني هذه الحقائق من أجل لفت الانتباه إلى الثقل الاقتصادي لعالم العقوبات الموازي، ثم يمضي ليقول إنه يكفي أن نتذكر أن هذا العالم يشمل أيضا الصين، التي تعمل على تفكيك النظام المالي العالمي، واستبداله بما يسمى في الأدبيات الغربية بتحالف الاستبداد، وذلك كنقيض للهيمنة الحالية لما يعرف بـ»الديمقراطيات الغربية».
عداء الأمريكيين للصين ساهم في جعلها حليفة لدول الجنوب وقبلة للمتأثرين من العقوبات، فاليوم يمر ويتسرب إلى بلاد الباندا النفط والغاز الروسي وأيضا موارد الطاقة الفنزويلية والإيرانية. هذا كله ساهم في تقوية الدولة التي تعتبرها الولايات المتحدة من أهم منافسيها.
كاتب سوداني
هه الاتحاد الأوروبي المنافق العنصري البغيض المتغطرس الذي يكيل بمكيالين سينقلب عليه السحر الأسود في البحر الأسود 🇵🇸🦁✌️🔥🐒🔥🐒🔥🐒🐒