كان محمود أكرم مخلوق عرفته، مع أنه كان فقيرا- أو لأنه كان فقيرا، فسرعان ما اكتشفت أن لديه عبقرية في إنتقاء الهدية البليغة، التي اتسمت دوماً بحس جمالي أو عاطفي ذو شحنة عالية، تركت في قلبي علامة لم تمح، رغم أن كل ما أهداني إياه سرق مني فيما بعد، أو أندثر في الحروب والتنقلات المتتالية، أو مات.
كان لا يعود مرة الى البيت إلا وفي جيبه هدية: زهرة غاردينيا طلب من البائع أن يلفها بورق الجيلاتين وبشريطة خضراء بلون ضلعها تماماً؛ حبتان من «المارون غلاسيه» من محل «شانتيي» الشهير، إذ كان يعرف حبي لهذه الحلوى (رغم غلاء سعرها) لأسباب تتعلق بطفولتي، لأن والدي كان دائماً يحاول صنعها في بيتنا في دمشق، ليصبح المطبخ وكأن تسونامي قد ضربه، وقشر الكستناء يتناثر في كل مكان، وأوعية عديدة نحاسية يغلي فيها قطر السكر على النار، وميزان الحرارة الخاص الذي جلبه معه من باريس، لقياس اللحظة المناسبة للبدء في تحضير الوصفة المعقدة من معجم «اللاروس غاسترونوميك» المفتوح أمامه، والصفحة التي يتدارسها أصبحت مهترئة من كثرة المحاولات.
في يوم ربيعي عاد زوجي من العمل الى شقتنا في بيروت، وطلب مني وكأنه لا يمكنه أن ينتظر ثانية- حينها كنت في المطبخ أفرم باقة من البقدونس لطبخ أكلة شامية هي «الجز مز» التي كان يسليه اسمها ويحب طعمها- أن أدخل يدي في جيبه لكي أستخرج هديتي. فعلت كما طلب، لأجد قطة صغيرة، بيضاء اللون، عليها علامة سوداء وأخرى حمراء، من صنف الهر الأوروبي. كان قلبي يدق من كثرة الفرح، وحين حملتها، نامت فوراً على صدري، وكأنها وجدت أمها الضائعة. بكى محمود حين رأى هذا، وأكل بسرعة بعد أن أطعم القطة وسقاها، لأنه أراد أن نذهب الى غرفة النوم ونأخذها معنا لنمضي معها ساعة القيلولة. حين فعلنا، وجدنا أنها نامت بيننا، ووضعت كفا صغيرا ناعما على كتف محمود، وباقي جسمها على جسمي. ثم أخذت «تخرخر» مطمئنة بأنها سرقت قلبي وقلبه، مدركة أنها ستصبح طفلتنا المدللة. تنهد محمود، وقال- والدمع ما زال يبرق على ريف عينه: «ليتك كنت تستطيعين (الخرخرة) مثلها، لكي أعرف أنك سعيدة معي وستبقين!».
كنت أترجاه دوماً أن لا «يدللني» بهذا الشكل اللا معقول، كي لا يحسدني القدر. فكم أضحكته كلماتي هذه، وسألني متعجباً كيف لي أن أؤمن بهذه الأنواع من الخرافات؟ لم يكن يرى، مثل ما كان يظهر لي (بحدس أثقل روحي وجار على أعصابي) تلك الكائنات القبيحة التي راقبتنا من ركن الغرف، وهي تتفانى في تدبيرها لتدمير سعادتنا البشرية الهشة. هل كانت هي التي دفعتني إلى الرحيل في ليلة سقوط الأماني، أم ظروف سياسية بائسة، وخارج إرادتنا تماماً، أعند بكثير من حبنا المتكرر؟
لم أنج من عقابه حين تركته ينزف جريحاً لوحده بعد انتهاء زواجنا الثاني، في بيت موحش في مصيف سيدي بوسعيد، بعد أن غادرها السياح لتجتاحها ريح الخريف الصاخب الرطب، التي كانت سرعان ما تغبها العظام ليوجعها، والنفس الحساسة ليؤلمها. وصل التاكسي الى باب الدار الأزرق الأثري الكبير، وكان سؤال محمود المأساوي الأخير هو: «كيف استطعت أن تأخذي ‘فيزا’ لكي تسافري؟» ثم أعاد السؤال باختصار أشد وأعنف، أشبه بـ «ستاكاتو» البرقية: «فيزا؟ كيف؟ كيف؟ فيزا؟» اذ إشارة الدخول الى أي بلد يريد ان يسافر اليها لاجئ مثله بقيت معضلة حياته، كما ستصبح معضلة حياة شعبي السوري بأكمله، في عهد محرقة بشار الأسد، والنزوح الجماعي للملايين بعد تدمير نصف بيوت سوريا بالطيران الحربي والبراميل المتفجرة؛ بالحصار والمجاعة والإغتصاب الجماعي والتعذيب الشنيع الحاقد.
ركبت التاكسي ولم أقل شيئاً، فالكلام كان أصغر من الحزن الصامت الذي اعتراني في لحظتها. وأسباب رحيلي كانت أكثر تعقيداً بكثير من أن تشرح أو تفسر. الأخطاء والجروح وأقوال الأفراد الذين أرادوا كسر علاقتنا، كانت قد غطت حبنا الناصع، كالنفايات في الصباح الباكر في حارات المرسى القديمة، قبل أن تلمها كاميونات البلدية، التي مررت بها وأنا متوجهة الى المطار. كانت بيوت هذه المدينة الساحلية البديعة، تعج بأصدقاء قضينا معهم أحلى أيام سنواتنا معاً، حين ذهبنا الى تونس للمرة الأولى في عام 1977 (قبل أن يحتلها أبوات الثورة الفلسطينية) ليقرأ محمود شعره هناك. ونزلنا في فندق من طراز تقليدي رائع، في غابة مليئة بالأشجار القديمة الضخمة، والياسمين والبوغانفيليا والميموزا. على شاطئ بحر سري، رمله كالسكر، كان اسمه «شاطئ القردة». هذه الجنة التي سحرتنا بيعت لشركة خليجية في عهد حكم سماسرة بن علي، وهدم الفندق الأثري وماتت الأشجار. بقيت المنطقة لسنين مهملة بعد قبض «الكومسيونات» الكثيرة، حتى بني عليها من فترة فيلات جديدة شديدة البشاعة.
كره محمود سماع لفظ اسمي عندما غادرته للمرة الثانية في تونس، وكان يترك جلسة بغضب لا إرادي إذا ما ذكرت فيها. صب علي كل سخط الذكر الذي طعن في غروره. لم يتغير هذا إلا حين أتت السنوات النهائية من حياته، حين سمح لنفسه أن يغفر لي، وتقابلنا وتحدثنا أكثر من مرة قبل وفاته. كم ترجيته، مثل كاساندرا، في المكالمة الهاتفية الأخيرة، أن لا يتوجه الى غرفة العمليات في ولاية تكساس، وان لا يسلم نفسه لجراحة خطيرة. قلت له أنني متأكدة انها ستقتله. أدهشه رد فعلي القاطع هذا، ولا بد ان ملامحه تغيرت حين أصغى إلي، فسمعت صوت ليلى شهيد، ممثلة منظمة التحرير، التي كانت تحرسه مثل ظله، تصرخ من غضبها: «ماذا تقول لك؟ كفى! كفى! لا ترد على كلامها وانه المخابرة فوراً!».
أما عقاب القدر القاسي لتركي هذا الشاعر الكريم النفس، والمترفع عن المادة مثله مثل الناسك، رغم إيهامه الجميع أنه كان متعلقا بملذات الحياة الدنيا- والذي بالرغم من ذلك كان يحلم ان يمطر على زوجته الصغيرة كل جواهر الأرض النادرة، دون أن يملك ثمن علبة يضعها فيها، جاءني بعد سنين، حين ذقت الذل على يد أبخل البخلاء.
رنا قباني
حلو وممتع جداً هذا المقال .
السيدة رنا تقبلي حبي واحترامي ، وأتمنى ألا تكون هذه المقالة هي الخاتمة، فقد أصبح ليوم الأحد نكهة خاصة نهرب إليها – نحن السوريين في الداخل – لنأخذ إجازة بين قصفين وننسى هدير الطائرات الحربية، لك حبنا واحترامنا
عزيزتي أكاسيا، كم تأثرت من كلاماتك الشجاعة و المحبة. أشكرك و أتمنى ان نلتقي في سوريا الحرة.
رنا
عزيزتي رنا
اشعر وكأنك تريدين إسدال الستارة على حلقات الذكريات ،مهلا ،مهلا لاتظلمي قراءك ،الذين ينتظرون بشوق يوم الأحد ليقرءوا اجمل قصه حب عربيه ،أنا متأكد ان مازال لديك الكثير ،وما أحوجنا جميعا ان نخرج من ذواتنا ونطلق لأنفسنا العنان في هذا الزمان المغلق،لعل محاولتك ستشجع الكثيرين ليخرجوا من سجون الصمت والخوف ،كلنا بانتظار الحلقه القادمة
ومحمود درويش أولنا .
عماد شبارو
شكرًا يا عماد على هذا الرد المرهف الكريم.
تحياتي لك و لمحاسن.
رنا
هذهِ المقالات هي ليست فقط كتابة مذكرات ،بل تحتوى على اقوال وتعابير ادبية راقية،ويمكن ان تكون هدية القطة الاجمل من بين كل الهداية.
….لا أعرف؟؟؟ أحياناً ….نتوقف عند سؤال كبير ….؟؟
ما فائدة التسريبات بعد موت الإنسان ؟ …
ما فائدة اتهام جانب معيّن بأنّه كان يحتل دولة استقبلته استقبالاً عزّ نظيره ؟؟؟
هل هو تهجّم ….أم نقد …أم طعن …..أم ؟؟؟
ماذا نستفيد من مقالة : ” رنا قباني ” ….غير بعض الملامح التفصيلية عن حياة درويش ؟؟
بعض التعليقات وصفت مقالة رنا قباني في القدس العربي …بالتحفة الفنية ؟؟؟
كان اسمك سعيد فأصبح ناصر.
و ظلت إشارات الاستفهام مبالغ فيها. فكما قلت لك، خفف عن نفسك و لا تقرا ما يغضبك بهذا الشكل الذي يستدعي الشفقة.
نعم انها تحفة فنية لانها تكشف جوانب انسانية واخرى مخفية في شخصية حاضرنا الغائب محمود درويش ويا سيد ناصر نحن لسنا فوق النقد فاخطائنا متراكمة
يقال الخبير يتعلم من اخطائه والحكيم من تجارب الاخرين فنحن لا من هذا تعلمنا ولا من ذاك
…… أتراه لم يكن صادقاً عندما بكى لوداع محبوبته تونس ……؟؟؟ لقد بكاها ….لقد كان بكاؤه عشقاً أزلياً ووفاءً أبدياً……لقد كان عضواً في المجلس الوطني لمنظمة قِيل أنها احتلت تونس!!! …..لقد أثقل الوداع قلب العاشق ….
نعم لقد أثقل الوداع قلب العاشق المصاب بالهجر والهجران ………
هل كانت قصور درويش في تونس عدد الحصى والرمال؟؟ ….بقدر قصور أعضاء منظمة التحرير ؟؟….هل كان الشهيد القائد خليل الوزير ” أبو جهاد ” رحمه الله يملك مثل هذه القصور المرمرية …..؟؟؟
المهم أن العاشق …أن العندليب المصاب بالهجر والهجران …..قد فارق معشوقته تونس إلى أمه فلسطين …..
وقال مودعاً باكياً :
”
كيف نشفى من حب تونس الذي فينا مجرى النفس
لقد راينا في تونس من الالفة و الحنان والسند السمح ما لم نره في اي مكان اخر
لذلك نخرج منها كما لم نخرج من اي مكان اخر
نقفز من حضنهاالى موطئ القدم الاول
في ساحة الوطن الخلفية
بعدما تجلت لنا فيها
في البشر و الشجر و الحجر
صور ارواحنا المعلقة كعاملات النحل على ازهار السياج البعيد
(…)
فهل نقول لك شكرا
لم اسمع عاشقين يقولان شكرا
و لكن شكرا لك لانك انت من انت
حافظي على نفسك يا تونس
سنلتقي غدا على ارض اختك فلسطين “
الجميلة رنا
قرأت مقالك هذا واقرأ كل مقالاتك عن محمود درويش والفترة التي عشتها معه
ذكريات جميلة تنقليها لنا عن هذا الانسان الذي لم نعرف منه سوى الحالة الشعرية قلما تحدث عنه من يعرفه وقلما تحدثوا عن انسانيته ونسكه ولطفه وحبه للحياه
نعم يا سيدتي الابوات افسدوا حياتنا واضاعوا قضيتنا وعكروا مزاجنا وزجوا قضية فلسطين في فنادق وفلل تونس وقبلها بيروت وقبلها عمان هؤلاء لم يرتقوا في اعلاهم لمعاناة شعبنا واهلنا
شكرا لك على جرئتك وشكرا لك على كشفك لحياة درويش ومقالاتك الجميلة عنه
فهو جميل وانيق ورقيق واصيل
الأخت رنا ،
أطيب تحية . انتظرت اكتمال مقالاتك عن ذكرياتك مع محمود قبل أن أعلق ..فلمحمود الطفل النزق الشفاف المدهش المندهش منزلة خاصة في قلبي عززها أسبوع أمضاه في ضيافتي ابتداء من 30/12/1974 عندما كنت ممثل الثورة ومنظمة التحرير في السودان ، ورأيت من صفائه ونزقه طفولته العجب آنذاك . أحرجني مثلا عندما أصر أن يسهر في ليلة رأس السنة ويرقص مهددا بالمغادرة على أول طائرة بينما لم يكن برنامج ندواته قد بدأ ، وأنا لم أكن في وضع يسمح لي بهذا ، فأنقذني السفير الليبي آنذاك . وأحرجني بينما كنت أتحرك نحو المنصة لألقي خطابا في ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية بحضور رئيس السودان جعفر نميري وأركان حكومته ، وكان يفترض أن يلقي محمود قصائده بعد خطابي ، وإذ به يرسل لي الأخ قيس قدري ليبلغني أنه لن يلقي أي قصيدة بوجود نميري وسوف يغادر لكي يتحاشى مصافحته ..استطعت إنقاذ الموقف بصعوبة يومها ، واستوعبت رد الفعل الرسمي السوداني ، وبعد أسابيع كان أبو عمار ومعين بسيسو وكثيرون يحدثونني عن امتنان محمود الكبير لي .. ولا زلت أذكر آخر لقاء لنا في حلب ، إذ دخلت حيث كان يستعد للانتقال إلى قاعة في جامعتها لإلقاء شعره ، فصرخ قائلا : هذا آخر مكان انتظرت لقياك فيه ..أين أنت منذ سنوات ؟ فأجبته بقسوة: كل المنافي أفضل من عودة إلى رام الله في ظل الاحتلال وخداع شعبنا وأمتنا بأن هذا انتصار ..عانقني واستوعب قسوتي .. تماما مثلما اكتفى بعتاب طفولي رقيق عندما عالجت توتري في الجلسة التي سبقت إعلان (الاستقلال) في الجزائر ، الذي افتخر محمود بأنه من كتب صيغته النهائية ، بينما نظرت أنا إلى الأمر بأنه مهرجان للتغطية على تنازلات هائلة عن أرضنا وحقوقنا في مقابل وهم ، وكان علاج التوتر بسخرية لاذعة نادرا ما لجأت إليها تمثلت آنذاك بتشكيل كاريكاتوري لأول مجلس وزراء فلسطيني اخترت أعضاءه من ذوى أسماء تناقض الحقائب ، مثل ( الأعرج للنقل ، البطاش لحقوق الإنسان، العاجز للصحة ، هزيمة للدفاع ، عفان للبيئة ، حرامي للمالية ، حكم بلعاوي للاقتصاد ..إلخ..) أصر الصديق د. حاتم الحسيني الجالس إلى جواري يومها أن أضيف اسم محمود ، باعتباره كاتب إعلان الاستقلال ، ورضخت لإلحاحه ، ونسيت الآن أي حقيبة أسندتها لدروشته .. تلصصت بعض عضوات المجلس الجالسات خلفنا ونقلن القائمة دون أن أشعر ، إلا بعدما انفجرت ضحكاتهن مع آخر اسم ، وتوزعن راكضات يطلعن القادة على القائمة .. كان غضب أبي عمار كبيرا إذ اعتبر أنني أفسد عليه الاحتفال بأهم (إنجاز ) في حياته ، بينما تلقى أبو إياد وأبو الهول وأبو علي مصطفى وآخرون الأمر بكثير من الضحك والإعجاب .. جاءني محمود قائلا : (هذه أول مرة أزعل منك فيها منذ عرفتك .. كيف طاوعك قلبك على حشر اسمي مع هؤلاء ..) وما لبث أن نسي محمود الأمر ، كأنه لم يكن . تذكرت هذه الوقائع وأنا أقرأ لك ، وشعرت أن الواجب يقضي بأن أحيي شجاعتك أولاً ، ووفاءك لمن يستحق الوفاء ثانياً ، وصدقك مع الذات ومع الآخرين في زمن الزيف والنفاق ونهش الموتى ثالثاً .. رحم الله محمود ، ولك كل التقدير .
شكرا لك الاخت رنا على هذا المقال ….ف انا من محبيه الراحل محمود درويش واسُر عندما اقرآ مقالات او اخبار تنشر عنه. اتمنى ان تقرآي تعليقي هذا و لي طلب منك اذا سمحت ان تصدري كتاب او كُتيب يتحدث عن حياة عن محمود درويش. فآنت عاشرتيه لفتره و كنت زوجته ف لك الحق بذالك.
تحياتي
اية جمال