كلكم أدوات… فاتعظوا!

لا أحد في هذه المنطقة المسماة عربية وإسلامية في محل “فاعل”. لا أحد. كل من يظن نفسه لاعباً كبيراً، هو في الحقيقة مجرد قطعة صغيرة يتم تحريكها على رقعة أكبر بكثير منه. كل الطوائف، كل المذاهب، كل القوميات، والميليشيات والعصابات من دون استثناء، تعيش وهماً اسمه القوة. والحقيقة؟ أن الجميع، بلا مبالغة، في محل مفعول به.
نعم، هذه الجملة صادمة، لكنها تختصر واقعاً نعيشه منذ عقود: كلكم مجرد بيادق يستخدمكم الخارج ضد بعضكم البعض لمصالحه الخاصة. من يرفض هذه الحقيقة، فليشرح لنا لماذا تتبدل موازين القوى بهذه السرعة؟ ولماذا يتحول القوي إلى ضعيف بين ليلة وضحاها؟ ولماذا كل من يصعد، يسقط بنفس الطريقة تقريباً؟ فقط انظروا أين كانت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران قبل سنة ونيف وأين أصبحت الآن.
المشهد مكرر إلى حد السخرية. مكون ما يحصل على دعم خارجي، سياسي أو عسكري أو مالي، فينتفخ ويظن أنه أصبح سيد اللعبة كما ظنت ميليشيات إيران. يبدأ بالتنمر على الآخرين، يبطش، يقصي، يفرض نفسه كأنه قدر لا يُرد. لا يرى إلا اللحظة التي يعيشها، ولا يدرك أنه مجرد أداة مؤقتة. ثم فجأة، تتغير المصالح، ينقلب الداعم عليه، أو يسحب يده، فينهار كل شيء. عندها فقط يكتشف الحقيقة المرة: أنه لم يكن يوماً فاعلاً، بل مجرد أداة تم استخدامها ثم رميها.
خذوا المثال الذي يوجع ولا يعجب كثيرين. قبل فترة، كانت الميليشيات الشيعية والعلوية تصول وتجول في المنطقة، تقتل وتبطش وتتنمر على السوريين والعراقيين واللبنانيين. كانت تتصرف وكأنها فوق الجميع، وكأن قوتها أبدية. ماذا حدث اليوم؟ أصبحت مشردة مع حاضنتها الشعبية، مطاردة، بلا مأوى، وتحولت إلى مادة للسخرية والشماتة. أليس هذا هو الدرس الصارخ؟ أليس هذا هو الدليل على أن من كان يظن نفسه فاعلاً، لم يكن سوى مفعول به ينتظر لحظة السقوط؟
لكن الكارثة ليست في سقوط طرف، بل في رد فعل الأطراف الأخرى. بدلاً من أن تتعلم الدرس، تبدأ بالشماتة. وكأنها تقول: جاء دورنا الآن. وكأنها لم تفهم أن اللعبة نفسها ستتكرر معها. اليوم أنت تضحك، وغداً سيضحك عليك غيرك. هذه ليست فلسفة، هذا واقع يتكرر أمام أعيننا.

إياكم والاستئساد والتنمر على بعضكم البعض، تضامنوا وتعاطفوا فيما بينكم

المشكلة أن الجميع يعيش في وهم التفوق المؤقت. السنة عندما يشعرون بالقوة، يتصرفون كأنهم سيحكمون إلى الأبد. الشيعة عندما يمتلكون النفوذ، يتصرفون بنفس العقلية. القوميات المختلفة، وبقية الطوائف كل واحدة منها تحلم بلحظة الهيمنة بدعم خارجي. لكن لا أحد يريد أن يعترف بأن الجميع في القارب نفسه. نفس البحر، نفس العاصفة، نفس المشغّل، ونفس المصير.
دعوني أقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: الشيعة والسنة ليسوا أعداء بحكم الطبيعة، وكذلك الأكثريات والأقليات في بلادنا، بل تم تحويلهم إلى أعداء لخدمة مصالح أكبر منهم. كل طرف تم دفعه ليخاف من الآخر، ليكرهه، ليعتبره تهديداً وجودياً. وفي هذه الأثناء، يتم استنزاف الجميع، بينما من يحرك اللعبة يحقق أهدافه بهدوء.
وهنا تأتي الجملة التي يجب أن تُكتب بماء النار: “اليوم قد يكون هذا المكون قوياً ومدعوماً من مشغليه، فيتنمر على بقية المكونات دون أن يدري أن المشغل سيبيعه لاحقاً”. هذه ليست نظرية مؤامرة، هذه قاعدة عمل. كل دعم خارجي له ثمن، وكل تحالف مؤقت، وكل من يعتقد أنه استثناء، سيكتشف أنه مجرد مرحلة في خطة أكبر.
السؤال الحقيقي ليس من هو الأقوى اليوم، بل من سيفهم اللعبة أولاً. من سيستوعب أن القوة التي تُبنى على إقصاء الآخرين، هي قوة مؤقتة. من سيدرك أن التنمر على المكونات الأخرى هو استثمار في كارثة قادمة.
لكن دعونا نكون صريحين أكثر، المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في القابلية الداخلية. هناك استعداد دائم لدى كل طرف أن يستقوي بالخارج ضد شريكه في الوطن. هذه هي الكارثة. بدلاً من أن تُبنى شراكة داخلية، يتم استدعاء الخارج ليكون حكماً أو داعماً أو حامياً. والنتيجة؟ يتحول الجميع إلى أدوات.
إذا كان لا بد من نصيحة للجميع: “إياكم والاستئساد والتنمر على بعضكم البعض، تضامنوا وتعاطفوا فيما بينكم”. البعض سيضحك من هذه الكلمات، وسيقول إنها مثالية. لكن لنكن واقعيين، ما هو البديل؟ المزيد من الدم؟ المزيد من الدمار؟ المزيد من التناوب على دور الضحية والجلاد؟
الحقيقة القاسية أن كل من يجد نفسه اليوم في موقع قوة، سيفقدها عاجلاً أو آجلاً. هذه ليست نبوءة، بل قراءة لتاريخ قريب جداً. لا أحد بقي في القمة، ولا أحد سيبقى. لذلك، الذكاء ليس في استغلال لحظة القوة، بل في تحييد آثارها، في بناء علاقة مختلفة مع الآخرين.
الخلاصة التي يجب أن تُفهم، سواء أعجبتكم أم لا: لا يوجد فاعل حقيقي في هذه المنطقة. الجميع مفعول به بدرجات مختلفة. وكل من يظن أنه خرج من هذه القاعدة، هو أول من سيثبت العكس. إما أن تدرك شعوب المنطقة أنها في مركب واحد، فتتوقف عن ضرب بعضها البعض، أو ستستمر في هذه اللعبة العبثية، حيث يتغير اللاعبون، لكن تبقى النتيجة واحدة.
واليوم، أنت قد تكون في محل فاعل، تتوهم القوة، تفرض نفسك، تتنمر. وغداً؟ قد تجد نفسك في محل مجرور، أو ربما داخل المجرور نفسه. هذه ليست مبالغة، هذه خلاصة تجربة طويلة من الوهم والانكسار.
لقد صدق الشاعر الفلسطيني مجيد البرغوثي عندما قال: “يا جند الشيعة والسنة، أعداء محمد هم أعداء علي، وقنابلهم، كمدافعهم، لا تعرف فرقاً بين الشيعة والسنة”. وسلامتكم

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول إبراهيم بومسهولي-المغرب:

    العظيمة أم كلثوم هي التي غنت: حيرت قلبي معاك

  2. يقول غير معروف:

    أين كنت عندما ذبح اهل السنة و الجماعة في العراق و سوريا، قديما كانت أمبراطورية فارس تقستم جزيرة العرب و بلاد مابين النهرين و بلاد الشام مع أمبراطورية الروم ، ثم جاء الإسلام و وحد العرب فقهروا الفرس و الروم ، ثم ظهر الشيعة، و الان العرب ممزقين بين فارس و الروم ، معذرة إلى أهل الرباط ، المرابطون حول بيت المقدس و اكناف بيت المقدس.

    1. يقول عبدالله:

      أثرى الفرس الحضارة الإسلامية بعظماء في مختلف المجالات، فمنهم سلمان الفارسي (أولهم)، والعلماء كالبخاري، وأبو حنيفة، والترمذي، والنسائي، ومسلم، بالإضافة إلى المبدعين كابن سينا والخوارزمي، والوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي. لقد شكل هؤلاء العلماء أركان الفقه والحديث والعلوم في التاريخ الإسلامي.

    2. يقول د. اثير الشيخلي - العراق:

      كلامك في معظمه صحيح اخ عبدالله واتفق معك عليه ،لكن كل ذلك كان قبل عام 1501 ميلادية
      وقبل أن يحول اسماعيل الصفوي ايران إلى خنجر في خاصرة الامة الاسلامية و منذ ذلك الحين لم تنتج لنا فارس ( ايران ) الا ائمة الضلال و الخراب ( مع استثناءات قليلة جدا)
      .
      اما الفضل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عن اهل فارس حين اشار إلى العظيم سلمان الفارسي فقد حازه بالفعل من ذكرت و طارت الطيور بأرزاقها.
      .
      تنتظر عودة ميمونة الى ما قبل 1501 م
      لتعود ايران منتجة للخير و ليس مصدرة الشر
      و لتعود النبوءة النبوية تنطبق عليها

  3. يقول Miloud Nmeil:

    صدقتم القول و أحسنتم النشر بارك الله فيكم يوجد وطن واحد يجمعنا و يجب حمايته

  4. يقول Khalid Frig:

    حتى في شمال السودان والذي يتشابه فيه الناس بالدين والفرقة واللغة قسموهم سودان من اصول عربية وسودان من اصول افريقية. ورغم ان نسبة التشابه بينهم هي ٩٠ بالماءة الا انهم استطاعوا الاستثمار وتضخيم الفرق الصغير العشرة بالماءة وجهلة سبب في تدمير دارفور ولو لم تكن هناك تدخلات خارجية لما استطاعت الحرب ان تستمر هناك لأن مواردهم تستنفز في غضون شهر ثم تتوقف الحرب لنفوق الموارد والبارود

  5. يقول الجزائري:

    مقال في الصميم وفي الوقت المناسب.

  6. يقول عابد صابر:

    إن الخطر الوجودي والحقيقي وأكبر خطرا على العرب هو الكيان الاسرائيلي الصهيوني وايران جار منافس وليس عدو وإسرائيل أكبر خطرا وعدوا للمسلمين سنة وشيعة وهم قالوها صراحة. فهل أنتم تسمعون

  7. يقول علياء بسيوني فرجينيا:

    اللاوعي في المنطقة العربية من جل مثقفيها و اركان معظم انظمتها تعيش في قمة انعدام الثقة بالنفس وبالله و تعيش في فقاعة المؤامرات و الاستقواء بالأجندات الاجنبية كوسيلة وحيدة لفهم ما يحدث او البحث عن شماعة، في المقال نجد نفس النغمة في هذا الجزء (لا يوجد فاعل حقيقي في هذه المنطقة. الجميع مفعول به بدرجات مختلفة.) ياعالم افيقوا وضعوا ثقتكم في الله و في أنفسكم انظروا الى غزة كيف صمدت وقاتلت بصدور أطفالها وشبابها وشيوخها بالصدور العارية رغم استقواء الاحتلال بداعميه، الانسان يموت مرة واحدة ويعيش مرة واحدة

  8. يقول شذى:

    حقيقة مرة المهم نتعظ

  9. يقول غياث المرزوق:

    صدقت أخي فيصل.. والتاريخ القريب الدليل على ما تقول.

  10. يقول Salem Bedouin:

    اميركا هي بيدق صهيوني … اليس كذلك؟

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية