قطر تُشيع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى مثواه الأخير… نهاية مسيرة قائد النهضة الحديثة في البلاد

حامد محمد
حجم الخط
1

الدوحة – «القدس العربي»: أُديت صلاة الجنازة على الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمس الأحد في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب في الدوحة، بحضور أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وأفراد من الأسرة الحاكمة، وكبار المسؤولين، وجموع غفيرة من المواطنين والمقيمين.
وعقب الصلاة، شُيّع جثمان الأمير الوالد إلى مثواه الأخير وسط مشاعر من الحزن والدعاء بأن يتغمده الله بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته. وشهدت مراسم التشييع حضور عدد من كبار الشخصيات، الذين قدموا لتقديم واجب العزاء، فيما خيمت أجواء الحزن على البلاد مع استمرار الحداد الرسمي على فقيد الوطن الكبير.
وكان الديوان الأميري القطري قد أعلن صباح أمس، وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية صباح اليوم ذاته، عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات السياسية والاقتصادية والتنموية التي أسهمت في رسم ملامح الدولة الحديثة وتعزيز مكانتها على الساحتين الإقليمية والدولية.
وجاء في بيان الديوان الأميري: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني»، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته العربية والإسلامية.
وأعلن الديوان الأميري الحداد العام في جميع أنحاء الدولة لمدة أربعة أيام اعتبارًا من يوم أمس، مع تنكيس الأعلام طوال فترة الحداد، وتعطيل العمل في الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة ابتداءً من يوم الإثنين 13 يوليو، على أن يستأنف الموظفون أعمالهم يوم الأحد 19 تموز/يوليو.

 قائد مرحلة التحول

ولد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مدينة الدوحة عام 1952، وتلقى تعليمه العسكري في أكاديمية ساندهيرست الملكية بالمملكة المتحدة، وتخرج منها عام 1971، قبل أن يتولى مناصب قيادية مهمة في الدولة، حيث عُين وليًا للعهد ووزيرًا للدفاع عام 1977.
وفي عام 1995 تولى مقاليد الحكم، لتبدأ مرحلة مفصلية في تاريخ قطر، اتسمت بإطلاق مشاريع تنموية كبرى، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز حضور قطر على الساحة الدولية.

 نهضة اقتصادية غير مسبوقة

وشهدت فترة حكم الأمير الوالد تحولات اقتصادية واسعة، كان أبرزها تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، التي شكلت نقطة تحول استراتيجية في الاقتصاد الوطني.
وخلال تلك الفترة، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 24 مرة، وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو ست مرات، فيما قفزت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال قطري إلى 403 مليارات ريال. كما صدر في عهده الدستور الدائم للبلاد، ووُضعت «رؤية قطر الوطنية 2030»، الهادفة إلى التحول نحو اقتصاد معرفي وبناء دولة متقدمة تحقق التنمية المستدامة وتأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل، وفق المعلومات الرسمية.
وفي عام 1997 انطلق مشروع تطوير حقل الشمال، الذي يُعد أكبر حقل منفرد للغاز الطبيعي في العالم، لتبدأ قطر رحلة التحول إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًا، وهو ما وفر للدولة موارد مالية ضخمة انعكست على مختلف قطاعات التنمية.
ومع بدء تصدير الغاز الطبيعي المسال من حقل الشمال ارتفعت إيرادات الدولة بصورة متسارعة، لتصبح قطر عام 2006 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، قبل أن تصل طاقتها الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنويا في عام 2010.
كما شهدت الفترة بين عامي 2008 و2012 تنفيذ توسعات ضخمة في مشروعات الغاز الطبيعي المسال، عززت مكانة قطر في أسواق الطاقة العالمية، ورسخت دورها بوصفها شريكًا رئيسيًا في أمن الطاقة الدولي. وفي الوقت ذاته، توسعت الدولة في استثماراتها الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار، الذي أصبح أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، مستثمرًا في قطاعات متنوعة داخل عشرات الدول.

رؤية تنموية شاملة

 ولم تقتصر النهضة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى بناء نموذج تنموي متكامل.
ففي عام 2005 صدر الدستور الدائم لدولة قطر، الذي رسخ المبادئ الدستورية ونظم العلاقة بين مؤسسات الدولة، قبل أن يتم عام 2008 إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030، التي وضعت إطارًا استراتيجيًا طويل الأمد لتحقيق التنمية المستدامة في الجوانب البشرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
كما شهدت البلاد طفرة كبيرة في مشاريع البنية التحتية، شملت تطوير الطرق والموانئ والمطارات، وإنشاء مؤسسات تعليمية وبحثية عالمية داخل المدينة التعليمية، إلى جانب التوسع في الخدمات الصحية والإسكانية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2001، أُنشئ المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار، وتولى الشيخ حمد رئاسته، ليشرف بصفة عامة على شؤون الاقتصاد والطاقة والاستثمار، من أجل تنويع الاستثمارات المحلية والخارجية، بغرض تطوير احتياطيات قطر المالية وتنويع مصادر الدخل.
وكان من أولى القرارات التي اتخذها بعد توليه الحكم إنشاء «مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع» في أغسطس/آب 1995، لدعم النهضة العلمية والثقافية في البلاد. وشهدت قطر خلال فترة حكمه توسعًا في الجامعات العالمية، واستقطاب مؤسسات أكاديمية مرموقة، وتطوير منظومة البحث العلمي والابتكار.
وفي عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، «رُفعت الرقابة عن الصحافة المحلية في أكتوبر/تشرين الأول 1995، وأُلغيت وزارة الإعلام عام 1998، ما فتح آفاقا واسعة لحرية الرأي والتعبير وازدهار الإعلام. كما أطلقت في عهده قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية، وأسهمت في تغيير المشهد الإعلامي العربي.

 الحضور الدولي

على المستوى الدولي، عزز الأمير الوالد حضور قطر في مختلف الملفات الإقليمية والدولية، واتبعت الدولة سياسة خارجية نشطة قامت على الحوار والوساطة والدبلوماسية. كما نجحت قطر خلال عهده في استضافة مؤتمرات دولية كبرى، وتوسيع شبكة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع مختلف دول العالم.
ويُعد فوز قطر بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 عام 2010 أحد أبرز الإنجازات التي تحققت خلال فترة حكمه، وهو الحدث الذي نقل اسم قطر إلى واجهة الرياضة العالمية، وأثمر لاحقًا عن تنظيم أول نسخة للمونديال في العالم العربي والشرق الأوسط.
وفي حزيران/يونيو 2013، أعلن الأمير الوالد تسليم مقاليد الحكم إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة وصفت حينها بأنها نموذج متقدم للانتقال السلمي والمنظم للسلطة في المنطقة، ليواصل بعدها أداء دور الأب والمرجع الوطني، وظل يحظى بتقدير واسع داخل قطر وخارجها.
ويرى مراقبون أن الأمير الوالد ترك إرثًا سياسيًا وتنمويًا سيظل حاضرًا في مسيرة الدولة لعقود قادمة، إذ ارتبط اسمه بمرحلة الانتقال من دولة تعتمد على الموارد الطبيعية إلى دولة تمتلك رؤية تنموية متكاملة ومؤسسات حديثة وحضورًا دوليًا مؤثرًا.
وخلال سنوات حكمه، شهدت قطر تطورًا متسارعًا في مختلف القطاعات، بدءًا من الاقتصاد والطاقة، مرورًا بالتعليم والصحة والبنية التحتية، ووصولًا إلى الرياضة والدبلوماسية والاستثمار العالمي، وهو ما جعل تجربتها محل اهتمام ودراسة في العديد من المحافل الدولية.
وبرحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي قطر صفحة أحد أبرز رجالاتها الذين ارتبط اسمهم بأكبر مراحل التحول في تاريخها الحديث، فيما يبقى إرثه حاضرًا في المؤسسات التي أسسها، والمشروعات التي أطلقها، والرؤية التي أرست أسس الدولة الحديثة، لتستمر مسيرة التنمية التي بدأها، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عادل:

    رحمه الله ورحمنا ورحم جميع المسلمين

اشترك في قائمتنا البريدية