في السابع من يناير/ كانون الثاني 2021 ترك الدكتور أنيس مصطفى القاسم أهله وصحبه ورحل بعد عمر مديد، ونشاط دؤوب ومميز، اعتباراً من مرافقته علامة القانون العربي عبد الرازق السنهوري، أثناء صياغة القانون المدني الليبي، إلى آخر مقالاته وصرخاته في وجه القياده الفلسطينية، التي استسلمت بذلٍّ مهين للإدارة الإسرائيلية، ووظفت عناصرها في حماية الاحتلال والمستوطنين.
كان يشقى بإحساسه العميق بالمطب الذي وقعت فيه القياده الفلسطينية، وأوقعت معها القضية الوطنية، وهو مطب أوسلو.
غادرنا وهو يحمل أوجاعه وآلامه بسبب ذلك. وأنا هنا لا أرثيه، فهو معنا دائماً، ونسترشد بكتاباته التي حرص على توثيقها دائماً، شأنه في ذلك شأنه في كتابة مذكراته القانونية التي كان يقدمها للمحكمة. وهنا تكمن أهميتها الدائمة. ولكنني استذكر بعض المواقف والنشاطات المشتركة، لاسيما وأن التشابه في اسمينا خلق لنا الكثير من الإشكاليات والطرائف في حالتيّ حياته ورحيله.
كان يشقى بإحساسه العميق بالمطب الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية، وأوقعت معها القضية الوطنية، وهو مطب أوسلو
لقد التقيت الأخ أبا أسامة، لأول مرّة في بغداد في عام 1976، وكنت خريجاً حديث العهد، ولكن تشابه الاسمين والمهنة، والهمّ الوطني، جعلني في شوق إلى الالتقاء به. وقد جمعنا المرحوم الدكتور فايز الصايغ على الغداء وعرّفنا على بعض، وكان لقاءً حميماً، وفي ذاك اللقاء اتفقنا على أن نكتب، عند النشر، اسمينا ثلاثي المقاطع لكي يتم التمييز. وكان رحمه الله قبل ذلك يكتب اسمه من مقطعين، ومنذ لقاء بغداد انعقدت علاقة ظلت قائمة وعلى تواصل مستمر، إذ أن الهمّ الفلسطيني ظل يجمعنا. لقد عملنا معاً في خدمة القضية الوطنية، وكان هو أقدم مني في هذا المجال، فهو ممن صاغوا الميثاق القومي الفلسطيني، ومن مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني لفترة طويلة، بينما لم يسبق لي أن كنت عضواً في أي جهاز من أجهزة المنظمة، إلاّ أن تواصلنا المستمر أفادني، وقد تعلمت منه الكثير. وسافرنا في رحلات عمل مشتركة، وفي إحدى المرّات كلفنا المرحوم ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة آنئذٍ، بالسفر الى نيويورك، لمتابعة القضية التي نشأت على أثر قيام حكومة الولايات المتحدة، بطلب إغلاق مكتب منظمة التحرير في نيويورك، ووقعت خلافات آنئذٍ بين المرحوم زهدي طرزي، رئيس البعثة الفلسطينية في المنظمة الدولية، والمرحومين إبراهيم أبو لغد، وإدوارد سعيد، حول كيفية التصدي لتلك الهجمة الأمريكية، وكان أبو عمار في حيرة من أمره، فطلب منا السفر لدراسة الوضع، وتقديم تقرير حول الأمر. وفعلنا ذلك في الرحلة الأولى، ولم يتمكن من السفر في الثانية لسبب صحي. وبسبب تشابه اسمينا أيضا، لجأ أبو عمار إلى التمييز بيننا باستخدام كنية «أبو أسامة» للمرحوم أنيس مصطفى القاسم، وباستخدام كنية «أبو فوزي» لي. وظل العمل قائماً على هذا التفريق، وبهذه التسميات في كل مرة كنا نلتقي فيها، الى أن أبعدتنا أوسلو، وقامت بالتفريق بيننا.
ورغم توافقنا في العديد من القضايا الوطنية، الاّ أننا اختلفنا في البعض الآخر، ولكن وعلى الرغم من الاختلاف ظل الود والاحترام قائماً، فقد كان أستاذاً واسع النظرة، ويدرك بتفهم عميق وأصيل، أن وجهات النظر من الطبيعي أن تختلف، إلاّ أنها يجب أن لا تفسد الود. وقد طلب مني الاشتراك معه والمرحوم يوجين قطران في صياغة القانون الأساس للسلطة الفلسطينية الوليدة، واعتذرت لأنني كنت في معارضة شديدة لكل ما يتعلق بأوسلو، ولم يكن هو أقلّ مني عداءً، لذلك الاتفاق، ولاسيما في مراحله الأولى، إلاّ انه كان متعلقاً بأمل التغيير. وظل يبعث لي بالمسودات الأولى من القانون الأساس، وكان ذلك من سعة صدر الأستاذ بتلميذه. وقبل ذلك، تناقشنا كثيراً حول جدوى انعقاد مؤتمر الجزائر في عام 1988، وكان هو رئيس اللجنة القانونية، بينما لم أكن أنا عضواً في المجلس الوطني، وقد دعاني رسمياً لحضور المؤتمر، ولكنني لم أذهب. وكان نقاشنا يتركز حول جدوى إعلان دولة، والانتقال من مرحلة المنظمة إلى مرحلة صلبة الشكل كالدولة. كان مفعماً بالأمل بأن ذلك سيفتح باباً لشعبنا قد يلج منه إلى الدولة، وكنت أغبطه على تفاؤله، وقد كان سقف توقعاته عالياً.
وفي ما عدا القضايا الوطنية، تشاركنا عدة مرات في قضايا تجارية أمام المحاكم البريطانية، وذلك حين كان يمثل طرفاً وأنا أمثل الطرف الآخر.. وكانت من الطرافة بمكان، حين كان القاضي الإنكليزي يحاول التفريق بين الاسمين، ومن الطبيعي أن تكون وجهة نظره مختلفة عن وجهة نظري في تفسير بعض مواد القانون، ولاسيما حين كنا نستشهد بكتابات أستاذنا السنهوري، وكان يتقدم عليّ في ذلك، باعتبار أنه رافق المرحوم السنهوري عن قرب في صياغة القانون المدني الليبي. ومن الطرائف التي ظل يتذكرها أبو أسامة لتشابه اسمينا أنه كان يتوقع وصول دفعة لحسابه في البنك، وذلك مقابل أتعابه من أحد الموكلين، وقد تأخر الموكل على غير عادته، فطلب مني الاتصال به، حيث أن الموكل يقيم في عمان. وقبل أن أتصل، وصلني كشف حسابي من البنك (قبل دخول التكنولوجيا) ولاحظت أن دفعتين دخلتا لحسابي من مصدر لا علاقة لي به. وبعد البحث، تبين لي أنهما من الدفعات التي كان ينتظرها المرحوم ودخلتا حسابي عن طريق تشابه الاسمين. وعند رحيله، لم يكن التشابه أقلّ طرافة، ذلك أن أهلي وعائلتي تقبلت التعازي بوفاتي!
يا ابا أسامة، لك الجنّه والراحة والرحمة، وقد تركت فراغاً لا تملؤه إلاّ انت. لعائلتك ولنا أجمل العزاء.
حقوقي وكاتب فلسطيني
” في وداعك يا سميي أنيس مصطفى القاسم ” إهـ .
أظن أن الصواب هو ســــميّ بياء واحدة مشددة لا يائين .
مقال مفعم بالتقدير للراحل الكبير. رحمة الله عليه.