كهف الخصوصية

يحرص المفهوم عادة، على الاحتفاظ بتلك المسافة الاحتياطية الفاصلة بينه وبين دلالاته، التي هي باستمرار عرضة للتغيير والتحول، انسجاما مع ما يطال مقاماتها وسياقاتها من انقلابات تساهم في تحريره من قيد التعريف الثابت، كي ينفتح على دلالات جديدة، قد تكون مضادة، أو على الأقل مختلفة نسبيا أو كليا، عن دلالته الأصلية. من ذلك مفهوم الخصوصية، المحيل على حزمة من القيم المثالية والنموذجية، المؤشرة على هوية شعب من الشعوب، والمؤطرة بمشترك ذاكرتها التاريخية، الحافلة بأمجادها الغابرة، كما بانتكاساتها، وضمن حدود جغرافية معلومة، تتفاعل فيها المكونات اللغوية بالموروث العقدي، فضلا عن مجموع ما يتخللهما من أعراف ومسلكيات وعادات. علما بأن تجذر هذه المقومات في اللاوعي المجتمعي، هو الذي يؤثر بشكل مباشر في بلورة هوية الشعوب، بما يجعلها متميزة عن غيرها، ومستقلة بخصوصيتها.
وقد جرت العادة أن يتم استنفار مقومات هذه الخصوصية، بوصفها سلاحا فعالا كلما دعت الضرورة إلى مواجهة خطر خارجي، أو «داخلي» ما، من شأنه استهداف هذه الشعوب في هويتها، وفي حريتها. وهو تقليد جد منطقي وجد موضوعي، كلما أثبت نجاعته، في ردع كل عدوان يسعى إلى بسط هيمنته على ثرواتها المادية والرمزية. بمعنى، أن الأمر هنا يتعلق بحتمية التوظيف البراغماتي، لكل الأسلحة التي يستدعي سياق المقاومة إشهارها في وجه المخاطر الطارئة، بانتظار عودة الأوضاع إلى سياقها الطبيعي، لتأخذ مسارا مغايرا، قوامه انفتاحها على قيم الآخر، وعلى منجزه الحضاري والثقافي، حيث سيكون مفهوم الخصوصية مدعُوّا لتغيير إواليات اشتغاله، كي ينصهر بشكل جد موضوعي ومنطقي في مقتضيات الواقع الجديد، بما يطرحه من أسئلة جديدة.

وضمن هذه الرؤية، سيجد المهتم نفسه تلقائيا بين توجهين متضادين ومتصادمين، يهدف أولهما إلى تثبيت الدلالة التقليدية لمفهوم الخصوصية، فيما يلح ثانيهما على تحديثه عبر تفريغه من سلطة مقوماته التقليدية، التي تحُول دون تفاعله مع الآفاق الحضارية الجديدة التي تكون اللحظة بصدد استشرافها.
وبالعودة إلى التوجه الأول، سيتبين لنا وبالملموس، أنه يُمحور مفهوم الخصوصية حول إوالياتها الأصولية، أي تلك التي تأخذ معها شكل عاهة، وشكل ئق حضاري . والأدهى من ذلك، أنها تتحول إلى سلطة آمرة وناهية، وحدها المتحكمة في رسم الحدود، وشرعنة العلاقات.
هكذا سنجد أنفسنا بصدد توجه ميتافزيقي، سجين رؤية مغلقة، لا تعترف بما تمليه الاجتهادات التشريعية والتحديثية من تحولات، وغير معنية بمنطق السيرورة، بما يطرحه من أسئلة، ويجترحه من آفاق. لذلك، سيكون من الطبيعي أن يتمترس المفهوم بنكهته الأصولية، في الجهة المضادة للتوجه المنفتح على ما تمدنا فيه الفضاءات الكونية من اقتراحات، ممارسا عنفه على مجموع ما يتخلل ذاكرته التاريخية من أعطاب، ومكتفيا في ذلك بحضوره الشاحب داخل كهوف نقدية، مكتظة بأشباح استهاماتها.
ومن خلال معاينتنا لراهن الواقع العربي، الحريص على تكريس وجوده خارج مجرى التحولات الكونية، سيتأكد لنا وبالملموس، بأنه ضحية خصوصية أصولية، تعكس بجلاء تسلط أنظمته الحاكمة، المعززة بتشرذم سياسيّ يحول دون بناء أي جبهة مستقبلية تعد ببدائل ممكنة. فلا اليمين يمتلك مقوماته المحيلة عليه، ولا اليسار يتميز بالحد الأدنى من أسسه ومقتضياته، أما الوسط فلا يعدو أن يكون خليط أجنحة وأفخاذ ورؤوس فئوية، مذهبية وعقائدية. ذلك أن الأمر يتعلق بتحالفات ظرفية لا أفق لها، تتحكم في نسج خيوطها علاقات القرابات القبلية والأسرية. فليس ثمة من أفق يغري بالوجود في المشهد السياسي، سوى غواية كعكة السلطة التي يسيل لها لعاب المتهافتين من جحافل هذا المعسكر، أو ذاك. وبالتالي، فإن التوجه المستقبلي يظل مغيبا، كي يظل محض خطاطات نظرية، تنتشي النخب الغامضة والملتبسة هي أيضا، بزركشتها على بياضات الانتظار، في ظل غياب فضاءات ثقافية نزيهة، كفيلة ببلورة خطابات خلاقة ومبدعة.

ومن أغرب المفارقات الجديرة بالاستحضار في هذا السياق، كون الخصوصية الأصولية ومشتقاتها، التي هي في الأصل، خلاصة تتالي انهيارات المجتمعات العربية، تضاعف من فعالية ميكانيزماتها خلال الانسدادات السياسية، التي تعصف بما تبقى من أمن الشعوب واستقرارها، بوصفها الداء والدواء في آن. وهي وضعية تتجاوز حدود الواقعية السحرية، التي يهدر الإبداع العربي طاقته في البحث عنها خارج فضاءاته، فيما هو محاط بعوالمها ليل نهار أسوة بأجداده الأقدمين، وأيضا بأحفاده المنتظرين. وهي المفارقة ذاتها التي تراكم بها الخطابات الفكرية رصيدها المتعدد المسارات والمرجعيات، دون أن تخْلص بالضرورة إلى صيغة ممكنة لتجاوزها نحو آفاق مغايرة.
ومن خلال تصفحك لمدونة هذه الخطابات، خاصة منها المقنَّعة بتوليفات الحداثة، سوف تقتنع حتما بحالة التيه النظري الكبير، الذي طالما اعترى ويعتري الباحث على امتداد عدة عقود، في خضم تجريبه لمختلف المنهجيات الكفيلة بتفكيك أصولية هذه الخصوصية. وبالنظر للهوة العميقة التي تفصل بين الإطار النظري، وتجلياته في الواقع الملموس، فإن الخلل يظل محتفظا براهنيته ومراوحا مكانه، بالحدة نفسها والالتباس نفسه. ما يدعو إلى طرح غير قليل من الأسئلة المحرجة حول دلالة تفاقم هذه الهوة، التي تحول دون عبور مقتضيات الخطابات التنظيرية، لفضاءات الواقع المجتمعي، خاصة أن الباحث ذاته، غير مهيأ مطلقا للإقرار بالدور الذي تمارسه الأمية في تغريب خطاباته، وفي إجهاض ما تعد به من آمال وردية للخروج بالزمن العربي/الإسلامي من أصولية خصوصيته. لكون هذا الإقرار، من شأنه الإطاحة بأبراج مشاريعه النظرية، ما يؤدي إلى إفلاسه ثقافيا، وتسليط الضوء على تلك الكهوف المنسية، التي يمارس فيها أوهام حضوره، وبرمجيات انقلاباته الدونكيشوتية. ومن أجل استيعاب هذا الموقف، والتعامل معه بما أمكن من الموضوعية، ينبغي وضعه في إطار الرؤية اليوتوبية الملازمة لعلاقة المثقف العربي بذاته، والتي لا تخلو من ملمح نرجسي، يعتقد -على طريقته الخاصة – بإمكانية تحمله لمسؤوليات طلائعية في عملية التغيير المجتمعي.

ولعل النرجسية هي الترجمة الفعلية لوعيه بذاته، بوصفه كائنا استثنائيا مستقلا بخصوصية المعرفية، التي يتميز بها عن العامة، والتي لا يمكن أن يفرط فيها عبر اعترافه بمأساوية القطيعة الجذرية القائمة بينه وبين عوالمها. علما بأن هذه الخصوصية الاستثنائية تسمح له بإمكانية اندماجه ولو رمزيا، في مجتمعات الحداثة شرقا وغربا. مع التذكير بأن دلالة «الجماهير» أمست بالنسبة للنخب المثقفة ذات حمولة قدحية، بسبب عدم تفاعلها مع مشاريعها التنويرية، وباعتبارها محض «قطعان» ضالة من «الدهماء «و» الرعاع «، الذين لا «يليق” بالمثقف الحداثي أن يتورط في الحديث باسمها، أو يقاسمها همومه وقضاياه.
وخلال هذا وذاك، تظل الخصوصية الأصولية محتفظة بحضورها المهيمن في حياتنا العامة والخاصة، محفوفة بقداستها، في انتظار المزيد من الرجات السياسية والجماهيرية، التي تصلح كالعادة لأن تكون موضوع خطابات تنتشي النخب بتحبيرها وترويجها، ضمن الحدود التي يسمح بها الكساد المعرفي والثقافي.

شاعر من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Naser-Edine Boucheqif:

    في هذه المقالة، يميز الكاتب بين توجهين متصارعين: أولهما أصولي يسعى إلى تجميد الخصوصية في صيغتها التقليدية، محولاً إياها إلى سلطة قمعية مغلقة تعادي التحديث والاجتهاد، وثانيهما تحديثي يدعو إلى إعادة صياغتها بما يسمح بتفاعلها مع التحولات العالمية. وينتقد رشيد المومني بشدة هيمنة الخصوصية الأصولية في الواقع العربي، معتبراً إياها نتاجاً للاستبداد السياسي، والتفكك الحزبي، وغياب الأفق المستقبلي، فضلاً عن انفصال الخطاب الفكري عن الواقع الاجتماعي
    كما ان في هذه المقالة، يعالج خاصة رشيد المومني مفهوم الخصوصية بوصفه مفهوماً متحولاً لا يثبت على دلالة واحدة، بل يتغير تبعاً للسياقات التاريخية والسياسية والثقافية
    نصرالدين بوشقيف

اشترك في قائمتنا البريدية