قراءة في التحرش الإسرائيلي والصمت المصري

لا يكاد يمر يوم، دون تصريحات إسرائيلية، من الحكومة والمعارضة على السواء، تتضمن تحرشاً واضحاً بالدولة المصرية، وجيشها بالدرجة الأولى، على هامش تطورات الأحداث في قطاع غزة، بما يشير إلى مخاوف إسرائيلية واسعة، من ردود أفعال مصرية، على ما يجري على الأرض، من تجاوزات قوات الاحتلال، خصوصاً ما يتعلق بنية الاستمرار في معبر صلاح الدين (فلادليفيا)، خصوصاً التراجع عن الاستمرار في تنفيذ اتفاق وقف القتال في القطاع، وطرح إملاءات جديدة تتناقض مع ما تم الاتفاق عليه، للهروب من استحقاقات المرحلتين الثانية والثالثة، اللتين تتضمنان الانسحاب النهائي من القطاع، والوقف النهائي للحرب.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اتهم مصر بتحويل غزة إلى سجن مفتوح، متهماً إياها بالسماح للأغنياء فقط بالخروج، مقابل أموال باهظة.. ثم جاء وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، ليقول: إن اتفاقية السلام أخرجت مصر من دائرة الحرب، بقرار غيّر وجه التاريخ، ولن نسمح لها بانتهاك الاتفاقية.. أفيغدور ليبرمان رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، قال إن على مصر استيعاب سكان غزة في سيناء، وتولي السيطرة على القطاع، والمطلوب هو أن تفتح مصر معبر رفح، وأن سيناء تقدم حلاً عملياً وفعالاً.. يائير لابيد، زعيم المعارضة، طالب بإسقاط المجتمع الدولي للديون المصرية، مقابل قيام مصر بإدارة القطاع، لمدة تتراوح بين 8 إلى 15 عاماً.
في السياق ذاته تخرج تصريحات رسمية أخرى، أشد وطأة، خصوصاً من اليمين المتطرف، أمثال وزير الأمن القومي المستقيل إيتمار بن غفير، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، وغيرهما، تتحدث عن إمكانية استخدام القوة في تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، أو الضغط على مصر من خلال الولايات المتحدة، بينما تبرز تصريحات عديدة تندد بالقوة العسكرية المصرية، وكيف أنها تطورت كثيراً خلال العقود الأخيرة، ثم تأتي بعد ذلك التصريحات اليومية، من عسكريين وسياسيين تتمحور حول حجم الوجود العسكري المصري بسيناء، وكيف أن ذلك مخالف لاتفاقية السلام المبرمة بين البلدين عام 1979، ومطالبة مصر بسحب هذه القوات.
التحرش الإسرائيلي بالجانب المصري واضح على كل المستويات، ليس من خلال التصريحات الرسمية فقط، إنما أيضاً من خلال البرامج الحوارية بالقنوات التلفزيونية المختلفة، التي تعتمد في معظمها على عسكريين سابقين، ومحللين سياسيين، ومراسلين صحافيين، ونخبة ثقافية واجتماعية، يشيرون طوال الوقت إلى أن الجيش المصري أصبح يشكل خطراً على إسرائيل، ما يعني أن هناك تقاسم أدوار، سواء ما يتعلق بالتصريحات، أو الحوارات، أو حتى المقالات الصحافية، التي لا تخلو أحياناً من لغة العقل، بتحذير الاصطدام بمصر في هذه المرحلة، التي يمر فيها الجيش الإسرائيلي بمحنة شديدة، نتيجة الخسائر الفادحة التي مني بها خلال الحرب في قطاع غزة. إلا أن الربط بين هذا التوجه، وما قاله نتنياهو، الاثنين الماضي، أمام الكنيست، من أن إسرائيل تستعد للحرب على 7 جبهات، تحت مسمى “حرب النهضة”، ربما يوضح بعضاً مما تحمله تلك التصريحات، التي لا تحتمل العبث بأي حال، ذلك أن الخرائط الإسرائيلية، التي يعرضها وزراء اليمين المتطرف طوال الوقت، تشير إلى أطماع توسعية في عدد كبير من الدول العربية، وليس دول الجوار فقط، وقد جاء ترامب إلى سد الحكم بالولايات المتحدة الأمريكية، وفريقه الوزاري والأمني المتصهين، ليرفع من سقف الطموحات والأطماع الإسرائيلية، حول هذه الخرائط، التي ترى الصهيونية العالمية، بشكل عام، أن الوقت الحالي هو الأنسب للتعامل معها وتحقيقها. الغريب، هو ذلك الصمت المصري الرسمي – إلا ما ندر- إزاء تلك الاستفزازات، وهو ما يراه بعض المراقبين “كياسة” في التعامل مع الأوضاع المتوترة، بينما يراه البعض الآخر محاولة لتجنب التصعيد، في هذه الظروف، التي يجد فيها كيان الاحتلال، دعماً أمريكياً غير مسبوق، على كل الأصعدة، السياسية والعسكرية، بما يصل إلى حد البلطجة والنكوص بالوعود والاتفاقيات، برعاية الإدارة الأمريكية، التي تتجاوز في مطالبها سقف الأطماع الإسرائيلية، ما يجعل المعونات والمساعدات الأمريكية، المالية والعسكرية، المقدمة لمصر، في مهب الريح، رغم ارتباطها على مدى 46 عاما باتفاقية السلام، بما يجعل من منعها تهديداً مباشراً لهذه الحالة من الاستقرار الهش، غير القائم على ركائز وأسس متينة شعبياً، على أقل تقدير.
على أرض الواقع، لا تخلو حوارات مصرية سياسية، أو حتى شعبية، من عقد مقارنات طوال الوقت، بين القوة العسكرية هنا وهناك، لا تخلو المناقشات من تحليل أبعاد هزيمة 1967، وملابسات انتصار 1973، لا تخلو الأحاديث عن المقارنة بين موقف العرب في الماضي، حينما قرروا، بقيادة الملك فيصل، وقف إمداد الغرب بالنفط، وإرسال قوات عسكرية لنصرة دول المواجهة، والموقف العربي الحالي، الآخذ في التردي، والهرولة نحو التطبيع مع الكيان، أيضاً من الطبيعي أن يأتي الحديث على ذكر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وما إذا كانت لديه شجاعة المواجهة في الوقت المناسب، من عدمه، خصوصاً أنه شخصية عسكرية، المفترض أنه يعي أبعاد الأمن القومي، وكيف أنه يبدأ من فلسطين، وما قبل فلسطين. إلا أن الجدير بالملاحظة، أن الإعلام المصري، بشكل عام، رسميا وخاصا وحزبيا، صحافيا وتلفزيونيا ومواقع إلكترونية، لا يستطيع مناقشة أي من ذلك، أسوة بإعلام الكيان، في ضوء الرقابة، والسيطرة الأمنية، على جميع وسائل الإعلام، ليس ما يتعلق منها بالمقالات والتحليلات والبرامج الحوارية فقط، بل بنشر الأخبار الجدلية في حد ذاتها، ما يجعل الهروب إلى الفضائيات الخارجية، وفي مقدمتها قنوات “الجزيرة، وفضائيات المعارضة بالخارج، أمراً بديهياً، في عودة إلى ستينيات القرن الماضي، حينما كان المهتمون بالشأن السياسي، يعتمدون في معلوماتهم على إذاعات BBCومونت كارلو، وصوت أمريكا، وأحياناً كثيرة إذاعة العدو الإسرائيلي.

القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في المجتمع المصري، يمكن من خلالها توحيد كل القوى السياسية والشعبية خلف القيادة السياسية، إذا رأت أن الأمر يتطلب التدخل عسكرياً لنصرتها، أو دفاعاً عن الأراضي المصرية

رغم ذلك، لا تخلو قرية مصرية، من نشاط يتعلق بجمع معونات إغاثة مادية وعينية، للأشقاء الفلسطينيين في قطاع غزة، بغية تسيير قوافل إلى هناك، كما لا يوجد خطيب بأي من المساجد، لا يتحدث عن وجوب إغاثة أبناء القطاع، بما يشير إلى أن القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في المجتمع المصري، يمكن من خلالها توحيد كل القوى السياسية والشعبية خلف القيادة السياسية، إذا رأت أن الأمر يتطلب التدخل عسكرياً لنصرتها، أو دفاعاً عن الأراضي المصرية، بما يؤكد أن سنوات طويلة من الهدوء على الجبهة المصرية مع الكيان الصهيوني، لم تكن سوى هدنة، كشفت عن أطماع الكيان التوسعية، وها هو يؤكد نواياه يوماً بعد يوم. وفي ضوء التمرد الرسمي الإسرائيلي، على اتفاق وقف القتال في قطاع غزة وتبادل الأسرى، تثار المخاوف والتوقعات بعودة العدوان من جديد، بهدف الضغط على الحدود المصرية، لاستقبال أبناء القطاع، بتنسيق مع الإدارة الأمريكية هذه المرة، وهو الأمر الذي يشكل لمصر خطاً أحمر، يمكن من خلاله التحلل من أية اتفاقيات، ليصبح الصدام فرضاً، لا يمكن الفكاك منه، خصوصاً أننا أمام عدو لا يعير الاتفاقيات أي اهتمام، كما لا يعير المواثيق والقوانين الدولية أي اعتبار، في غياب المنظمات الدولية، الضعيفة بحكم تكوينها، وفي غياب مجتمع دولي يعيش هذه الآونة مرحلة من القلق والتوتر، لا يحسد عليها، في ظل الملفات الكثيرة، التي فتحها الرئيس الأمريكي، خصوصاً ما يتعلق منها بحلف الناتو، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية.
في كل الأحوال، لم يعد هناك ما هو مستبعد، في العلاقات المصرية الإسرائيلية، في ضوء التصريحات والاستفزازات الصادرة من تل أبيب من جهة، وفي ضوء الممارسات التوسعية على الأرض من جهة أخرى، في كل من قطاع غزة، والضفة الغربية، وسوريا، ولبنان، وما يجاهر به بشأن سيناء، وربما يفسر ذلك التحركات العسكرية المصرية في شمال سيناء، التي تشير إليها التصريحات الإسرائيلية طوال الوقت، والتي قد تمثل -على أقل تقدير- ردعاً يوقف المد الصهيوني، رغم إعلان الكيان الحصول على أسلحة أمريكية متقدمة في الآونة الأخيرة، في الوقت الذي تشير فيه التقارير أيضاً، إلى أن مصر قد حصلت هي الأخرى على أسلحة روسية وصينية متطورة على المستوى نفسه.
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. رامي:

    لا يمكن عقد قراءة صحيحة للصورة الأصغر دون نظرة متعمقة في الصورة الأكبر…

  2. يقول فصل الخطاب:

    هه الصمت المصري مبرره التمسك باتفاقية كامب ديفيد يا داود التي سقطت في الماء وعلى أرض سيناء وتعسا لعرب التطبيع والتنسيق والاتفاقيات العبثية مع عصابة البيت الأسود الصهيوني الأمريكي يا انريكي 😎☝️

  3. يقول جزائري عربي مسلم:

    الشرط الأساسي لأية مواجهة مصرية-صهيونية محتملة هو انهيار نظام السيسي وزواله. بدون هذا الشرط المنطقي من المضحك الحديث عن مواجهة محتملة بين حليفين تقليديين.

    1. يقول عربي:

      لا اتفق معك. السيسي هو رفض خطه ترامب وهو من الغي زيارته أمريكا واشترط عدم التهجير. والجيش المصري كله في سيناء. ولا تنسي إن مصر وسيط في الهدنه. وإذا قام المصريون بتغيير النظام كما تتمني. فسوف يكون ذلك فرصة كبيره أمريكا واسرائيل لأن المصريون سو ف يكونوا مشغولين. والمسافة طويلة لو جاء جيش التحرير الجزاءيري. الحرب ليست نزهه وهل العرب جاهزون للحرب وهل اقتصاد مصر يتحمل الحرب. عندما يكون العرب جاهزون للحرب بالاموال الأسلحه والنفط. نعم سوف تكون حرب. لا داعي للمزايدات في هذا الوقت. من يقف حقيقة مع غزه واهلها الان هي مصر وقطر والاردن. وبقيه العرب متفرجون. الاتحاد للكلمه والقرار مطلوبان الان وعلينا إن نكون واقعين.

  4. يقول عمر علي:

    المقال جيد والمهم الاعتراف بأن معظم الدول العربية تعمل جاهدة من أجل الحصول على رضاء الادارة الامريكية والت يعتبره الكثيرون بانها والأداة التي سبقتها قدمتا اكبر دعم عسكري وسياسي ومالي واقتصادي الى اسراءيل. لا توجد استراتيجية عربية واضحة لمواجهة التحديات والغطرسة الاسرائيلية.

  5. يقول أحمد حمدي / ألمانيا:

    يا سيدي الأمر واضح وضوح الشمس!
    انظر إلى الخريطة على كتف الجنود الصهاينة لتعلم أن الهدف واضح: “من النيل إلى الفرات”.
    ثم اسمع ما يقوله إعلامهم لتعلم أنهم جادّون في ذلك.
    ولكي يتحقق الهدف، فلابد من القضاء على قوّة العدو، التي تتمثل أولا في سلاحه. هل غاب عنا ما قاله أبو الغيط عن سلاح المقاومة؟.
    ومن ذلك القضاء على جيش العراق، ثم القضاء على الجيش السوري، ما نحن بصدده الآن، والدور على الجيش المصري. الجيش المصري، برغم التفوق التسليحي وأموال أمريكا وأوروبا وكندا وأستراليا والفيتو الأمريكي وأسلحة الدمار الشامل التي تأتي الصهاينة بغير حساب، هو العقبة الباقية في تحقيق الحلم الصهيوني، لأن باقي الجيوش بما فيها ما تبقى من سلاح حزب الله ليست بمعضلة يُعد لها حساب. وما يحدث الآن في الإعلام الإسرائيلي هو التهيئة النفسية للقادم. ولا أظن أن ذلك غائب عن المسئولين في مصر. ولكن هل تدار مصر الآن لصالح مصر؟ الأيام القادمة سترينا إن كان ذلك صحيحاً.
    والحال كذلك، ندعو الله في الشهر الفضيل أن يجعل كيد من يكيد لهذه الأمة في نحره، وهو القادر عليه.

    أحمد حمدي / ألمانيا

  6. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    قراءة في التحرش الإسرائيلي والصمت المصري
    أستاذنا المحترم عبد الناصر سلامة،
    تحياتي لحضرتك. مقالك يحتوي على جميع الحقائق؛ المحتل يطلق بالونات اختبار على جميع الجبهات وينتظر الرد الفعلي، أولاً الشعبي، وبعد ذلك الرسمي. وهو واهم إن كان يعتقد أن الأزمة الاقتصادية ومعاناة ظروف الحياة في مصر ستجعل الشعب المصري بعيداً عن الالتفاف حول قرار الحرب إذا تم اتخاذه.
    وعندك حق: في مصر، جميع المنابر والعلماء لا همّ لهم في هذه الفترة سوى الكلام عن أطماع إسرائيل في سيناء وفي جميع الدول التي ذكرتها حضرتك في هذا المقال الجميل والقيم.
    إذن، يجب على مثقفي مصر والعالم العربي توضيح ما هو قادم على هذه المنطقة. ويجب اتحاد الشعوب حول الحكومات العربية وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، وليس التطبيع مع عدو لا يفهم سوى لغة القوة.
    عالمنا العربي ليس لديه رفاهية الوقت؛ فقد تم استنزاف الوقت، والآن نحن في وقت الرد الحازم. وليس معنى الرد الحازم أن نعلن الحرب، لا على الإطلاق، ولكن أن يعلم العدو جيداً أن فتح باب الحرب مرحب به، وعلينا اللقاء.
    نظرة على أوروبا: ( 1 )

  7. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    ماذا قال ترامب؟ “الله معكم، أنتم بدون أمريكا ليس لكم أي قيمة، أي قيمة بدون أمريكا”. نعم، أمريكا الآن قوة، ولكن بعد كلام ترامب، لن تثق أوروبا فيما سيقوله من الآن فصاعدًا. على المدى البعيد، أوروبا هي الكسبانة وأمريكا هي الخسران ( 2 )

  8. يقول عاقل:

    اذا خرجت اسرائيل وقالت الجيش المصري ليس خطير خرجوا وهاجموا القيادة المصرية انها بلا قيمة وراحوا يطبلون لايران لان اسرائيل تقول انها تشكل تهديد (ضلوا ٢٠ سنة يمجدون بايران بسبب تصريحات اسرائيل )
    عندما تخرج اسرائيل وتقول الجيش المصري خطير ، يخرجون ايضا ويهاجمون القيادة المصرية ان اسرائيل “تتبلطج” عليهم
    بكلا الحالتين هم سيقومون بالهجوم، لان الذي يدفع يريد ذلك

اشترك في قائمتنا البريدية