في جزيرة إبستين

يُصيب المرض الجسدي الإنسان والحيوان والنّبات من الخارج، كائن دقيق للغاية يسمّيه العلماء بكتيريا أو فايروس يقوم بغزو البدن الجبّار، فيُحيله فجأة إلى حُطام. بينما اختصّ الإنسان وحده، دون الكائنات جميعا، بعلل ندعوها أمراضا نفسية، ومصدرها كامن في جبلّته، التي هي مادّته الأولى. قالت العرب: «إذا أراد الله بامرئ سوءًا أفسد فيه عقله»، والمرض النفسي يُصيب عقل الإنسان ونفسه، من حيث لا يدري ويعلم.
ما هي النفس، ما هو العقل، وما هي الروح؟
العقل هو ما يمتلئ به الدّماغ من خيالات ومفاهيم، والروح هي نفحة الله فينا، أما النفس فتعني البدن كلَّه مجتمعا لا مفرّقا، ومجرّدا لا مشخّصا. إنها رمز ومعنى أكثر منها مادة، وفي الآية 53 من سورة يوسف كشفٌ لرغبة النفس وتعلّقها الشديد بأعمال الشرّ والفساد: «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِيِ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ». كلّ نفس إذن، طالما كان النبيّ غير بريء من هذه الرغبة وهذا المَيل، يمكنها أن تقوم بانحراف عن الطبيعة السويّة، يصغر هذا الانحراف ويعظم، وربما بلغت النفس حدّا في التفسّخ والجنون أنها قامت بفعل «يشحب منه فكّ الحمار»، بتعبير الشاعر الفرنسي سان جون بيرس.
لو أننا رجعنا إلى القصة من البداية، يمكننا عدّ ما كان يقوم به جلجامش الملك، من حقّ الليلة الأولى في الجماع مع العروس، عاهةً نفسيةً. إن لم تكن علّةً ونقصاً فظيعاً في الطبيعة، لما ضجّ من جرّائها مجتمع الآلهة، نتيجة للأذى الذي كانت تسبّبه، وعلى هذا الأساس قاموا بخلق أنكيدو ليكون ندّاً للملك، يُصارعه ويغلبه ويحدّ من طغيانه. لا تُخبرنا الملحمة أكثر من معاشرة جلجامش لفتاته في الفراش، لكنْ في قصة ألف ليلة وليلة إعلان واضح عن جريمة قتل تتمّ في النهاية، والعروس هي الضحيّة. اللذة حين تترسّخ تصير عادة، وهذه طبيعة ثانية لبني البشر. لا ندري إذا ما انتهى الأمر بالملك شهريار عند قتل عروسه، أم أنه كان يذهب إلى معابثة الجثة في ما يُدعى بنكاح الوداع الأخير، أحد أنواع الشّذوذ الجنسي الأشدّ خطراً. هذا الاحتمال، وإن كانت نسبته ضئيلة، لكنها غير معدومة، في تأويل وقراءة تلك القصص.
رحلات جوليفر ليست كتاباً في المغامرات التي تقوم على الخيال، بل هي تعريف للنفس البشرية أقرب إلى الواقع، بإمكان صاحبها التضاؤل إلى حدّ أنه لا يكاد يكون مرئيّاً، أو الارتفاع إلى أعلى فهو يطاول الغيم عند الوقوف، وينطحه في أثناء السير. إنه هو نفسه؛ صغير مثل النملة، وكبير يبلغ النجوم، وكلّ هذا قائم على الوهم والتّصوّر لأشياء لا وجود لها في الواقع، وهي الحالة العامة لبني البشر. العقلاء التامّون في أي مجتمع يناظرون ويشابهون المجانين الميؤوس من شفائهم. صاحب هذا الرأي عالم الاجتماع علي الوردي: «من يكون عاقلاً في كل حين مثل الذي يكون مجنوناً دائماً». كما أن ما جاءنا من الفيلسوف إبراهيم النّظّام له علاقة بهذا الكلام: «ومن ادّعى بأنه يعلم (يعقل) كل شيء فإنما تصوّر له ذلك عن خلل والأولى لأهله أن يداووه».
في لذّة الباه تشترك جميع الحواسّ، وتتداخل في ما بينها، وتزداد عمقا وتعقيدا لأنها انفتحت الواحدة على الأخرى، فلا جرم أن فاقت نسبة العاهات التي تعود إليها، بقية أمراض النفس. والفضائح التي تمّ الكشف عنها في جزيرة الملياردير الأمريكي جيفري إبستين، قام بها أشخاص ليسوا مجانين أو منحرفين عن جادّة الصّواب، بل كانوا عقلاء وعقلاء جدا، منهم العالم والمفكّر والفيلسوف ورجل السياسة الحاذق المحنّك، حتى البابا يوحنا بولص الثاني كان حاضرا في الأقاويل التي أذيعت عن هذه الجزيرة.
الانحرافات النفسيّة عامّة في المجتمع في أحسن وأرقى أحواله، مثلما في أفقر بيئاته وأكثرها بؤساً. عنوان القصة هو «القنديل المنطفئ» لفؤاد التكرلي، نُشِرت في خمسينيات القرن الماضي، عن عائلة ريفية تسكن كوخاً في ضواحي المدينة، وتأكل من «الفضلات التي يُرسلها الجيران»، كما تقرّر القصة. لليوم الخامس، لم يتمكن الابن من «إتمام عمل الرجل العظيم» مع عروسه ذات الثلاثة عشر عاماً، وكان «يتهجّس من أبيه أمرا كريهاً بسبب ذلك». في تلك الليلة، كانت عروسه نائمة قربه، ضئيلة ووجهها أسمر في صفرة شديدة. ماذا يفعل بهذه الطفلة المريضة؟ تساءل الفتى مع نفسه، وكان يحبّها كثيرا، ليس بالطريقة السيئة التي يطلبها منه أهله، ولكن بالطريقة التي يريدها ويفضّلها قلبه. فجأة يحضر أبوه، وبيده عصا طويلة غليظة. ضربه على رأسه وكاد يقضي عليه، لكنه لم يمت. أخذته غشية أفاق منها على مشهد اغتصاب أبيه لعروسه وطفلته الغالية: «رآهما كالثياب المختلطة؛ كان أبوه فوقها وكانت العروس في انهيار قواها الأخير تنتزع صرخات قصيرة خافتة من فمها المغلق بوحشية». اقشعرّ جلد الفتى وهو يعاين هذا الكابوس المريع، وشعر برعب هائل يجتاحه وأراد أن يصرخ وكان جسده يرتجف ورأسه يدور. ثم أغمض عينيه وفتحهما. «كانت الثياب تتحرك بسرعة ثم تهمد لحظة وتعود إلى حركتها المخبولة، والسرير يهتز بشدة ويبعث أصواتا تختلط بهمهمة غريبة لم يعرف مصدرها». راح الأب يمزّق الطفلة قطعا، والقنديل المعلّق يرسل ضوءا أحمر كالدم المتجمد. تموت العروس والتكرلي لا يصرّح بذلك، لكن دلالة العنوان واضحة. القصة حقيقية على الأغلب، ومنقولة من مكاتب المحاكم التي كان التكرلي يعمل فيها قاضيا. قصّة أخرى للكاتب عنوانها «الاختيار»، كُتبت عام 2002. شابّ يعمل حدّادا فقيرَ الحال يُساقُ إلى الإعدام لأنه قتل أمه، إرضاءً لخاطر مومس، اختارت للاثنين هذا المصير، وانصاع لها القدر. قصة ثالثة للتكرلي أيضا هي «امرأة الصمت» في 2003، يقتلُ فيها الأخُ أخاه الكسيح المشلول، لأنه شكّ في وجود علاقة مثيرة للريبة بين زوجته وبين هذا المسكين. كم يبدو بنو البشر جنساً يدعو إلى الاشمئزاز ونحن نطّلع على هذه الأحداث! الغريب أنها شائعة في ملفّات الطبّ العدلي في أيّ مدينة على وجه الأرض. هذه الحقيقة مؤسفة للغاية ولكنها من ناحية أخرى، صادقة وصحيحة، وتُثبت أن الشؤون الإنسانية في عصرنا في حالة يُرثى لها.
أكثر جرائم القتل تدور ضمن هستيريا المال والجنس؛ وقد اختارهما الملياردير الأمريكي قطبين لجزيرته. بسبب تخمة المال والجاه والسلطة، مع غياب رقابة السماء والأرض، وبوسواس علميّ وتكنولوجي هائل صمّم إبستين مكاناً لتعاطي المخدرات والاتجار بالنساء والأطفال، وللسمسرة والاحتيال الضريبي، وللتجسّس والتلاعب بمصير الشعوب، مع القدرة على الاحتفاظ بصورة لكل مشهد ووثيقة لما يدور. عندما يقترن الجنس بالشّذوذ والموت يغدو الإنسان كائناً قميئاً يعيش حالة الفناء في حياته، وتكون عندها أمله في الوجود. هل يُمكن للبشرية بأي حال تأمين مصيرها في أيدي شياطين المال والجنس والخديعة والاحتيال والموت؟
سمعنا أو قرأنا قبل سنوات مزاعم عن فظائع كان يقوم بها الرئيس الليبي السابق معمر القذافي مع شريكته في الفراش، من غسل اليدين والقدمين بالدم والاعتداء عليها بالضّرب، وغير ذلك. مثل هذه الحوادث موجودة في كلّ مجتمع، هكذا تقول علوم الاجتماع والنّفس والطبّ، ويشتهر بها الزعماء والمشاهير لأنهم صاروا تحت النظر.
لا تحصل الهمجيّة صدفة، بل هي متجذّرة في التاريخ الإنساني منذ القدم. مرة أخرى مع علي الوردي: «الإنسان حيوان ابن حيوان، وله نسبٌ في الحيوانات طويل». هذا من ناحيتَي الروح والجسد، أما النفس فهي ماضية في كونها تأمر الجميع بالسوء، وفي حال من التطوّر العكسيّ عن أصلنا المزعوم، حسب نظرية دارون الشهيرة، رغم أعمال الفنانين والعلماء والفلاسفة والمفكرين، وجهود أهل البرّ والإصلاح. إنه قانون الزمان في ما يبدو، ارتقى الإنسان في سلّم التطوّر على الحيوان في عقله وروحه، لكن نفسه ارتكست، وهي ماضية في طريق انحطاطها سنة بعد سنة، وعقداً بعد عقد، وعصراً بعد آخر. الاستثناء الذي تذكره تتمّة الآية الكريمة «إلّا ما رحم ربّي» يعني الكثير، من أجله تستمرّ الحياة على أرضنا الطيّبة، وبسببه لا تزال الشّمس تشرق.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول وليد:

    بقيت الجزيرة قائمة كديكور صامت لفيلم لم يُعرض كاملًا. كأن مصيرها أن تتحول إلى “جزيرة شبح” في الوعي العام: لا هي أُغلقت أخلاقيًا بإجابات حاسمة، ولا أُعيد فتحها سياسيًا بمحاسبة كاملة، بل تُركت شاهدة على حقيقة ساخرة مفادها أن أقصى ما يمكن أن يبلغه بعض الفضائح العالمية هو أن تُدار إداريًا… ثم تُطوى، فيما تبقى الجزيرة، تنتظر موجة اهتمام جديدة أو فضيحة أخرى أشد ضجيجًا.

  2. يقول نذير:

    (العقلاء التامّون في أي مجتمع يناظرون ويشابهون المجانين الميؤوس من شفائهم. صاحب هذا الرأي عالم الاجتماع علي الوردي: «من يكون عاقلاً في كل حين مثل الذي يكون مجنوناً دائماً». ) اهــــــــ
    واضح جدا أن العراقي علي الوردي الذي عاش ومات في القرن العشرين،
    قد أخذ هذا القول بهيئة أو بأخرى عن الفرنسي بليز باسكال الذي عاش ومات في القرن السابع عشر –
    «الإنسان مجنون بالضرورة، فإن لم يكن مجنونا فعلا فهو في شكل آخر من أشكال الجنون» !؟

  3. يقول بلبل:

    الشاعر العربي قديماً لم يكن يصف “المكان” لذاته، بل ليصف “الإنسان” فيه. جزيرة ابستين كانت ستكون عند المتنبي خيانة، وعند الصعلوك دناءة، وعند الزاهد عبرة. لو مر عليها ابو العتاهية كان نظم الابيات التالية:
    أَتَبْنِي فِي “الجَزِيرَةِ” دَارَ فِسْقٍ
    وَتَنْسَى أَنَّ دَارَكَ هِيَ “التُّرَابُ”؟
    أَيَا جَمْعَ “الطُّغَاةِ” لَقَدْ ظَلَلْتُمْ
    فَمَا يُغْنِي عَنِ العَارِ.. الحِجَابُ
    تَمَتَّعْتُمْ بِلَذَّاتٍ قِصَارٍ
    وَلَكِنَّ الحِسَابَ لَهُ “كِتَابُ”
    رَأَيْتُ العِزَّ فِي التَّقْوَى بَقَاءً
    وَعِزُّ “الغَدْرِ” مَحْضُ سَرَابُ
    ولو كان المتنبي هو من مر بالجزيرة كان سينظم الابيات التالية:
    فِي جَزيرةٍ غَرِقَ الشَّرَافُ بِبَحْرِهَا
    وَطَغَى عَلَى طُهرِ البَرَاءَةِ مَاؤُهَا
    رَأيتُ “النُّخْبَ” فِيهَا دُونَ نَخْوَةٍ
    كأنَّمَا الذِّئابُ استُؤْمِنَتْ أرْجَاؤُهَا
    قُصورٌ شِيدَتْ بِالخَزايَا، كَأنَّهَا
    قُبُورٌ.. لَكِنَّ الأحياءَ فِيهَا بَلاؤُهَا
    وَمَنْ صَارَ “إبستينُ” رَبَّ طَرِيقهِ
    فَجَهَنَّمٌ غَدًا.. يُنيرُ لَهُ ضِيَاؤُهَا!

  4. يقول بلبل:

    ولو كان الشاعر المار على الجزيرة من “الصعاليك” كان انشد:
    لَعَمْرُكَ مَا فِي تِلْكَ “الأرْضِ” مَنْزِلُ
    وَلَكِنَّهُ جُحْرٌ.. بِالخِزْيِ يُثْمَلُ
    جَزيرةُ “نَحْسٍ” قَدْ أحَاطَ بَرَانُهَا
    وُجُوهُ رِجَالٍ.. عَنْ فَعَالِهِمْ نَذِلُوا
    يَبِيتُونَ فِي “المُخْمَلِ” وَالعَارُ فَوْقَهُمْ
    كَمَا بَاتَ كَلْبٌ فِي المَزَابِلِ يَرْفُلُ
    فَلا غَرَّكَ “المالُ” المُشَادُ بِبُؤْسِهِمْ
    فَإِنَّ سُمُومَ الغَدْرِ.. فِي الكَأسِ تَنْزِلُ

  5. يقول عصام:

    إلى أي درجة هو صحيح، أن الانحدار الأخلاقي في هذه الدوائر ليس غياباً للمنطق، بل هو منطق متوحش يهدف إلى تحويل “النخبة” من مجموعة من الأفراد الأحرار إلى “كتلة واحدة” محصنة بالصمت، ومقيدة بالخوف المتبادل، ومنفصلة تماماً عن الضمير الجمعي. أي أنها تعكس عملية “تطهير عكسي” يتم فيها التخلص من الضمير باعتباره نقطة ضعف، واستبداله بآلية ابتزاز مؤسساتية (Kompromat) تحول مراكز النفوذ إلى كيانات مصمتة لا يمكن اختراقها أو محاسبتها، لأن كشف الحقيقة يعني انتحاراً جماعياً لكل من شارك أو صمت ؟؟؟

  6. يقول رشيد:

    تاريخياً، كانت الجزيرة في الأدب مكاناً لليوتوبيا (يوتوبيا ل”توماس مور”، أطلنتس الجديدة ل”فرانسيس بيكون”، حي بن يقظان ل”ابن طفيل” و غيرهم… ). لكن جزيرة إبستين قلبت الرمزية لتصبح “ديستوبيا واقعية”؛ مكان معزول ليس للهرب من صخب العالم، بل للهرب من ضميره وقوانينه.

  7. يقول طه:

    ما كان يُعتبر خيالاً علمياً مرعباً في روايات مثل “عالم جديد شجاع” (Brave New World)، وجد له “تربة صالحة” في هذه الجزيرة. فالإيوجينيا الحديثة (Transhumanism) التي كان يبشر بها إبستين لا تسعى لتحسين الإنسان، بل لتجاوزه وخلق فجوة بيولوجية بين “السادة” و”العبيد”، وهو ما يربط “المنطق العلمي” بـ “النزعة الشيطانية” التي ترى في بقية البشر مجرد مواد خام للتجارب.

  8. يقول عبد الحميد:

    الجزيرة هي”الملاذ” الذي يهرب إليه الثري ليتخلص من التزاماته تجاه العقد الاجتماعي (الضرائب، المساهمة في البنية التحتية، والمساءلة). فالمال يدخل “الجزيرة” قذراً (مرتبطاً بجرائم)، ويمكث فيها فترة “التحلل” من هويته الأصلية، ليخرج منها “نظيفاً” كاستثمارات شرعية في عواصم العالم. وهي كذلك بيئة مثالية لنمو شبكات الابتزاز، والاتجار بالبشر، وجميع انواع الأنشطة الإجرامية، إلى درجة القول انه، حيثما وُجدت “جزر الضرائب”، وُجدت “جزر الجرائم”.

  9. يقول ملاحظ:

    في جزيرة الشيطان يلتقي شياطين الإنس مع شياطين الجن ويكيد ون للبشرية وينشرون الرذيلة والفساد ويعملون على تخريب الدول والبلدان و يستنزفون خيراتهم واسوء في كل هذا انهم يقدمون أنفسهم على أنهم نخبة العالم وساسته

اشترك في قائمتنا البريدية