أغنية «كاتيوشا» من أشهر الأغنيات الروسية ذات الطابع الشعبي، وربما يشعر المرء للوهلة الأولى بأنها من الفولكلور الروسي، ومن أغنيات الشعب المتوارثة التي لا تنسب إلى فنان بعينه، وإنما تنسب إلى الإبداع الجمعي، لكنها في حقيقة الأمر أغنية صدرت عام 1938، كتب كلماتها ميخائيل إيزاكوفسكي ولحنها ماتفي بلانتر. تعد هذه الأغنية من أغنيات العهد السوفييتي، ومن أهم الألحان الوطنية الروسية في زمن الحرب العالمية الثانية، لا تتخذ الأغنية الشكل المباشر الصريح للأغاني الوطنية الحربية، لكنها ذات موضوع رومانسي، وفي القلب من هذا الموضوع يكمن الجوهر والفكرة الرئيسية، التي هي الحرب من أجل الدفاع عن الوطن.
نالت هذه الأغنية شهرة واسعة في الاتحاد السوفييتي، وحققت انتشاراً هائلاً وتغلغلت في وجدان الشعب الروسي، حتى باتت أيقونة موسيقية وطنية ترتبط بالأمجاد الحربية، وتذكي روح الدفاع عن الوطن حتى في غير أوقات الحروب.
صيغت الأغنية على غرار الألحان الشعبية في روسيا، والمعروف أن الموسيقى الشعبية الروسية تعد من أغنى الفنون العالمية المندرجة تحت هذا اللون الفني، وأنها تمثل جوهر الثقافة الروسية وروح الشعب الروسي، وتعد انعكاساً للحياة العامة في القرى الصغيرة والحقول، وغناء الفلاحين والفلاحات في أعمالهم اليومية، وكذلك في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات المختلفة في مواسم الحصاد والزواج، بالإضافة إلى المناسبات والأعياد الدينية، وهي في أغلبها ألحان ممتعة جاذبة لمختلف الأذواق والثقافات، تستطيع أن تصل إلى المتلقي في كل مكان متجاوزة حاجز اللغة، وتتسم بالبساطة والميلودية الجميلة والإيقاع اللطيف. تعتمد أغنية كاتيوشا على بعض العناصر الشعبية من الموسيقى الروسية، كالآلات الموسيقية التقليدية في روسيا مثل آلة البلالايكا الشهيرة، وهي الآلة التي تشبه العود لكن بصندوق مثلث الشكل وأوتار ثلاثة، عندما نستمع إلى صوت آلة البلالايكا يكون ذلك إعلاناً صريحاً عن روسية العمل الذي نصغي إليه، بأنغامها المشرقة المتميزة ورنينها الساطع الحاد قليلاً، وما تخلقه من أجواء شعبية فولكلورية. كما أن اللحن بتكوينه البسيط المتكرر يسمح بأن يشترك الجميع في هذا العمل الفني الذي يهدف إلى تجييش المشاعر الوطنية وتقوية الإيمان بالحرب، فيمكن للشعب أن يغني بشكل جماعي، وأن يصفق مواكباً إيقاع الأغنية الرشيق بما يؤكد شعور الانتماء والاتحاد.
قاذفة الصواريخ وإلهام الأغنية
ألهمت هذه الأغنية أصحاب القرار في روسيا بأن يطلقوا اسم كاتيوشا، على الصواريخ الروسية الشهيرة، أو ذلك النظام الصاروخي المتعدد الذي طوره الاتحاد السوفييتي في الثلاثينيات من القرن الماضي، ثم بات جاهزاً للاستخدام عام 1941، وهو كما يقال نظام يتكون من أنواع ومقاييس مختلفة من الصواريخ، تثبّت على شاحنات سهلة التنقل، ويقال أيضاً إن أول استخدام لهذه الصواريخ كان في النصف الثاني من عام 1941 ضد الألمان. وكان الاسم الرسمي الأول للصواريخ يتكون من عدة حروف وأرقام، لكنهم بعد ذلك ونظراً لأهمية الأغنية ذات الشهرة الواسعة والتأثير القوي في الشعب، أطلقوا اسم كاتيوشا على الإنجاز الصاروخي، الذي كانت تفتخر به روسيا، ويقال إن ستالين كان يأمر بتدمير النوع الذي يقع في يد الألمان، للحفاظ على سرية هذا السلاح الذي كان متطوراً في ذلك الوقت، وكما كانت الأغنية تتردد في كل الأرجاء، كانت الصواريخ أيضاً تنطلق في أماكن عدة. ترسم الأغنية صورة شاعرية لفتاة جميلة تجلس وحيدة على ضفة النهر، ترعى عهد الحب والغرام وذكرى الحبيب الغائب، هذه الفتاة اسمها كاتيوشا، ويقال إن هذا الاسم هو تصغير لاسم ايكاترينا الروسي. أما الحبيب فهو جندي سافر بعيداً ليحارب من أجل الوطن، فهو في نظرها بطل يدافع عن الوطن ويحمي الشعب، وهو يقوم بمهمته على أكمل وجه، بينما تكون مهمتها هي أن ترعى ذلك الحب بإخلاص شديد، كما لو كان الحبيب لا يزال إلى جوارها. على الرغم من صدور أغنية كاتيوشا قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنها كانت ملائمة جداً لتلك الفترة، التي ذهب فيها آلاف أو عشرات الآلاف من الجنود إلى أماكن متفرقة، وتركوا زوجاتهم وعشيقاتهم يعانون الوحدة والقلق والانتظار، ويقال إن هذه الأغنية كانت الأكثر ترديداً وانتشاراً في تلك الفترة.
تجمع الأغنية بين وصف مظاهر الطبيعة حيث تجلس الفتاة العاشقة، ومشاعر الحب للجندي المحارب، ومشاعر حب الوطن والالتزام بما هو واجب تجاهه. وتصف الفتاة حبيبها بالنسر الرمادي، الذي يحلق في السماء ويحرس أرض الوطن بشجاعة، فهي تنظر عالياً إلى حبيبها وتراه في مكانة مرتفعة، وتشعر بحمايته لها ولوطنها رغم بعده عنها، وفي هذا رمز لقوة وشجاعة الجندي الروسي أيضاً، وإضفاء مسحة أسطورية عليه بما يرفع الروح المعنوية للجيش والشعب في آن واحد.
تتكون الأغنية من مقاطع فردية ومقاطع يؤديها الكورال الذي يرسل كلمات كاتيوشا للحبيب، ويطلب من الجندي الغائب أن يتذكر حبيبته ويسمع غناءها حتى وهو يقاتل في الحرب، فهي تحمي حبهما كما يقوم هو بحماية الوطن. تبدأ الأغنية بأنغام آلة البلالايكا الجميلة، وهناك حضور أيضاً لآلة الأكورديون، ثم ينساب لحنها البسيط المتكرر الذي يجعلها سهلة التذكر وأكثر التصاقاً بالذهن. هناك العديد من النسخ من هذه الأغنية، فقد غناها الكثير من الفنانين الروس وغير الروس أيضاً، كالتينور الفرنسي فنسنت نيكلو، ومن أشهر الأداءات الروسية أداء أو مجموعة الأداءات التي قام بها كورال الجيش الأحمر الروسي، والمعروف أنها من أقوى الفرق الغنائية في العالم، وعلى الرغم من أنها فرقة عسكرية تماماً، وتتكون من عسكريين حقيقيين، إلا أنها استطاعت أن تحقق شهرة وجماهيرية عالمية كبيرة. ويلاحظ في أغنية كاتيوشا رغم موضوعها الرومانسي ولحنها اللطيف وتناولها للجانب الحربي بشكل غير حاد، أن إيقاعها يمكن أن يكون قريباً بعض ، الذي يناسب السياق العسكري وأداء كورال الجيش الأحمر الروسي، والغناء الجماعي القوي بحماس يثير الشعور الوطني عند الروس.
كاتبة مصرية
أغنية كاتيوشا أغنية شعبية رائعة اشتهرت لتزامن معطياتها على مستوى عواطف الحب وفراق الأحبة و العاشقين مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. يحق لنا أن نتحدث عن صاروخ موسيقي أو موسيقى صاروخية… كنت أنتظر مقال اليوم ذا علاقة بالإبداع الحضاري المصري بمناسبة حفل افتتاح المتحف المصري الكبير / العظيم لكن ظني لم يتحقق. مبروك عليكم هذا الصرح الحضاري الرائع الذي قال عنه عالم الآثار المصري الشهير زاهي حواس بأنه سيشكل مداخيل مالية مهمة تضاهي عائدات قناة السويس أو صادرات مصر للخارج. عما قريب ستحل ذكرى عيد ميلاد الفنانة اللبنانية فيروز ذات الصوت الملائكي الجميل … أتمنى أن تتحفنا الدكتورة مروة بمقال جميل عن روائعها و إبداعاتها الغنائية بمعية الأخوين رحباني. مع شكري و تقديري.
تحياتي أستاذ هيثم وشكرا جزيلا لحضرتك
عشنا لحظات تاريخية رائعة بفرحة كادت تخرج الدموع من العين.
وأخيرا افتتح متحف مصر الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة فقط.. حضارة أجدادنا الفراعنة.
كان من المقرر افتتاح المتحف في يوليو الماضي لكن تم تأجيله بسبب الحرب الدامية على غزة الحبيبة
خصصت الأسابيع السابقة على ذلك الافتتاح الملغي لمواضيع عن الثقافة المصرية ثم توقف الأمر.. لذا قررت ترتيبا آخر هذه المرة.
صحيح كلام زاهي حواس وهو يعرف ما يقول.. الأثر المادي سيكون كبيرا إن شاء الله.. لكن الأثر المعنوي أكبر ولا يوصف.
عيد ميلاد سعيد للسيدة فيروز
كتبت من قبل عن أكثر من مسرحية لها مع الأخوين رحباني.. وسوف أكتب المزيد إن شاء الله
* * مقال جميل بنكهة خاصة ، عن الحب بين الناس ، و بين دفاع الناس و كفاحهم ذوداًعن الأوطان ، ليضحي الحب و الكفاح ، أنشودة وطنية ، يصدح بها الناس في مزارعهم ، و المصانع ، و الثكنات ، و المناسبات ، و كافة أنشطة حياتهم ، فكانت كاتيوشا الأغنية ، موضوع المقال هي التعبير .
* * فالنشيد ، أو الأغنية الوطنية ، لهما أصول تعتمد علي تاريخ ، و ثقافة كل بلد ، و هما يربطان شعب هذا البلد ، بلحن واحد ، يُذكّرهم بأنهم – رغم إختلافاتهم – ينتمون إلي بلد واحد ، فكانت كاتيوشا الأغنية ، التي خرجت كلماتها من بلدة صغيرة في روسيا ، أنشودة كل الروس .
* * و النشيد الوطني في كل بلد ، له تأثير إيجابي كبير علي الأمة ، و ثقافتها ، و تقاليدها ، و لغاتها ، و أعراقها ، و شعبها ، و مهرجاناتها ، و منطقتها علي كوكب الأرض ، فلكل أمة هويتها المميزة .
= = يتبع = =
شكرا جزيلا يا فندم 💕
الأغنية الوطنية من أصعب الألوان الفنية ولا يقدر عليها أي فنان.. لذلك نجد أن الجميل والمؤثر منها يعد قليلا.
وعندنا في مصر ما أجمل أغنيات أكتوبر ونصر ٧٣ تجعل الشهر كله مليئا بالنغم في كل عام.
* * و لا تزال أنشودة مارسييز الفرنسية La Marseillaise ، ” لقد أتي يوم المجد ” ، التي يعود تاريخ صدحها عام ١٧٩٢م ، لمؤلفها روجيه دي ليل ، التي أُنشدت مع بدايات فعاليات الثورة الفرنسية ، لا تزال تلك الأنشودة ، الأكثر إثارة .
* * يقول السياسي الأمريكي دانيال وبستر آلان ( ١٧٨٢م – ١٨٥٢م ) : ما أروعك أيها النشيد الوطني ، إنك و الموسيقي ، تسموان بروحي ، و تكرسان بي حب القيم الرفيعة ، و المثل العليا . و يقول الأديب العالمي هوراس ( ٦٥ق.م ) اللاتيني الروماني : أيها الوطن ، أَسمعني أناشيدك الوطنية الرائعة ، لأنها تزيد من قوتي الطبيعية ، و إستعدادي للبذل ، و العطاء . و أخيراً يقول الكاتب الإنجليزي صموئيل جونسون ( ١٧٠٩م -١٧٨٤م ) : عندما أصغي لنشيد وطني ، أحسُّ بحقيقة إنتمائي إلي وطني ، و يطوف بمخيلتي ماله من مجد ، الأمر الذي يحفزني علي العمل أكثر و أكثر ، لرفعة شأن بلادي .
* * الأغنية الوطنية ، تثير شعوراً بالنزاهة ، و تجعلنا نشعر بالفخر لكوننا مواطنين في بلدنا ، و تُذكرنا بالشهداء ، الذين ضحوا بحياتهم من أجل إسعادنا .
* * مقال جميل ، و ممتع يا دكتوره مروه ، إمتاز بأهمية الفكرة ، و سلاسة العرض . سلم يرعاك يا دكتوره ، و لا إنقطع مدادك و شكراً .
لا مارسييز من أجمل الأناشيد الوطنية بالفعل.. وهنا الجمالية الفنية هي التي تجعل من لا ينتمي إلى وطنك ولا ثقافتك يستمتع بنشيدك الوطني.
مقال راءع كهعدنا بك يا سيدتي الكاتبة المبدعة
زادك الله خيرا والقا.
شكرا جزيلا
قد يتسائل الملاحظ ما دخل كورال الجيش الاحمر بكل مهابته في في أداء هذه القطعة الذهبية الخالدة ، فلو لم يؤدي ايضا أغنية كالينكا لقلنا في حالة كاتيوشا هذه انجاز بعقيدته الحربية لشخصية الشاب المحارب من اجل الوطن و المحتفى به بها . لا يمكن تجاهل ان الفن و الإبداع عامة كان منذ روسيا القيصرية مرورا بالاتحاد السوفيتي كالماء و الهواء في حياة الشعوب هناك ولا عجب ان يتماهى الجيش مع كل ما هو راق، حتى فلاديمير بوتين ذو الهيئة الصارمة استسلم و عزف بالبيانو كاتيوشا الأغنية في حالة راحة من كاتيوشا الفتاكة. اشكرك دكتورة مروة على حسن الانتقاء و تحياتي.
تحياتي أخي خليل
روسيا بلد الموسيقى بلا شك.. كورال الجيش الأحمر من أقوى الفرق في العالم.. يغنون كذلك بعض آريات الأوبرا خصوصا الخفيف والسريع منها بأسلوب رائع
ها هو رابط الأغنية لمن أحب سماعها ..
.
لكن حذاري .. الأغنية لها خاصية الإلتصاق بالذهن ..
فهناك من سيضطر لسماعها عدة مرات اليوم..😉
.
الرابط: https://youtu.be/Kri7ByE-9Mc?si=xV1M4XITef5KomQk
.
مقال جميل مروة.
شكرا لك ابن الوليد
عندك حق الأغنية تظل تتردد في الذهن
أننا ونحن نقرأ ماجاء في هد ا المقال الفني الموسيقي الغنائي التحليلي التاريخي أحببنا ومن باب المحبة الصادقة للفن في كل صوره المتميزة بل على مستوى عال أن نضع من باب المشاركة فقط بعض القطرات لكن ادا سمحتم لنا شكرا لكم والشكر كدالك للباحثة بلغة الفن لاصيل القديم والحديث السيدة مروة صلاح المحترمة نحن مازلنا والحمد لله نقرأ كل ماترسمه بجهد كبير فليس من السهل رسم مقال كامل من جميع جوانبه جميل ورائع نسأل الله الحفظ لنا ولغيرنا كدالك فالحرب من أخبث القرارات ينجم عنها مايشيب ويظل الفن متمثلا في الغناء حاضرا فالشعب الروسي له تقاليده الخاصة به وله فنانيه المتميزين فالبلد صناعي متنوع ومختلف كدالك فالاغنية قديمة لكنها لم تشب رسمت بأتقان لو لم تكن كدالك لاأكلها النسيان لكنه لم يجد لها سبيلا فرحل عنها وتركها للاجيال ترددها مرات عديدة
عودة لكن ادا سمحتم لنا شكرا لكم والشكر للكاتبة الباحثة بلغة الفن نحن نضع الكلمة ونكرر من باب المشاركة سواء كانت في الموضوع او لم تكن فليست لنا الثقافة العامة مستحيل فالكمال لله وحده لاغيره أطلاقا ومايرسمه القراء المحترمين نقرأه فنضيف الجديد لحقيبتنا الفنية المتواضعة جد ا جد ا جد ا الحب الصادق لاتنطفئ شعلته كيف ماكانت الرياح بين قوسين ونعيد كتابة لاقتراح الذي تقدمنا ادا سمحت لنا الكاتبة شكرا وهو الكتابة عن رقصة لاطلس لعبد القادر الراشدي لاشك ان بعض القراء يعرفونها فهي من روائع الفنان الموسيقي