لم يرها مؤلّفها مطبوعة، بل أوصى بحرقها، ولكن صديقه وحافظ أسراره نشرها بعد عشرة أشهر من وفاته، وهي أول رواياته التي نشرت بعد رحيله في عمر الأربعين. طُبع منها ثلاثة آلاف نسخة فقط وبقيت هذه الكمية القليلة عشر سنوات كاملة حتى نفدت. ولكنها باعت في سنة 1988 أكثر من مليون نسخة، وفي العام نفسه بيعت مخطوطتها الأصلية
بـ1.1 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 4.5 مليون دولار حاليا)، أما الآن وبعد مئة عام من صدورها، فقد باعت ملايين النسخ (لا يوجد رقم دقيق يمكن الاستناد إليه) وترجمت إلى أكثر من أربعين لغة.
هي رواية «المحاكمة» لفرانز كافكا، التي يحتفل العالم هذه السنة بمرور قرن كامل على صدورها أول مرة في 26 أبريل/نيسان 1925، وهي واحدة من أكثر الروايات تأثيرا في القرن العشرين، وقد تعددت أوجه الاحتفال بها من ترجمات جديدة إلى عروض فنية ومسرحية، وندوات وملتقيات، وإنتاج وثائقيات، وعرض مخطوطات الرواية في عدة أماكن حول العالم (ما عدا العالم العربي الذي لا يزال يرى الثقافة مضيعة وقت). والحقيقة أن كل ما يحيط بهذه الرواية مثير للجدل، بدءا من وصية كافكا الشهيرة «هنا – عزيزي ماكس- رجائي الأخير: كلّ ما يمكن العثور عليه فيما أتركه بعدي.. من دفاتر ومخطوطات ورسائل شخصية أو غيرها، يجب حرقه دون قيود ودون قراءته»، وليس انتهاء بخيانة صديقه ماكس برود الجميلة لهذه الوصية، حتى قال مواطنهما الكاتب التشيكي أيضا ميلان كانديرا في كتابه «الوصايا المغدورة»: «لولا برود، لما كنّا نعرف اليوم حتّى اسم كافكا». ويُرجع الكثير من الباحثين في التراث الكافكوي سبب هذا الطلب الغريب من كافكا، بإحراق رواية «المحاكمة» وأختيها «أمريكا» و»القلعة» إلى أنه كان يراها غير مكتملة، وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف فالتر بنيامين، حين كتب «إن تهيّبَ كافكا من نشر آثاره نبع من قناعته بأن هذه الآثار غير مكتملة، ولم يكن قصده إبقاءها سرية»، غير أن المفارقة الأولى أن ماكس برود كتب مقالا قبل وفاة كافكا بثلاث سنوات ذكر فيه أن «أعظم عمل فني لكافكا رواية المحاكمة، التي هي موجودة وقد اكتملت حسب رأيي، أما حسب رأي مبدعها فإنها طبعا غير مكتملة، وغير قابلة للاكتمال، وغير قابلة للنشر».
والغريب أن كافكا الذي قرأ المقال لم يعقّب ولم يعترض، والمفارقة الثانية أن ماكس برود نشر طبعة من رواية «المحاكمة» ناقصة، وليست هي الطبعة المعتمدة الآن في كل لغات العالم. أما النسخة الأكثر دقة اليوم فهي تلك التي أعدّها مالكولم باسلي عام 1990، وهناك طبعة ثالثة مميزة صدرت سنة 1997 عن دار نشر شترومفلد «تتألف من ستة عشر جزءا كل جزء في دفتر مستقل يضم فصلا واحدا.. ودون ترقيم الفصول وتسلسلها» ويبرر ناشرو هذه الطبعة بأن كافكا، «لم يحدد هذا التسلسل ولم ينقح روايته غير المكتملة» وميزة هذه الطبعة أن كل صفحة مطبوعة فيها تقابل صفحة مخطوطة بخط يد كافكا (طبعا هذا الصنيع لا يفيد سوى القارئ الألماني) ولكنه يعطي قيمة توثيقية لهذه الطبعة المميزة. ولعل القارئ يتفاجأ إذا عرف أن كافكا كتب روايته «المحاكمة» بطريقة غريبة، حيث كتب الفصل الأول «اعتقال» وكتب بعده مباشرة الفصل الأخير «نهاية» ثم ملأ الفراغ بين الفصلين بعدة فصول، دون مخطط سابق أو مسودات، لذلك لا يوجد لحدّ الآن من يجزم بالترتيب الصحيح للفصول.
ولكن ما سر هذا الهوس بكافكا – خاصة بروايتيه «المحاكمة» و»المسخ»- الذي لم يقتصر على طبقة المثقفين أو حتى قارئي الروايات، بل تعداهم إلى جيل التيك توك وسنابشات وإنستغرام، وقد كتبتُ قبل سنة في هذه الجريدة مقالا بعنوان «الفانز يعيدون كافكا إلى الحياة» ذكرت فيه كيف أن الوسم (الهاشتاغ) #Kafka بلغ عدد مشاهديه مليار شخص في الصين فقط، ما يستدعي إلى الأذهان نبوءة سارتر قبل أكثر من ستين عاما حين كتب: «لمن ينتمي كافكا؟ نحن أم أنتم؟ أو بعبارة أخرى: من يفهمه على أفضل وجه؟». وأنا على يقين أن لجيل وسائل التواصل الاجتماعي تفسيره للمتن الكافكوي، كما كان لكل جيل تفسيره الخاص للمحاكمة، بدءا من الإسقاطات الدينية والتأويلات التي مارسها ماكس برود على الرواية، وصولا إلى الشروح الفلسفية لكثير من الباحثين، لذلك لا نستغرب إذا وجدنا كثيرا من طبعات الرواية مصحوبا بجزء آخر يحمل تفسيرات وشروحات. ورغم بساطة بنيتها حملت «المحاكمة» أفكارا أعطتها هذه القدرة الهائلة المذهلة على التأثير فيمن أصبحوا علامات بارزة في الفكر والثقافة والفلسفة في ما بعد، فهي تروي لنا حكاية موظف بنك في الثلاثين من عمره يدعى جوزيف ك (هل نؤمن هنا بالمصادفة أن الكاف أول حرف من اسم كافكا، كما أنه كان في الثلاثين من عمره حين كتبها سنة 1914؟) يقبض عليه عميلان غامضان يتبعان سلطة غير معروفة بسبب جريمة غير محددة، ويُترك لهذا الرجل المعتقل رسميا حرية ممارسة حياته اليومية، ولكن أي حرية في ظل تهديد متواصل بصدور حكم يدينه من نظام لا يعرف ماهيته وإن كان يستشعر قوته؟ في الأسابيع والأشهر التالية لهذا الاعتقال، يسعى جوزيف ك، لاكتشاف طبيعة جريمته المفترضة والدفاع عن نفسه في مواجهة نظام غامض ومتاهة بيروقراطية سريالية، ويزيد عنده منسوب الخوف والحيرة والإذلال، فمحاميه هولد مريض ضعيف البنية، أما رسام المحكمة تيتوريلي فبدل طمأنته، يخيفه حين ينصحه بالتأجيل إلى أجل غير مسمى، أو طلب البراءة المؤقتة، ولكن ليس البراءة الكاملة أبدا، كل ما في مسرح الرواية عبثي ومؤثث بسريالية تزيد من حدتها كوميديا سوداء، يستغرب فيها القارئ مثلا كيف أن جوزيف لم يسأل أحدا طوال فترة المحاكمة، عن الجريمة التي يُفترض أنه مدان بارتكابها. وكما بدأت الرواية بالعميلين اللذين اعتقلا جوزيف ك، تنتهي أيضا عشية عيد ميلاده الحادي والثلاثين بعميلين يقودانه إلى مقلع حجارة مهجور، حيث يجلسانه على حجر، وتحت ضوء القمر، يغرز أحدهم سكينا في قلبه.
هذا النص البسيط في ظاهره دفع حامل نوبل في الأدب هيرمان هسه للقول: «كافكا حيّرَ وسحر كل من قرأ له شيئاً. أما أنا فقد شغلني بشدة منذ أن قرأت له إحدى قصصه السحرية قبل ثمانية وعشرين عاماً. كان كافكا.. نبياً وضحية». وبعد عقدين من صدور الرواية «دخل مصطلح «كافكاوي» إلى اللغة الإنكليزية في أربعينيات القرن الماضي، لوصف المواقف السريالية، أو غير المنطقية أو الكابوسية»، وقد عرّف ميلان كونديرا الكافكوية بأنها «حالة من العجز عندما يكون الإنسان محاصراً داخل متاهة لا حدود لها» ورأى أن رواية المحاكمة انعكاس لرائعة دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» غير أن الجريمة هنا لا تقابل العقاب، بل العقاب هو من يبحث عن جريمة.
ثيمات الرواية الأساسية مثل العبث وتغوّل البيروقراطية واللايقين الأخلاقي، والاغتراب الحاد، وفقدان السيطرة وتحول الحياة البسيطة إلى متاهة ورعب، ألهمت عشرات الروائيين والأدباء وحتى الفنانين لتتبع أثر كافكا، ولا نبالغ إذا قلنا إن جورج أورويل في روايته «1984» كان ينظر بطرف خفي إلى محاكمة كافكا، وكذلك ألبير كامو في «الغريب» وعبثية القاتل ميرسو، وغثيان سارتر ومسرحية «في انتظار غودو» لصامويل بيكيت، كل هذه الأعمال تأثرت كثيرا أو قليلا بحكاية هذا التعيس الذي ضاع في المتاهة القانونية غير المفهومة وفي الأخير أعدم «مثل كلب» دون أن يعرف جريمته، بل دون أن يعطى فرصة عادلة للدفاع عن نفسه.
بعد مئة عام من صدورها، تحولت رواية «المحاكمة» لكافكا إلى صيحة منعزلة تحذرنا من عالم يصبح فيه القانون أداة قمع، حين يكون في يد سلطة بيروقراطية تجيد العزف جيدا على هذا «القانون»، لا نملك تجاهها إلا أن نصرخ مع جوزيف ك «من المستحيل الدفاع عن قضية لا نعرف عنها شيئا».
شاعرة وإعلامية من البحرين
“آه يا ذاكرة الأرض،
لكم ثقُلتْ أقدامُهم فوق ثرانا،
والدُّجى كان بطيئاً،
والأسى كان مُرًّا،
رَشَفَتُه شفتانا”
محمد الفيتوري
ماكس برود نصاب ولفق الكثير على كافكا ولم يطلب منه حرق مؤلفاته بل بعض رسائل شخصية والحرق عموما لا يتطلب جهدا اكثر من عود ثقاب والروائي ميلان كوندير في كتابين نقديين هما خيانة الوصايا وفن الرواية فضح ماكس برود وكشف عن حقيقته في انه صهيوني صنع من كافكا شخصية مريضة سوداوية كنبي توراتي ومات ماكس برود ودفن في حيفا وطلب من الروائي هيرمان هسه دعم مذابح دير ياسين ورفض ويتساءل كونديرا كيف لشخصية هزيلة وأسوأ من كتب باللغة التشيكية أن يصبح المصدر الوحيد لكافكا وينشر لقرن كامل أكاذيب عنه تحولت الى حقائق؟
هذا التحامل العبثي على ماكس برود غير صحيح وغير مستند إلى معرفة موثوقة إطلاقا فـ لمجرد كونه إسرائيليا من مواليد بوهيميا يُثار إزاءه عش دبابير من الشنآن والضغينة، وأيضا ما تنقلينه عن ميلان كونديرا لا أساس له من الصحة هو الآخر فقد كتب بالتدوين الموثق في كتابه «الوصايا المغدورة» هذه العبارة الشهيرة عن ماكس برود: «لولا برود، لما كنّا نعرف اليوم حتّى اسم كافكا» كما ذكرت الكاتبة في تقريرها – نعم نحن نحارب كل أشكال الصهيونية السياسية أنى تواجدت وبدءا من أرض فلسطين المحتلة، ولكن هناك إسرائيليون، وإسرائيليون “أقحاح”، يحاربونها كذلك هم الآخرون كأمثال الموسيقي دانيال بارنبويم والصحافي جدعون ليفي والمؤرخ إيلان بابيه وغيرهم !!
بسم الله الرحمن الرحيم
ما هكذا تورد الإبل يا أختنا الكريمة
ثَمَّ الكثير من الإشكال والالتباس في تعليقك هذا..
بارك الله بالأخت أ. بروين وأثابها كل الخير !؟
بسم الله الرحمن الرحيم
طبعا ردي موجه للأخت شذى حسن تجنبا للالتباس..
تحية أيضا للأخت أ. هدى الحسين أثابها الله كل الخير !!؟
شكرا شذى حسن..وكلامك ينسف ما نعرفه
عن كافكا..وان ما كتبه مزيف لذلك ساعدم كتبه
التي لدي.شكرا شذى.
شکرا للاخت بروين على هذا المقال الرائع و التوغل في أعماق الثقافه، و كذلك كل الشكر للاخت شذى حسن على هذا التعليق الذي كشف ما لم يقدر ان يكتشفه كثير من متابعين كافكا و الصورة الوجوديه التي ألبسوه لهذا البائس
عزيزتي بروين حبيب تحيات طيبات – أنت تتكلمين في تقريرك هذا عن احتفال العالم هذه السنة بمرور قرن كامل من الزمن على يوم صدور رواية «المحاكمة» لفرانز كافكا (بعد وفاته)، ولكن يوم الصدور هذا قد مرّ عليه الآن ما يقرب من الثلاثة أشهر، أي في يوم 26 نيسان 1925 !!