كذبة فصل الدين عن الدولة

حجم الخط
44

يبدو أنه، وعبر التاريخ ما قامت دولة إلا بدين، أو لنقل ما نهضت حضارة إلا على أسس دينية، أياً كان دينها. كان العرب مجاميع قبلية متصارعة، وبلا دولة، وبالإسلام انطلقوا شرقاً إلى حدود الصين، وغرباً إلى حدود فرنسا، وكذا كان الأتراك، وبالإسلام تحولت القبائل التركية إلى دولة، أو دول وامبراطوريات حكمت أجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقل ذلك عن القبائل الروسية مع الأرثوذوكسية، وحضارة الصين الكونفوشيوسية (الديانة الفلسفية) وفارس الزرادشتية، وغيرها من الحضارات الكبرى التي قامت على أسس دينية، ومنها حضارات أوروبا القديمة المستندة على أديان اتخذت من الطبيعة ـ أو أجزاء منها ـ آلهة تعبد، كالديانات الإغريقية والرومانية، قبل اعتناق قسطنطين الأول المسيحية، واعتمادها ديناً رسمياً للإمبراطورية.
وفي سياق التمازج بين الدين والدولة، وتوظيف السياسة للدين يمكن أن نتحدث عن ما لا يحصى من الأمثلة، فهتلر اتكأ على فكرة «المسيحية الإيجابية» التي تأخذ – خلافاً للمسيحية التقليدية ـ بأسباب القوة الخشنة، وتظهر المسيح «مقاتلاً آرياً ضد اليهود الساميين» كما وظفت النازية المسيحية ضد «الشيوعيين السوفييت الملحدين» وقد كان هتلر في مسيحيته الظاهرية يتمثل فردريك نيتشه، فيلسوف القوة الألماني الشهير الذي لبى طموح «الفوهرر» العارم إلى القوة والتوسع والهيمنة.
أما ستالين «الشيوعي الملحد» فقد عاد «مؤمناً» عندما أفاق الاتحاد السوفييتي على وقع الجيوش النازية تدك المدن الروسية عام 1941، الأمر الذي جعل ستالين يطلب من المواطنين «الدفاع عن دينهم» وقبل هتلر وستالين حاول فرعون توظيف الدين في حربه على النبي موسى، عندما اتهمه بأنه جاء ليبدل الدين ويفسد الوطن: «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» وهي ذات التهمة التي وجهتها قريش لنبي الإسلام في مكة.
وفي حين تقوم معظم نظم الحكم في أوروبا على العلمانية إلا أنه يحلو للكثيرين اعتبار الاتحاد الأوروبي «نادياً مسيحياً» في وقت يكثف فيه اليمين الأوروبي والغربي بشكل عام من مقارباته الدينية المسيحية.
كل هذا دون أن نتطرق لنموذج دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تعد تجسيداً واضحاً ليس لتمازج الدين والدولة فحسب، ولكن لقيام دولة على أساس ديني، مع اختيار اسمها «التوراتي» واستيعاب سرديتها التاريخية اليهودية، ومزجها الدين بالدولة والعرقية في الآن ذاته.
كما أن نموذج «ولاية الفقيه» في إيران يعد تجسيداً حقيقياً للنظم الثيوقراطية، حيث «المرشد» – وليس الرئيس المنتخب – هو الحاكم الفعلي لإيران، وهو يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة، بل إن الراحل الخميني كان يرى نفسه فوق الدستور، على اعتبار أن المرشد يعد نائباً عن «الإمام الغائب» ويأخذ مشروعيته من شرعية هذا الإمام الذي يتلقى عنه المرشد تعليمات محددة في شؤون الدين والدولة، وهذا موضوع آخر يطول الحديث عنه.

يمكن أن يفهم الدين على اعتبار أنه «حزام ناسف» يزرع في دار عبادة لقتل المصلين أو «أفيون» لتخدير الشعوب، ويمكن أن يفهم على أساس أنه بناء مدرسة ومستشفى ودفاع عن حق وصد عدوان وكل ما يندرج ضمن الأعمال الصالحة

لا يمكن – إذن – فصل الدين عن الدولة. الدولة سلطة، والسلطة تحتاج وسائل القوة الخشنة والناعمة، والدين يأتي ضمن الوسائل الناعمة التي تستطيع بها السلطة تعبئة الجيوش، والتحكم في مسارات الجماهير، وتحريكها في الاتجاه الذي تريد هذه السلطة، عبر سلسلة من التكتيكات ووسائل الخطاب الشعاراتي والأيديولوجي.
وبما أن الدين يشكل جانباً مهماً من التكوين الروحي والنفسي والعاطفي والفكري والقيمي للإنسان، وبما أن السياسة تمثل نزعة الإنسان للخوض في الشأن العام وامتلاك أسباب القوة والتأثير، فإن التقارب كبير في الذات الإنسانية بين الفضاءات التي يتحرك فيها الدين وتلك التي تتحرك فيها السياسة، والتمازج يصل حداً يصعب معه الفصل بينهما، بما أن كلاً من الدين والدولة يتحركان ضمن الفضاء العام، وبما أن الإنسان في داخله نزوع روحي ومادي في الآن ذاته.
وهنا يبدو الفصل بين الدين والدولة مجرد فكرة ساذجة بعيدة التحقق، حيث لم تخل دولة من دين، ولا ظل دين بمفرده دون مأسسته في دولة، عدا عن أن الفصل بين المجالين ليس مطلوباً، قدر ما يدور المطلوب حول تقنين العلاقة بينهما، بالشكل الذي يمنع السياسي من توظيف الديني لصالحه، ويمنع الديني من الاستقواء بالسياسي لفرض دينه، وهذا لن يكون إلا ببلوغ الجمهور مرحلة من الوعي يعرف من خلالها حدود العلاقة النافعة بين الدين والدولة، وتلك الضارة التي يتحول بموجبها الدين إلى وسيلة قمع في يد السلطة الحاكمة، وذلك بتوظيف الدين لتحقيق أهداف لا علاقة لها بروح الدين وجوهره، رغم صعوبة ضبط تلك الحدود، في كثير من الأحيان.
ومع ذلك، يرى البعض أن صيغة «فصل الدين عن الدولة» يمكن أن تتناسب مع المسيحية التي لم تأت بتشريعات وقوانين إجمالاً، على اعتبار قول السيد المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» وذلك لأن المسيح بُعث في إطار دولة رومانية حاضرة، وقوانين موجودة، ولأنه قال: «ما جئت لأنقض الناموس، بل لأكمله» مع وجود شريعة التوراة التي يعد المسيح امتداداً لأنبيائها، حيث جاءت رسالته في مجملها تبشيرية، لا تشريعية.
ومع أن طبيعة المسيحية تتمثل في التركيز على الجانب الدعوي التبشيري، لا السياسي التشريعي، فإنه لم تعانِ ديانة ما عانته المسيحية من تسييس وتوظيف لا أخلاقي باسم المسيح، حيث وُظّفت لخدمة الأطماع الاستعمارية الأوروبية في آسيا وأفريقيا والعالم الجديد، وكان المبشرون المسيحيون والإرساليات المختلفة إلى بلاد الشرق وأفريقيا تمثل طلائع الاستعمار الأوروبي، تماماً، كما كان البروتستانتيون الأوروبيون في مهمة «رسالية مسيحية» وهم يبيدون الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، وكذا كان نظراؤهم الكاثوليك يفعلون في أمريكا اللاتينية التي تمت سرقة ذهبها وذهب أفريقيا بحجة بناء كنائس للمسيح، على أساس مبدأ: «الرب مقابل الذهب» وذلك بأن يعطي المستعمرُ «الرب/God» للشعوب المستعمرة، مقابل «الذهب/Gold» ليأتي جورج بوش الابن ـ أخيراً ـ في مهمة «رسالية تبشيرية» عام 2003، يخوض بها «حربه الصليبية» ضد العراق.
وإذا كان التوظيف السلبي للدين قد حفز على التنظير لفصل الدين عن الدولة، فإن جانباً من هذا التنظير كان مجرد شعارات، الغرض منها استمرار احتكار السلطة للخطاب الديني، دون المعارضة، ذلك أننا رأينا أنظمة تتحدث عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة، ولكنها في الوقت نفسه توظف الدين لصالحها عبر عدد من المؤسسات الدينية التابعة للدولة.
نخلص ـ إذن ـ إلى صعوبة الفصل بين الدين والدولة، ذلك أنهما مرتبطان بالجبلة الغريزية والحشوة البشرية في الإنسان، بما أنه متعلق بالفضاء العام الذي هو مناط عمل الدين والدولة، وكل ما يمكن الاشتغال عليه هو العمل على أن تصب العلاقة بين الدين والدولة في صالح المجتمع، وتسعى لحفظ الأمن والنظام العام، ودعم وسائل التنمية، ورفع مستوى الشعب اقتصادياً وثقافياً وعلمياً، وهذا يعني استلهام التجارب الروحية للدين، وتفجير الطاقات الكامنة بواسطة تلك القوة الروحية الهائلة، لأن الدين يمكن أن يفهم على اعتبار أنه «حزام ناسف» يزرع في أحد دور العبادة لقتل مئات المصلين، ويمكن أن يفهم على اعتبار أنه «أفيون الشعوب» الذي يخدر به الظالمون المظلومين، بما سيلقونه من جنة في الآخرة مقابل الجحيم الدنيوي الذي صنعه لهم أولئك الظالمون، كما يمكن أن يفهم الدين على أساس أنه عمل مثمر، لبناء مدرسة وجامعة ومستشفى ومحطات طاقة ومياه، وشق طريق، وإطعام جائع، وكسوة عار، وإرشاد حائر، والوقوف إلى جانب مظلوم، وردع ظالم، ومقاومة محتل، ودفاع عن حق، وغيرها من الآليات والوسائل التي يمكن أن تؤدي لتحقيق الأهداف النبيلة للدين والدولة في الآن ذاته.

كاتب يمني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

    تتمة :
    في حين نرى أن العلمانية مثلا كفلت المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية وضمنت حرية ممارسة الشعائر الدينية في إطار القانون ولا تفرق بين دين الأغلبية وديانات الأقليات, بل تمنح هذه الأقليات مساعدات مادية كي تستمر في أشغالها.

    الأديان مثلا تتحدث كثيرا عن مزايا للرجال أكثر مما تفعل في حق النساء مثلا ولو أن المدافعين عن الأديان يقولون أن الدين كرم المرأة, لكن علينا فقط العودة للأديان حتى نرى.

  2. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

    تتمة :
    ” ….حاول فرعون توظيف الدين في حربه على النبي موسى، عندما اتهمه بأنه جاء ليبدل الدين ويفسد الوطن…” ( اقتباس )
    هنا أود أن أحيل الكاتب الكريم إلى كتب أو إلى مشاهدة برامج ومحاضرات الدكتور العراقي خزعل الماجيدي, على اليوتيوب,باحث ومتخصص في علم تاريخ الأديان والحضارات القديمة خصوصا الحضارتين الحضارة السومرية ( حضارة ما بين النهرين ) والحضارة المصرية القديمة وعلاقة الأنبياء التوراتيين بالحضارة السومرية بالخصوص من تشابه في أسماء الملوك السومريين وبما جاءت به التوراة ومن بعدها أديان أخرى.

    حاول الإسرائليون وآخرون غيرهم في حفرياتهم في الحصول على دليل واحد على أن اليهود كانوا في مصر فلم يجدوه. أما عن فرعون فلفراعنة مصر أسماء , الأديان لاتذكر اسم هذا الفرعون.

  3. يقول عبد الله شيبان:

    فصل الدين عن الدولة مستحيل ويستعمل فقط ضد المسلمين. أملي فقط أن يتم فصل الدين عن الرياضة. العديد من الفرق الرياضية المسلمة حرمت في تظاهرات شتى من انتصار مستحق لا لشيء سوى أن الحكم غير مسلم.

  4. يقول ابن الوليد. المانيا. (على تويتر ibn_al_walid_1@):

    المجتمع هو جماعة أفراد..
    .
    المجتمعات الناجحة هي التي تراعي الفرد .. والجماعة..
    .
    حين يذوب الفرد .. يكون الهلاك… في أنظمة أحادية
    مثل الشيوعية.. التي ارتكزت على الجماعة..
    .
    ويكفي أن يأخذ الفرد شيئا يسيرا اكبر من حجمه
    حتى تسود الفوضى وقانون الغاب… ويكفي أن تكون
    طبقة من المجتمع من هذا النوع حتى تسود
    الفوضى.. ما يسمهيم القرآن بطبقة المترفين…
    طبقة فوق القانون… طائفة الأسد في سوريا مثلا..
    او العسكر في كثير من الدول..
    .
    معادلة صعبة .. لكن حلها هو القانون فوق
    الجميع… ونترك الجانب الروحاني والفني .. الخ ..
    للفرد .. ليعيش فردانيته وتفرده كي ينتج للجماعة..
    .
    الدول العلمانية شرعت قوانينها من قيم دينية
    كونية.. لا تسرق.. لا تغش… لا تفتل… ولم تشرع
    بيجب أداء القداس يوم الاحد.. فهذا متروك للفرد..
    .
    ورجوعا إلى نموذج الدولة المدنية التي أسس
    نمودجها الرسول ص في المدينة.. كانت كل
    عناصر الدولة المدنية موجودة.. مع حرية
    المعتقد طبعا.. وحتى ما يشبه الحكم الذاتي
    للاقليات إن كان تنازع بينهم فقط.. كما فعل مع
    يهود بني قريضة.. وهذا أسمى احترام للاقليات..
    .
    هذا.. لأقول أن الإسلام لا يتعارض مع أسس الدولة
    المدنية الحديثة.. وقيمه هي نفس قيم قوانين الدول المتقدمة..

  5. يقول امجد:

    فصل الدين عن الدولة مهمة مستحيلة

  6. يقول الغريب:

    عندما نفهم معنى الدولة الذي هو مجموعة من الأفراد يُمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي, فاذا كان هؤلائي الافراد لهم اديان متعددة ومذاهب مختلفة فكيف نطبق عليهم الدين واي دين لذلك لا بد ان نطبق عليهم العدل الذي لا تختلف فيه الاديان ونترك لكل فرد دينه الذي ارتضى ففي الخلافة الراشدة للمسلمين لم تفرض على المسيحيين قداسهم ولا على اليهود سبتهم فهذا معنى فصل الدين عن الحكم وليس الدولة لان الدولة فيها اديان ومذاهب مختلفة

  7. يقول ناصر:

    لا ينبغي ان ننادي بفصل الدين عن الدولة ، بل بوقف تسييس الدين

  8. يقول أبوفارس أحمد:

    هل يعتمد الدستور الأمريكي والقوانين الأمريكية على الكتاب المقدس…؟!
    لا..
    هل يمكن أن يتولى الرئاسة في أمريكا مسلم؟
    نعم..

    1. يقول عصام:

      وهل لو تولاها مسلم سيغير من سياسة أمريكا تجاه إسرائيل؟

    2. يقول ابن الوليد. المانيا. ( و على تويتر ibn_al_walid_1@ ):

      اراه سينتصر لمصالح بلده.. ووطنه… وهذا عين الصواب.. كما ستفعل انت تجاه وطنك..
      .
      الاسلام دين.. وليس هوية.. ولا قبلية..
      .
      وان كان رئيسا لأمريكا.. فهو ملزم امام الشعب الأمريكي اولا وقبل كل شيى..
      وقد يحاول تغيير رأي امريكا من اسرائيل.. لكن بطرق دمقراطية طبعا..

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية