يعتبر مؤرخون وكتّاب من كافة حقول المعرفة دخول نابوليون بونابرت لمصر واستلام محمد علي باشا الحكم في مصر، حدثين مؤسسين في تاريخ مصر والعالم العربي، ففتح بونابرت لمصر وضع العالم العربي والسلطنة العثمانية أمام تحدي المنظومة الأوروبية الحديثة، التي مثلتها الثورة الفرنسية، فيما أدى حكم محمد علي إلى نهاية عصر المماليك والاستقلال عن الخلافة، والتوسع باتجاه الحجاز وسوريا وتهديد وجود السلطنة العثمانية نفسها، وإلى تحديث الجيش المصري وبناء أسس الدولة المصرية الحديثة، التي ما زالت أغلب عناصرها موجودة في النظام المصري.
تفتح مساءلة هذه الوقائع أبوابا مدهشة للفكر التاريخي والسياسي العربي، وهو عين ما يفعله خالد فهمي في كتابه التأسيسي «كل رجال الباشا»، الذي يمكن أن يبــــدأ من ســـؤال بسيط مثل هل أن التاريخ هو تاريخ الحكام والقادة العسكريين وانتصاراتهم وصورتهم عن أنفسهم والعالم؟ أم أنه أيضا تاريخ المحكومين والجنود البؤساء المسوقين إلى ثكنات الاعتقال والموت، وأهاليهم المتروكين للجوع والفاقة والمرض؟
لا يكتفي فهمي بإعادة تركيب تاريخ الجنود والفلاحين وأهالي مصر من وجهة نظرهم، بل يعيد أيضا مساءلة صورة النظام والدولة والجيش، والتغيرات الطارئة عليها ليفتح بذلك عش دبابير هائلة من الأسئلة التي أرّقت أجيالا من النخب العربية، بدءا من سؤال النهضة، ولماذا تقدم الغرب وتراجع العرب، إلى سؤال الاستقلال الوطني، الذي بني على فكرة أن محمد علي عمل على صنعه، والهوية القومية لمصر، وبنية الدولة الحديثة، والصراع الكبير بين الأزهر والجامعة، والنخب الحديثة والإسلام السياسي، ودور الدولة والنخب في كل ذلك.
من العقاب الوحشي إلى «كشف التمام»
من مئات الوقائع التي يذكرها في «كل رجال الباشا» اخترت حادثين أجدهما مليئين بالدلالات:
بعد حادثة تمرد، يخيّر أحد ضباط محمد علي جنوده بين البقاء أو العودة لأهاليهم، وحين يهم البعض بالرحيل يطلق النار عليهم ويذبح معظمهم. في حادثة أخرى يقترح ضابط آخر لعلاج قضايا التمرد أن يقوم الجيش بإجراء بسيط هو كشف الحضور للمجندين مرتين في اليوم، وتسليمهم بطاقات تظهر إن كانوا في المعسكر أو في إجازة وإلا يعلن فرارهم ويجري القبض عليهم وعقابهم.
تمثل هذه التقنية البسيطة، إضافة بليغة لمنظومة العقاب التي تغيرت تدريجيا لتصبح خفيّة أكثر فأكثر مع استكمال إجراءات الهيكلة والتنظيم التي طبقها محمد علي لجعل جيشه من الجنود المحترفين على الطريقة «الحديثة»، المستقاة من التجربة البونابرتية أساسا، وتعكس هذه الجزئية، على بساطتها، التغيير الحاصل لمنظومة المراقبة والعقاب، التي استبدلت مفهوم السخرة والعقاب الوحشي بمفهوم الجندية والبيروقراطية العسكرية، وهو ما تم تعميمه لاحقا على المجتمع، عبر المدارس والمشافي والوزارات، أي عبر المنظومة الأوروبية الحديثة لترقين وضبط ومراقبة وتنظيم السكان، من دون الاستغناء بشكل كلي، عند الحاجة، عن آليات العقاب الوحشي أو الاحتقار المعمم من النخبة الحاكمة للسكان.
لقد اكتشفت دولة الباشا أن «سيادة القانون والنظام» أكثر فعالية في التأثير على رعاياه وأكثر فرضا لحضوره المخيف من شعائر الشنق والتعذيب والضرب بالكرابيج العلنية. لقد صار الباشا حاضرا في كل مكان، من دون اضطراره لممارسة العقوبات المرعبة على أجساد الفلاحين. كان منطق العقاب في القوانين العسكرية والمدنية هو الثأر والانتقام أكثر مما كان الردع والإصلاح، وتحول، في قانون الجيش إلى فكرة غرس اليقين بأن ما من جريمة تمضي بلا عقاب، أو بمعنى آخر إقرار الحضور الكلي والدائم للدولة في حياة جنودها ومواطنيها، وبعد أن كانت هذه الوسيلة الحديثة للضبط والعقاب مخصوصة بالجيش، أدى نجاحها إلى ضرورة نقلها للاجتماع العام، مما يمكن اعتباره بداية الانتقال بالدولة المصرية إلى «العصر الحديث».
يتحدى الكتاب أسطورة عزيزة على قلوب المؤرخين، وهي أن محمد علي كان مصلحا قويا حاول أن يحسن وضع مصر ويستخلصها من السيطرة العثمانية، وهو ما أحبطته جهود أوروبا، وبريطانيا خصوصا
يشير فهمي هنا إلى أن كشف هذا التغير في أهداف وأغراض العقاب، وفي معنى الانضباط عموما يتمثل بأفضل ما يكون في ظاهرتين: تقلص عدد عمليات الإعدام العلنية، وتطور دلالات كلمة «سياسة»، فـ»السياستنامه»، الصادرة في 1837 كانت بداية تطوير لدلالة الكلمة من كونها قانون عقوبات لتكتسب تدريجيا دلالتها العربية الأصلية بمعنى الحكم وإدارته.
جيش المصريين أم جيش محمد علي؟
كانت محاولات سلطات دولة محمد علي المستمرة لتغيير الفلاحين وجعلهم جنودا، وتطبيق نظم عسكرية وطبية وإجرائية عليهم، تواجه بأشكال كبيرة من المقاومة، وكان الواقع يتكلم بشكل مختلف عن أوامر السلطات، ما أدى إلى فيض هائل من الوقائع الطريفة والمؤلمة والمخيفة في ساحات المعارك والثكنات والمشافي والمدن التي دخلها الجيش، لكن أحد الأسئلة الكبيرة والمهمة التي حاول الكتاب الإجابة عليها هو: هل اعتبر الفلاحون أولئك الجيش «جيشهم» والدولة «دولتهم»؟
رد الكتاب على هذه الفكرة بإبراز عدد من الوقائع المهمة، منها بنية جيش محمد علي، الذي كان مؤلفا من هيئة ضباط تتحدث التركية، ومؤلفة من إثنيات عثمانية، فيما كان الجنود المصريون يتكلمون العربية، وأن ابن محمد علي، رغم إبدائه مشاعر كره للعثمانيين والترك، ما كان قادرا (أو راغبا) على تغيير هذه البنية، وأنه كان مثل أبيه وضباطه كان ينظر إلى المصريين كعبيد وأداة لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية، وهو ما يكشفه قيام انتفاضة عرابي بعد قرابة نصف قرن لإعطاء الجيش المصري للمصريين.
لوضع الأمور في سياقها التاريخي، يقارن فهمي بين جيوش محمد علي وبونابرت، فيما يخص تعبيرها عن الأمتين «المصرية» و»الفرنسية»، فيلاحظ أولا التشابهات في كره ومقاومة الجنود في كلا الجيشين لمحاولات تجنيدهم، وأرقام الفرار الكبيرة فيهما، ومن ناحية أخرى يلاحظ أن أيديولوجية الثورة الفرنسية تمكنت بعد حقبة معينة من التأثير على الجنود الفرنسيين، والمساهمة في خلق الأمة والهوية الفرنسيتين، فيما كان ذلك متعثرا وغير قابل للتحقق في الحالة المصرية.
يتحدى الكتاب أسطورة عزيزة على قلوب المؤرخين، وهي أن محمد علي كان مصلحا قويا حاول أن يحسن وضع مصر ويستخلصها من السيطرة العثمانية، وأن جهوده الإصلاحية تلك أحبطتها جهود أوروبا، وبريطانيا خصوصا، لقد كان محمد علي، حسب فهمي، «أبعد ما يكون عن أن يكون بطلا لمصالح مصر (بما هي دولة قومية حديثة)»، لقد كان واليا طموحا لولاية عثمانية، نجح في إدخال إصلاحات وكان يقلقه ألا تجني أسرته ثمار جهوده، معتبرا الحروب التي شنها على السلطنة أقرب لصراعات أسرية داخل الدولة العثمانية.
الأسطورة الأخرى التي يتحداها الكتاب هي أن أوروبا وبريطانيا عارضتا محمد علي بسبب عمله على جعل مصر بلدا صناعيا، مثبتا أن معارضة بريطانيا كانت لتوسعاته الاستعمارية، التي اعتبرت تهديدا لمصالح بريطانيا في آسيا، أما معارضتها لصراعه مع السلطان فكانت لما يؤدي إليه ذلك من تزايد نفوذ روسيا في السلطنة العثمانية.
يشير فهمي إلى مقولة كررها محمد علي عدة مرات، تجعل من مصر قبل دخوله إليها أرضا خلاء من مظاهر المدنية، بلدا «بربرية» متوحشة، وإذا كان الذهن يذهب بسرعة إلى فكرة الصهيونية التي أشاعتها حول فلسطين، فإن من الضروري أيضا سحب ذلك على ما يشبهه في سياق ظهور أغلب الدول العربية، التي قام مؤسسوها بإلغاء التاريخ السابق عليهم بشكل يحاول مسح الذاكرة التاريخية، ويجعل تاريخ شعوبهم الحديث مرادفا لتاريخ الأسر الحاكمة.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»
كل من تعاقب على حكم مصر لم يكن يعمل لمصلحة مصر لأنهم جميعا لم يكونوا مصريين، واول مصري يحكم مصر هو محمد نجيب منذ عهد الفراعنة، وللاسف الشديد ان حكام مصر المصريين لم يكونوا أفضل من محمد علي باستثناء جمال عبد الناصر، فالسادات تصالح مع العدو الصهيوني ومبارك جعلها جمهورية موز والسيسي جعلها جمهورية رز
شكرا أخي “سوري عتيق” على تعليقك. لعب نسب محمد علي الألباني واعتبار فلاحي مصر عبيدا دورا في رؤيته للعالم. المشكلة برأيي هي في من ورثوا الجيش المصري من مصريين وظلوا يتعاملون مع البلد كأنهم جيش احتلال والمصريين كأنهم عبيد.
منذ ان نامت نواطير مصر عن ثعالبها و رجالات الباشا و الثورة و البلحة
–
في تعاقب عليها شكرا لك اخي حسام على مقالاتك المثمرة
–
تحياتي
شكرا اخي “صوت من مراكش” على تعليقك ومتابعتك لما أكتبه. في الكتاب المذكور يواجه الباشا مشكلة في أن “النواطير” سواء كانوا الضباط أو الحراس المكلفين بشؤون المدن والجنود كانوا يفرون بأعداد كبيرة من الجيش فاختلط الأمر بين النواطير والثعالب فعلا.
تحية لالاستاذ حسام وللجميع
اعتقد ان الامر ينطبق على الكثير من بلداننا وليست مصر فقط بسبب نابليون ومحمد علي فنظرة الضباط لجنودهم وبالاخص المجندين او من تم تجنيدهم اجباريا هي نفسها الى الان في بلداننا فالضابط ينظر للجندي كعبد مامور وخادم مطيع والامر ليس اختياريا للضباط فهو اول ما يتعلمونه في دراستهم في كلياتهم العسكرية هو كيفية التعامل مع الجنود وحتى ان كانوا من معارفهم واصدقاءهم اما من يصنع التاريخ فالكل يصنع احداثه ولكن هناك من هم مجهولون كالجنود والفلاحين والعمال وهناك من يذكرهم التاريخ كابطال منتصرين او مهزومين
شكرا اخي “سلام عادل”. مبادئ العسكرية الحديثة تقوم على الانضباط والاذعان المطلق اما اعتبار المواطنين، وليس الجنود فحسب، عبيدا فهذا يحول العالم إلى طبقتين فحسب من ملاك الأرض والبشر ومن العبيد الذين يمكن التخلص منهم والتحكم بأجسادهم. الحدود في البلدان العربية ضائعة بين الحالتين.
لكل موضوع في أي لغة، له مليون زاوية وزاوية في المعالجة، ومن كل زاوية ستخرج برؤية، أهمية أي زاوية رؤية في أي توقيت وسياق، لتاريخ يستمد من علاقة بالجيل الأول من آلات الثورة الصناعية في دولة الحداثة،
ولذلك هو عنوان مهم («كل رجال الباشا»: تفكيك أساطير «جيش مصر») في فهم عصر الجيل الرابع من آلات الثورة الصناعية،
التي تجاوزت مفهوم أداء وظيفة (العضلات/الحيوانية) في الميكنة/المكننة، إلى أداء وظيفة (العقل/الحيوانية) في الأتمتة،
والتي عملت على تحويل مفهوم الإقتصاد الورقي،
إلى مفهوم الإقتصاد الرقمي/الإليكتروني في أجواء العولمة، الذي يتعدى حدود دولة الحداثة، وكل نخب لم تستوعب ذلك، في أي دولة،
تكون السبب في الأزمات الإقتصادية بعد انهيار النظام الربوي والتأمين عليه (عقلية المال أولاً) لتنفيذ أي مقاولة/مشروع،
بسبب ضيق زاوية الرؤية على زاوية واحدة لها علاقة بزوايا الإقتصاد الورقي في عام 2019.??
??????