كلُّ‭ ‬عربيٍّ‭ ‬في‭ ‬زَمَنِنَا‭ ‬يَحمِلُ‭ ‬صَخرتَه‭ ‬على‭ ‬ظهرِه‭ ‬وَيَمضي‭! ‬

كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬أذهاننا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬اليوميّة‭ ‬المتواترة‭ ‬التساؤل‭ ‬التالي‭: ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬الإنسانُ‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬العصرالحاضر‭ ‬مخلوقاً‭ ‬حزيناً،‭ ‬شاكياً،‭ ‬باكياً،‭ ‬شقيّاً،‭ ‬متذمّراً،‭ ‬سيزيفيَّ‭ ‬النّزعة‭ ‬بطبعه‭..‬؟‭ ‬الجواب‭ ‬هو‭ ‬بدون‭ ‬تردّد‭: ‬أجل‭ ‬هذه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬مِراء‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬نكرانها،‭ ‬كلّ‭ ‬عربيّ‭ ‬أمسىَ‭ ‬اليوم‭ ‬يشعر‭ ‬بهذه‭ ‬الشكوى‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسه،‭ ‬ويلمسها‭ ‬في‭ ‬الآخرين،‭ ‬نظراً‭ ‬للظروف‭ ‬الصّعبة،‭ ‬والمشاكل‭ ‬المستعصية،‭ ‬والقلاقل‭ ‬الوخيمة،‭ ‬والمستجدّات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬أضحى‭ ‬يتخبّط‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬هذا‭ ‬الكئيب‭.‬

كلّ‭ ‬شئٍ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُرام‭..!‬

‭ ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬من‭ ‬وجوده،‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬من‭ ‬أهله،‭ ‬وأقاربه،‭ ‬وذويه،‭ ‬وساسته،‭ ‬وأولاده،‭ ‬وأصدقائه،‭ ‬وخلاّنه،‭ ‬وأساتذته،‭ ‬ومُعلّميه،‭ ‬ومَعارفه،‭ ‬وجيرانه،‭ ‬والعاملين‭ ‬معه،‭ ‬إنه‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬إرتفاع‭ ‬الضرائب،‭ ‬وغلوّ‭ ‬الغرامات،‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة،‭ ‬وضآلة‭ ‬الأجور،‭ ‬ومن‭ ‬سياسة‭ ‬الحكومات‭ ‬الهشّة،‭ ‬ومن‭ ‬مواقف‭ ‬المعارضة‭ ‬السلبية،‭ ‬وتذبذب‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬المنبطحة‭ ‬في‭ ‬بلده،‭ ‬إنه‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬السّائقين،‭ ‬ومن‭ ‬المارّة،‭ ‬والرّاجلين،‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬الإكتظاظ،‭ ‬والإزدحام،‭ ‬من‭ ‬الضوضاء،‭ ‬والغوغاء،‭ ‬ومن‭ ‬الصّخب،‭ ‬واللّجب،‭ ‬والدّأب،‭ ‬ومن‭ ‬منبّهات‭ ‬السيّارات،‭ ‬وضجيج‭ ‬القطارات،‭ ‬وهدير‭ ‬الطائرات،‭ ‬وزئير‭ ‬الدبابات،‭ ‬إنّه‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬الطبيعة‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬وبأولاده‭ ‬وأقربائه‭ ‬وبني‭ ‬جلدته،‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الطقس،‭ ‬ومن‭ ‬الفياضانات‭ ‬المدمّرة،‭ ‬من‭ ‬هبوب‭ ‬الرّياح،‭ ‬وقيظ‭ ‬الصّيف،‭ ‬والتصحّر،‭ ‬والجفاف،‭ ‬ومن‭ ‬زمهرير‭ ‬الشتاء،‭ ‬وحساسيات‭ ‬فصل‭ ‬الرّبيع،‭ ‬وشحوب‭ ‬الخريف،‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬الحرّ،‭ ‬والقرّ،‭ ‬من‭ ‬نزلات‭ ‬البّرد‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬به،‭ ‬وتقضّ‭ ‬مضجعَه،‭ ‬من‭ ‬رطوبة‭ ‬الجوّ‭ ‬وتقلّباته،‭ ‬ومن‭ ‬النّاس‭ ‬أجمعين،‭ ‬فكأنّما‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المترامي‭ ‬الأطراف‭ ‬الذي‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬جزافاً‭ ‬واعتباطاً‭ ‬‮«‬الوطن‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬بات‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الشكوى‭ ‬والتذمّر‭ ‬والأنين‭..!‬
‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يغالط‭ ‬نفسَه،‭ ‬ويخادعها،‭ ‬فقد‭ ‬تلتقي‭ ‬صدفةً‭ ‬بصديقٍ‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬بلدٍ‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬سواه‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬عنه،‭ ‬وعن‭ ‬صحّته،‭ ‬وعن‭ ‬لونه،‭ ‬وأحواله‭ ‬حتى‭ ‬يبادرك‭ ‬بالقول‭ ‬دون‭ ‬تفكير‭ ‬أو‭ ‬رويّة‭ ‬منه‭ ‬أنه‭ ‬وعشيرته‭ ‬على‭ ‬خير‭ ‬ما‭ ‬يرام،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّهم‭ ‬قد‭ ‬يكونوا‭ ‬غارقين‭ ‬في‭ ‬بؤسٍ،‭ ‬وحزن،‭ ‬وهمومٍ،‭ ‬وأسىً‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬قرار‭…! ‬وإذا‭ ‬عاد‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬المساء،‭ ‬يؤوب‭ ‬وقد‭ ‬شحن‭ ‬رأسه‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأفكار،‭ ‬والأقوال‭ ‬والمفاجآت،‭ ‬والمعايشات،‭ ‬والمشاكسات،‭ ‬والمناوشات،‭ ‬والمنغّصات‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬به‭ ‬طوال‭ ‬اليوم،‭ ‬لابدّ‭ ‬أنه‭ ‬يظلّ‭ ‬يشعر‭ ‬بضيقٍ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يركن‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬أحد‭ ‬أقاربه،‭ ‬أو‭ ‬معارفه،‭ ‬أو‭ ‬ذويه‭ ‬ليملي‭ ‬عليه‭ ‬شريط‭ ‬أحداث‭ ‬يومه‭.‬

الإنسان‭ ‬إجتماعيّ‭ ‬بطبعه

ثمّ‭ ‬ماذا‭ ‬يفيد‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬عِرقٍ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شكواه‭..‬؟‭ ‬في‭ ‬ظاهر‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يفيد‭ ‬طائلاً‭ ‬يُذكر،‭ ‬وهو‭ ‬إنما‭ ‬يقوم‭ ‬‮«‬بعملية‭ ‬التنفيس‭ ‬عن‭ ‬النفس‮»‬،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬منّا‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مكانته،‭ ‬وملكاته،‭ ‬وقدراته‭ ‬العقلية‭ ‬أو‭ ‬النفسية‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يكبح‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسه‭ ‬هذه‭ ‬الرّغبة‭ ‬الجامحة،‭ ‬والغامضة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نكرانها،‭ ‬فالضغط‭ ‬يورّث‭ ‬الإنفجار‭ ‬كما‭ ‬يُقال‭.‬وكلّ‭ ‬انسان‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يحكي،‭ ‬ويشتكي،‭ ‬وما‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬إلاّ‭ ‬الإنصات‭ ‬أو‭ ‬الإصغاء،‭ ‬وعليهم‭ ‬كذلك‭ ‬مقاسمته‭ ‬مشاعرَه،‭ ‬ومشاركته‭ ‬معاناته،‭ ‬ومشاطرته‭ ‬أشجانَه،‭ ‬وذلك‭ ‬حتّى‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬توازنه‭ ‬وثباته،‭ ‬وسلامته‭ ‬النفسية،‭ ‬والعقلية‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭. ‬وما‭ ‬هؤلاء‭ ‬المساكين‭ ‬الذين‭ ‬يُوسمون‭ ‬بالحمقى،‭ ‬أوهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬بهم‭ ‬مسّ‭ ‬من‭ ‬الجنون‭ ‬إلاّ‭ ‬أناس‭ ‬لم‭ ‬يوفّقوا‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬مَنْ‭ ‬يُصغي‭ ‬إلى‭ ‬شكواهم،‭ ‬وأنّاتهم،‭ ‬وآهاتهم‭ ‬فخلقوا‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬أنفسهم‭ ‬شخصياتٍ‭ ‬ثانوية،‭ ‬أو‭ ‬مزدوجة‭ ‬جعلوا‭ ‬لهم‭ ‬منها‭ ‬أصدقاءَ‭ ‬وهمييّن،‭ ‬أوإفتراضيّين،‭ ‬لذا‭ ‬تراهم‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬حين‭ ‬يتحادثون،‭ ‬ويتحاورون،‭ ‬ويتهامسون،‭ ‬ويتشاورون،‭ ‬ويفكّرون‭ ‬بصوت‭ ‬جهوريّ‭ ‬عالٍ‭ ‬وحدهم‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬ذواتهم،‭ ‬وقد‭ ‬أوجدوا‭ ‬لها‭ ‬‮«‬عالماً‭ ‬خاصّاً‮»‬‭ ‬بهم‭ ‬يأسَف‭ ‬له‭ ‬وعليه‭ ‬‮«‬العقلاء‮»‬،‭ ‬أمّا‭ ‬هم‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يدري‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬شعورهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬تجاهه‭.‬
كان‭ ‬أرسطو‭ ‬يقول‭ ‬إنّ‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬العموم‭ (‬مدنيّ‭ ‬بطبعه‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬إبن‭ ‬خلدون‭ ‬يقول‭ ‬إنّ‭ ‬الإنسان‭ (‬إجتماعيّ‭ ‬بطبعه‭)‬،‭ ‬يحبّ‭ ‬التجمّع،‭ ‬والحضارة،‭ ‬والعمران،‭ ‬والإختلاط،‭ ‬وإعمار‭ ‬المدن‭ ‬والحواضر،‭ ‬ويمقت‭ ‬العزلة،‭ ‬والتهميش،‭ ‬والبعاد‭ ‬عن‭ ‬النّاس،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬ظهرت‭ ‬التجمّعات‭ ‬البشرية،‭ ‬ونشأت‭ ‬الضّيع،‭ ‬والقرىَ،‭ ‬والمداشر،‭ ‬والعشائر،‭ ‬والأسواق،‭ ‬والمواسم،‭ ‬والمدن،‭ ‬والحواضر‭ ‬الكبرى،‭ ‬هذه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬مراء‭ ‬فيها،‭ ‬ولكنّها‭ ‬قد‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬كثيرين‭ ‬منّا‭ ‬فيعرّضون‭ ‬أنفسَهم‭ ‬لمخاطر‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬عليهم‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يُحمد‭ ‬عقباه‭. ‬فعلى‭ ‬الرّغم‭ ‬ممّا‭ ‬يسود‭ (‬المدنية‭) ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬من‭ ‬نفاق،‭ ‬وريّاء،‭ ‬وتفاوت،‭ ‬وتعنّت،‭ ‬ومداهنة،‭ ‬ومصانعة،‭ ‬وتناقضات،‭ ‬وفروق،‭ ‬ومخاطر،‭ ‬وشرور،‭ ‬وويلات‭ ‬فإنّها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تسهم‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬في‭ ‬إزاحة‭ ‬ستائر‭ ‬الإستلاب‭ ‬الذي‭ ‬يحجب‭ ‬الواحد‭ ‬منّا‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬هذا‭ ‬التجمّع‭ ‬والإتصال‭ ‬لابدّ‭ ‬أنّهما‭ ‬يخفّفان‭ ‬عن‭ ‬المرء‭ ‬وطأةَ‭ ‬الشّعور‭ ‬بالمأساة،‭ ‬وفداحة‭ ‬الإحساس‭ ‬بالقلق‭ ‬والحيرة،‭ ‬لذا‭ ‬نراه‭ ‬يحاول‭ ‬بشتّى‭ ‬الطرق،‭ ‬وبمختلف‭ ‬الوسائل‭ ‬تجنّب‭ ‬ذلك‭ ‬وتفاديه،‭ ‬والإندماج‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُقصي‭ ‬عنه‭ ‬شبحَ‭ ‬هذه‭ ‬العزلة‭ ‬القاتلة،‭ ‬والوحدة‭ ‬المميتة،‭ ‬والإضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬كمصاحبة‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬ومخالطة‭ ‬الخلاّن،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة،‭ ‬والتظاهرات،‭ ‬والمنتديات،‭ ‬والملتقيات،‭ ‬والإحتفاليات،‭ ‬ويتردّد‭ ‬على‭ ‬النوادي،‭ ‬ويرتاد‭ ‬الملاعبَ،‭ ‬وينخرط‭ ‬في‭ ‬الجمعيات،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يفضل‭ ‬أن‭ ‬يؤمّ‭ ‬المقاهي‭ ‬للعب‭ ‬النرد،‭ ‬والطاولة،‭ ‬والورق،‭ ‬وما‭ ‬أكثرها‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭.!‬
وما‭ ‬‮«‬الزّواج‮»‬‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬المطاف‭ ‬إلاّ‭ ‬فرار‭ ‬من‭ ‬العزلة‭ ‬الخانقة،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬العِشرة،‭ ‬والمعاشرة،‭ ‬والأنس‭ ‬والمؤانسة،‭ ‬والإختلاط‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬ومعنى‭ ‬الكلمة‭ ‬اللغوي‭ ‬يؤكّد‭ ‬جوهرَه،‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬مفصّلاً‭ ‬بإفاضة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المعاجم‭ ‬العربية‭. ‬فكلّ‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الزّوجين‭ ‬أَيضاً‭ ‬يسمّى‭ ‬زَوْجاً،‭ ‬ويقال‭: ‬هما‭ ‬زَوْجان‭ ‬للإثنين‭ ‬وهما‭ ‬زَوْجٌ،‭ ‬كما‭ ‬يقال‭: ‬هما‭ ‬سِيَّانِ‭ ‬وهما‭ ‬سَواءٌ؛‭ ‬والزَّوْجُ‭ ‬هو‭ ‬الفَرْدُ‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬قَرِين‭. ‬والزّوج‭ ‬أو‭ ‬جوج‭ (‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قلبت‭ ‬الزّاي‭ ‬جيماً‭) ‬يعنى‭ ‬في‭ ‬العاميّة‭ ‬المغاربية‭ (‬إثنان‭)‬،‭ ‬وعلى‭ ‬الحدود‭ ‬البرّيّة‭ ‬الشرقية‭ ‬المغربية‭ ‬الجزائرية‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬موضع‭ ‬معروف‭ ‬يسمّى‭ (‬جُوجْ‭ ‬بغال‭) (‬أيّ‭ ‬بغلان‭) ‬وهو‭ ‬محلُّ‭ ‬تندّرٍ‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬مواطني‭ ‬البلدين‭ ‬الشقيقين‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعبّر‭ ‬إخواننا‭ ‬المشارقة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬جوج‮»‬‭ ‬بكلمة‭ (‬إثنان،‭ ‬أوإتنين،‭ ‬أو‭ ‬ثنتيْن‭). ‬
وأقصوصة‭ ‬‮«‬الشّقاء‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الأشقياء‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬الرّوسي‭ ‬الذّائع‭ ‬الصّيت‭ ‬أنطون‭ ‬تشيخوف‭ ‬تصوّر‭ ‬حالنا‭ ‬وحالة‭ ‬كلّ‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬حاجته‭ ‬الملحّة‭ ‬إلى‭ ‬الشكوى،‭ ‬والإفصاح،‭ ‬والتنفيس‭ ‬عن‭ ‬النّفس‭ ‬تصويراً‭ ‬دقيقاً‭ ‬تكاد‭ ‬تنفرد‭ ‬به‭ ‬بين‭ ‬باقي‭ ‬الآداب‭ ‬العالميّة‭. ‬فأيّونا‭ ‬بوتابوف‭ ‬رجل‭ ‬مسنّ‭ ‬يسوق‭ ‬زحّافة‭ ‬تجرّها‭ ‬مهرتُه‭ ‬الهزيلة‭ ‬الهرمة،‭ ‬يظلّ‭ ‬يجوب‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬الكبرى‭ ‬المترامية‭ ‬الأطراف،‭ ‬ويقطعها‭ ‬شرقاّ‭ ‬وغرباً‭ ‬وفي‭ ‬كلّ‭ ‬إتّجاه،‭ ‬ينقل‭ ‬الناسَ‭ ‬في‭ ‬زحافته‭ ‬من‭ ‬مكانٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ليمنحوه‭ ‬نظير‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يسمن‭ ‬ولا‭ ‬يغني‭ ‬من‭ ‬جوع،‭ ‬ولكنّ‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬هنا،‭ ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬له‭ ‬إبناً‭ ‬مريضاً‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مُقتبل‭ ‬العُمر،‭ ‬وأيّونا،‭ ‬يقول‭: ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إبني‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسوق‭ ‬هذه‭ ‬الزحّافة،‭ ‬ويعمل‭ ‬لا‭ ‬أنا‭. ‬ولكنّه‭ ‬مريض‭ ‬ومُقعد،‭ ‬هذه‭ ‬أيضاً‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬المشكلة‭..! ‬معضلته‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تؤرقه،‭ ‬وتعذّبه،‭ ‬وتضنيه‭ ‬كونه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬هذا‭ ‬الخبر،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬هذه‭ ‬الشكوى‭ ‬إلى‭ ‬أحد،‭ ‬أيّ‭ ‬أنه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬يقاسمه‭ ‬محنته،‭ ‬ويشاركه‭ ‬مأساته،‭ ‬ويشاطره‭ ‬معاناته،‭ ‬ويخفّف‭ ‬عنه‭ ‬الآلام‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬منه‭ ‬كلّ‭ ‬مأخذ،‭ ‬والتعب،‭ ‬والإنهاك‭ ‬اللذين‭ ‬يهدّان‭ ‬كيانَه،‭ ‬ويصغي‭ ‬إلى‭ ‬شكواه‭…‬
فيظلّ‭ ‬الوقت‭ ‬بطوله‭ ‬يبحث،‭ ‬ويحاول‭ ‬الكلام‭ ‬أو‭ ‬التحدّث‭ ‬إلى‭ ‬أحد،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يُصغي‭ ‬إليه،‭ ‬الكلّ‭ ‬يعرض‭ ‬عنه،‭ ‬ويوليه‭ ‬ظهره،‭ ‬وينصرف‭ ‬لحال‭ ‬سبيله،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عمله،‭ ‬ولهوه،‭ ‬وغيّه،‭ ‬ومجونه،‭ ‬ومروقه،‭ ‬ومشاغله،‭ ‬وإنْ‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الجميع‭ ‬إلّا‭ ‬عجوز‭ ‬أبله‭ ‬ثرثار‭…‬ففى‭ ‬كلّ‭ ‬مرّةٍ‭ ‬كان‭ ‬يحاول‭ ‬فيها‭ ‬تحقيق‭ ‬رغبته‭ ‬كان‭ ‬يخفق‭ ‬في‭ ‬مسعاه،‭ ‬الركّاب‭ ‬اللذين‭ ‬ينقلهم‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬دائماً‭ ‬هم‭ ‬مشغولون‭ ‬بأمورهم،‭ ‬إنّهم‭ ‬يضحكون،‭ ‬يقهقهون،‭ ‬يصيحون،‭ ‬يمرحون،‭ ‬يتهكّمون،‭ ‬يزدرون،‭ ‬يعربدون،‭ ‬ولا‭ ‬يولونه‭ ‬أدنى‭ ‬إكتراث،‭ ‬وكانت‭ ‬كلماته‭ ‬تطير‭ ‬أدراج‭ ‬الرّياح،‭ ‬وتضيع‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬الليل‭ ‬البهيم،‭ ‬وحينما‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الليل‭ ‬مرهق‭ ‬الجسم،‭ ‬خائرالقوى،‭ ‬وقد‭ ‬أخذ‭ ‬التعب‭ ‬منه‭ ‬منتهاه،‭ ‬وبينما‭ ‬كانت‭ ‬مُهرته‭ ‬الهزيلة‭ ‬تأكل،‭ ‬وتقضم‭ ‬كومةً‭ ‬من‭ ‬التّين‭ ‬الجافّ‭ ‬في‭ ‬هدوء‭ ‬جلس‭ ‬إلى‭ ‬جانبها،‭ ‬مطأطئ‭ ‬الرأس،‭ ‬منهوك‭ ‬القوى،‭ ‬وحكى‭ ‬لها‭ ‬أوعليها‭ ‬الحكاية‭ ‬كلّها،‭ ‬وهي‭ ‬تُصغي‭ ‬إليه‭ ‬بإهتمام‭ ‬بالغ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدارت‭ ‬عينيْها‭ ‬الواسعتين‭ ‬نحوه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحرّك‭ ‬رأسَها‭…! ‬تشيخوف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأقصوصة‭ ‬كأنّه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لنا‭: ‬أنْ‭ ‬لابدّ‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يشكو،‭ ‬أو‭ ‬يشتكي،‭ ‬وأن‭ ‬يقاسم‭ ‬الآخرين‭ ‬معاناته،‭ ‬وآلامَه،‭ ‬ومآسيه‭..!. ‬وتصوّر‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الأقصوصة‭ ‬كذلك‭ ‬مقدارَ‭ ‬الخطورة‭ ‬التي‭ ‬تنطوي‭ ‬عليها‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬فإبلاغ‭ ‬الآخرين‭ ‬أفراحَنا،‭ ‬وأتراحَنا،‭ ‬ومشاكلنا،‭ ‬ورغباتنا،‭ ‬ومسرّاتنا،‭ ‬وآلامنا،‭ ‬وأحزاننا،‭ ‬وتخوّفاتنا،‭ ‬ومعاناتنا،‭ ‬ومشاغلنا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬مندوحة‭ ‬لنا‭ ‬عنه‭.‬

نحن‭ ‬وبؤساء‭ ‬هُوغُو‭ ‬

أمّا‭ ‬الرّوائي‭ ‬الفرنسي‭ ‬فيكتور‭ ‬هوغو‭ ‬صاحب‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬البؤساء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬طبّقت‭ ‬شهرتها‭ ‬الآفاق،‭ ‬فقد‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المشاعر‭ ‬الدفينة‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬وفى‭ ‬العصور‭ ‬التي‭ ‬تلته،‭ ‬فبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬الآنفة‭ ‬الذكر،‭ ‬فقد‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬صراحةً‭ ‬كذلك،‭ ‬وبلغة‭ ‬تقريريّة‭ ‬مباشرة‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬لغة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬جمالية،‭ ‬وروعة،‭ ‬وإبداع‭ ‬فريد‭ ‬ضمن‭ ‬خطاب‭ ‬شهير‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ألقاه‭ ‬حول‭ (‬البؤس،‭ ‬والبؤساء‭) ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬التشريعية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وهي‭ ‬المؤسّسة‭ ‬الشرعيّة‭ ‬التي‭ ‬حلّت‭ ‬محلَّ‭ ‬البرلمان‭ ‬الفرنسي‭ ‬بعد‭ ‬حلّه،‭ ‬في‭ ‬9‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬1849‭ ‬وكأنه‭ ‬خطيب‭ ‬عربي‭ ‬مصقع‭ ‬مفوّه‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬يخاطب‭ ‬قومَه‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬أيّ‭ ‬منبر‭ ‬برلماني‭ ‬عربي‭ ‬فيقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬المبطّن‭ ‬بفيضٍ‭ ‬هائلٍ‭ ‬من‭ ‬السّخرية،‭ ‬والتهكّم‭ ‬والإزدراء‭: ‬‮«‬أنا،‭ ‬أيّها‭ ‬السّادة،‭ ‬لست‭ ‬ممّن‭ ‬يعتقدون‭ ‬أّنه‭ ‬بالإمكان‭ ‬إزالة‭ ‬الألم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬فالوجع‭ ‬قانون‭ ‬إلهيّ‭. ‬ولكّنني‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬يعتقدون‭ ‬ويؤّكدون‭ ‬أّنه‭ ‬يمكننا‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البؤس‭. ‬
لاحظوا‭ ‬جيدًا،‭ ‬أيها‭ ‬الّسادة،‭ ‬أّنيّ‭ ‬لا‭ ‬أقول‭ ‬التخفيف‭ ‬منه،‭ ‬ولا‭ ‬التقليل،‭ ‬ولا‭ ‬حصرَه،‭ ‬ولا‭ ‬الحدّ‭ ‬منه‭. (‬وإّنما‭) ‬ّ‭ ‬أقول‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭. ‬إنّ‭ ‬البؤس‭ ‬هو‭ ‬مرض‭ (‬أصاب‭) ‬الجسدَ‭ ‬الاجتماعّي‭ ‬تمامًا‭ ‬مثل‭ ‬الجذام،‭ ‬والأمراض‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصيب‭ ‬الجسدَ‭ ‬الإنسانّي‭. ‬فالبؤس‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يختفي‭ ‬مثلما‭ ‬إختفى‭ ‬الجذام‭. ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البؤس‭ ‬نعم،‭ ‬هذا‭ ‬ممكن‭ ! ‬وعلى‭ ‬المشرّعين‭ ‬والحكّام‭ ‬أن‭ ‬يفكّروا‭ ‬فيه‭ ‬دون‭ ‬هوادة‭. ‬ففي‭ ‬قضية‭ ‬كهذه،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الفعل‭ ‬هو‭ ‬الممكن،‭ ‬فإنّ‭ ‬الواجب‭ ‬يظل‭ ‬منقوصًا‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬تلاها‭ ‬‮«‬‭ ‬هوغو‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭: ‬‮«‬‭.. ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة،‭ (‬ثمة‭) ‬أديب،‭ ‬يا‭ ‬إلهي،‭ ‬أديب‭ ‬شقيّ،‭ ‬فالبؤس‭ ‬يصيب‭ ‬المهن‭ ‬الليبرالية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يصيب‭ ‬المهن‭ ‬اليدوية،‭ ‬أجل‭ (‬ثمة‭) ‬أديب‭ ‬بائس‭ ‬شقيّ‭ ‬مات‭ ‬جوعًا،‭ ‬مات‭ ‬بسبب‭ ‬الجوع‭ ‬فعلًا‭. ‬وقد‭ ‬علمنا،‭ ‬بعد‭ ‬موته،‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يأكل‭ ‬منذ‭ ‬ستّة‭ ‬أيام‭. ‬هل‭ ‬تريدون‭ ‬شيئًا‭ ‬آخرًا‭ ‬أشدَّ‭ ‬إيلامًا‭..‬؟‭ ‬الشّهر‭ ‬الماضي،‭ ‬وخلال‭ ‬تفاقم‭ ‬وباء‭ ‬الكوليرا،‭ ‬وجدنا‭ ‬أمّاً‭ ‬وأطفالها‭ ‬الأربعة‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬طعام‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬المزابل‭…‬وو‮»‬،‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬وكأنّي‭ ‬به‭ ‬يخاطب‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬المصائب‭ ‬والويلات‭ ‬التي‭ ‬أصبحنا‭ ‬نعاني‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬ممّا‭ ‬ذكر،‭ ‬فقد‭ ‬وضع‭ ‬أصبعَه‭ ‬على‭ ‬مكمن‭ ‬الدّاء،‭ ‬فالبّؤس‭ ‬عنده‭ ‬هو‭ ‬‮«‬أمّ‭ ‬الرّذائل‮»‬،‭ ‬وإلاّ‭ ‬لما‭ ‬وضع‭ ‬رواية‭ ‬ضربت‭ ‬شهرتها‭ ‬الأطناب‭ ‬بنفس‭ ‬العنوان‭: ‬‮«‬البؤساء‮»‬‭ ! ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬لقد‭ ‬عرف‭ ‬هوغو‭ ‬أين‭ ‬تولد‭ ‬الشّكوى‭ ‬حياتنا‭ ‬ايومية‭ ‬في‭ ‬زمنه،‭ ‬وفي‭ ‬زمننا‭ ‬هذا‭ ‬الرّديئ‭..!‬
أيّكم‭ ‬تَصْفُو‭ ‬مَشَارِبُه‭ ‬؟‭!‬
‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬المطاف‭ ‬سوى‭ ‬تاريخنا‭ ‬الخالد،‭ ‬وماضينا‭ ‬التالد‭ ‬فما‭ ‬أعظم‭ ‬زهوَنا‭ ‬بهما،‭ ‬إليهما‭ ‬نعود‭ ‬دائماً‭ ‬لنستخرج‭ ‬ونستخلص‭ ‬منهما‭ ‬العبرَ‭ ‬والأمثالَ‭ ‬التي‭ ‬يحفل‭ ‬بها‭ ‬تراثنا‭ ‬المجيد‭ ‬لنتمعّن‭ ‬حِكَمَه‭ ‬المأثورة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭: ‬لا‭ ‬تتحرّجوا،‭ ‬ولا‭ ‬تضطربوا،‭ ‬ولا‭ ‬تُبدُوا‭ ‬صدوداً،‭ ‬ولا‭ ‬نفوراً،‭ ‬أو‭ ‬عبوساً‭ ‬إذا‭ ‬قصدكم‭ ‬صديق،‭ ‬وقد‭ ‬أثقلتْ‭ ‬ظهرَه‭ ‬الهموم،‭ ‬وناءت‭ ‬بكاهله‭ ‬الأحزان،‭ ‬وهدّ‭ ‬متنه‭ ‬العياء،‭ ‬وإسودّت‭ ‬الدّنيا‭ ‬في‭ ‬عينيه،‭ ‬بل‭ ‬إصغُوا‭ ‬إليه،‭ ‬وقاسموه‭ ‬شكواه،‭ ‬وشاركوه‭ ‬همومَه،‭ ‬وشاطروه‭ ‬مآسيه،‭ ‬وخفّفوا‭ ‬عنه‭ ‬معاناته،‭ ‬وإجعلوا‭ ‬من‭ ‬أنفسكم‭ ‬ملاذاً‭ ‬آمناً‭ ‬مطمئنّاً‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬صدوركم‭ ‬مأوىً‭ ‬مريحاً‭ ‬لآهاته،‭ ‬وأحزانه،‭ ‬وأتراحه،‭ ‬فقلّما‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي،‭ ‬والأمازيغي‭ ‬ومن‭ ‬كلّ‭ ‬الأعراق،‭ ‬والأجناس،‭ ‬والإثنيات‭ ‬مَنْ‭ ‬لا‭ ‬يشكو،‭ ‬أو‭ ‬يشتكي،‭ ‬وقلّما‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬دنيانا‭ ‬على‭ ‬مَنْ‭ ( ‬صَفَتْ‭ ‬مَشَارِبُه‭)‬،‭ ‬فكلّنا‭ ‬من‭ ‬مناهل،‭ ‬ومن‭ ‬مَشارب‭ (‬القَذَى‭) ‬ننهل‭ ‬كلّ‭ ‬يوم‭ ‬أكواباً،‭ ‬و‭ ‬نترع‭ ‬أكؤساً،‭ ‬ونحتسي‭ ‬أوانيَ‭ ‬من‭ ‬بالمرارة،‭ ‬والمضض،‭ ‬والحنظل،‭ ‬يتفاوت‭ ‬طعمها،‭ ‬ويتباين‭ ‬ذوقها‭ ‬عند‭ ‬كلّ‭ ‬منّا‭ ‬من‭ ‬بلدٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ولحظة‭ ‬الفَرَج‭ ‬أو‭ ‬الإنفراج‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا،‭ ‬ولبني‭ ‬طينتنا،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتهيّأ‭ ‬لنا‭ ‬فيها‭ ‬فرصة‭ ‬إبلاغ‭ ‬أو‭ ‬إفراغ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬صدورنا،‭ ‬وجوفنا‭ ‬من‭ ‬آلام،‭ ‬أوأنين،‭ ‬أوعتاب،‭ ‬أو‭ ‬شكوى‭ ‬وما‭ ‬أكثرها‭ ‬عندنا‭ ‬

كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬من‭ ‬المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية