تحاول تركيا التعاطي بتوازن مع الأزمة الإيرانية، كما تعاطت من قبل مع الملف الأوكراني، الذي استطاعت أن تلعب فيه دور شريك السلام، ودور الوسيط المقبول من الطرفين. مثلما كان الأمر في الأزمة الأوكرانية، فإن الحضور التركي لم يأت فقط بعد نشوب الحرب، بل سبقها بفترة طويلة عبر مساعي ومبادرات للتوسط والدعوة إلى التهدئة.
مع استمرار الحرب واتساع رقعتها، كان الاحتفاظ بالمقاربة المتوازنة، التي تتأسس على الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المعنية، عبر الإدانة المتزامنة لكل من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والعدوان الإيراني على الدول العربية وأذربيجان، يزداد صعوبة. هذه الصعوبة لا تعود فقط لعامل الجغرافيا، التي تضع تركيا، التي تشترك مع إيران في حدود طويلة، في قلب الأزمة، ولكن أيضا للتعنت المتبادل، ولاتخاذ طهران استراتيجية بدأت باستهداف دول الجوار الخليجي بالصواريخ والمسيرات، ومضت وصولا لاختراق الأجواء التركية نفسها.
في ظل كل هذه الأحداث المتسارعة تحاول تركيا الاحتفاظ بضبط النفس، مع الإبقاء على القنوات الدبلوماسية من أجل إرسال رسائل إلى النظام الإيراني مفادها، أن عليه أن يكف عن تهديد أمن جيرانه، وبشكل خاص أن يكف عن اختبار صبر تركيا، التي لا تعتبر نفسها جزءا من المعركة ضده.
تعلم تركيا أن عليها أن تكون مستعدة لكل السيناريوهات، التي سوف تلقي ظلالها عليها، لاسيما إذا ما انتهت المواجهات بسقوط النظام، أو ما إذا دخلت إيران مرحلة الفوضى أو الاقتتال الداخلي
إلا أن الحياد التركي لم يكن يعني اللامبالاة. تعلم تركيا أن عليها أن تكون مستعدة لكل السيناريوهات، التي سوف تلقي ظلالها عليها، لا سيما إذا ما انتهت المواجهات بسقوط النظام، أو ما إذا دخلت إيران مرحلة الفوضى أو الاقتتال الداخلي، التي قد تقود إلى أن تبحث أعداد ـ يمكن أن تصل إلى عشرات الملايين ـ عن فرص للجوء أو للهرب إلى دول أخرى ستكون تركيا على رأسها. بشأن الصواريخ الإيرانية المتفلتة كان من المهم لتركيا أن تشرح، أن حرصها على السلام وعدم رغبتها في المشاركة كطرف في الحرب، لا يعني التسامح مع أي مغامرة تستهدف مدنها، أو مواطنيها، وهو ما عبر عنه وزير خارجيتها هاكان فيدان بكلمات لا تحتمل اللبس.
نقاط كثيرة كانت تجبر تركيا على التفاعل مع ما يحدث في الجوار، على سبيل المثال، فقد رفضت أنقرة الفكرة الأمريكية، التي كانت تدور حول الاستفادة من المجموعات الكردية المسلحة في إسقاط النظام الإيراني، بالنسبة لتركيا، التي كانت مستعدة لعرقلة هذا المقترح بكل السبل المتوفرة، وإن شمل ذلك التعاون الأمني مع طهران، فقد كانت هذه الفكرة الخطيرة، التي قد تقود لإحياء المشاريع الانفصالية الكردية، مرفوضة بحزم. بهذا يمكن القول، إن تركيا تلتقي في موقفها مع دول كثيرة في الإقليم لا تمانع في تحقيق إضعاف للنظام، بما يجعله ينشغل بنفسه ويتوقف عن تهديد دول المنطقة، لكن من دون أن يصل هذا الإضعاف لحالة تنهار بها الدولة بشكل شامل، بكل ما قد يعنيه ذلك من تداعيات أمنية وجيوسياسية، قد يكون من بينها اندلاع حرب أهلية، أو سيطرة جماعات إرهابية على بعض أجزاء البلاد. وسط كل هذه الفوضى لا يكف محللون في داخل تركيا وخارجها عن ترديد مقولة مفادها، إن تركيا هي التالي، وأن الهدف مما حدث في المحيط العربي في سوريا والعراق، ثم إيران، هو الوصول إليها. هذه المقولة، وبقدر ما أنه يجب عدم التسليم بها، فإنه لا يمكن في الوقت ذاته تجاهلها، بسبب التصريحات الكثيرة المتواترة، التي أدلى بها إعلاميون وباحثون وسياسيون إسرائيليون، والتي كانوا يحذرون فيها من تنامي خطر تركيا. كان أولئك يعتبرون أن تركيا دولة معادية وغير مأمونة الجانب، حتى إن كانت العلاقات الدبلوماسية قد استؤنفت معها بشكل كامل.
يعتبر المفكرون الإسرائيليون، أن هذه العلاقة باتت في عهد «العدالة والتنمية» أشبه بعلاقة إكراه فرضتها حسابات الواقع والأوضاع القديمة القائمة، أي أنها علاقة فوقية لم ينجح مرور كل هذه العقود في جعلها تتنزل على الصعيد الشعبي، بما يجعلها تخلق تطبيعا حقيقيا. لدى صناع الرأي في تل أبيب قناعة بأن الأتراك يتحينون الفرص من أجل انتقاد السلوك الإسرائيلي والدعوة إلى معاقبة كيانهم والقطيعة معه.
وفق هذا التفكير المتعجرف فإن أفعالا مثل الهجوم على السفينة مرمرة، أو الجرائم اليومية المرتكبة ضد الفلسطينيين، أو الإجراءات التعسفية التي يقوم بها الاحتلال في ما يتعلق بالمسجد الأقصى، كل هذا، بما فيه العدوان المستمر والمجازر في قطاع غزة، هي أفعال بسيطة يضخمها الأتراك ويحولونها لذرائع من أجل ممارسة العداء.
وجود تركيا القوية، التي تجلس حول مائدة الكبار، وتوصل صوتها وتدافع عن إرادتها ومصالحها بندية بينهم، لا يضايق الاحتلال فقط، الذي يحاول إضعافها من خلال التنسيق مع منافسيها في مناطق مختلفة، كشرق المتوسط مثلا، وإنما يضايق «شركاء» غربيين أيضا، لا يخفي بعضهم تمنياته بأن يكون ذلك البلد أضعف بما يجعل من الممكن التحكم بقراراته.
هذا التفكير حاضر بكثافة في الفكر الغربي، لدرجة أن كتابا كانوا يبنون قراءاتهم على التشابه بين كل من إيران وتركيا، وأن الأولى إذا اضمحلت فستكون الثانية هي من سيحل محلها لجهة تهديد المصالح الغربية، بما تملكه من نفوذ في الإقليم، وموارد، وثقل دفاعي وديموغرافي. أمر آخر يجعل مناقشة هذه الفرضية مهماً هو القاعدة العامة في العلاقات الدولية، والتي تقول إنه لا توجد دولة تحب أن تكون في جوارها دولة قوية، حتى إن تمتعت معها بعلاقة جيدة، أي أن الدول تفضل أكثر أن تكون مجاورة لدول ضعيفة ومشغولة بنفسها وصراعاتها.
«لنتجاهل فكرة أن تركيا هي إيران التالية لأنها بلا معنى»، هذا كان عنوان مقال نشره قبل أيام الكاتب إلكير سيزر في صحيفة «تركيا توداي» التركية. ركز سيزر على التباينات الكبيرة بين كل من تركيا وإيران، حيث رأى أنه لا يمكن مقارنة تركيا، العضو في الناتو، وفي مجموعة العشرين، التي تملك ارتباطات مختلفة مع المؤسسات الغربية والأوروبية، مع إيران المعزولة والمحاصرة بالعقوبات، والتي كانت طريقتها الوحيدة لإثبات نفوذها وتوسيع دائرة حلفائها هي الاستثمار في الجماعات المسلحة وفي تجارة السلاح مع الابتزاز بملف السلاح النووي.
يتابع سيزر قائلا، إن تركيا، حتى حينما لجأت في الفترة الماضية لاستخدام القوة في جوارها، فإنها فعلت ذلك بمنطق الدولة المسؤولة، لا بمنطق الميليشيات الفوضوية، كما أن مقارباتها لحل أي نزاع لم تكن تقتصر على العسكرة، بل كانت في أحوال أغلبها دبلوماسية واقتصادية. يقول صوت العقل، إن الاختلافات كبيرة بين البلدين، فلا يمكن وضع دولة حليفة للولايات المتحدة كتركيا، في سلة واحدة مع دولة بنت نظامها على أيديولوجية معادية لمجمل الغرب. مع ذلك فإن هناك ما يدفعنا لمراعاة كل الاحتمالات، كتصريح بنيامين نتنياهو حول رغبته في تغيير خريطة «الشرق الأوسط» وفي محاصرة تركيا، التي يطلق عليها هو ورفاقه الصهاينة اسم «إيران الثانية»، التي تسعى وفق وجهة نظرهم لقيادة محور سني. إلا أن الأهم من كل هذه التصريحات هو حقيقة أننا نعيش في عالم لا تستند تحركات الفاعلين الكبار فيه بشكل أساسي على المنطق، أو على حسابات العقل.
كاتب سوداني
لا احب ايران الشاه ولا ايران الملالي ولكن كل العالم يرى اختراقات ايران ولا احد يجرؤ على رؤية المجرمين من امريكان وصهاينة