كيف قصف الإسرائيليون قافلة مغاربية؟

حجم الخط
16

ليس بالصواريخ ولا بالمسيرات ولا بالمقاتلات، فعلوها فقط ببيان. فبعد أسبوع من انطلاقها من العاصمة التونسية نحو غزة، تراجع منظموها وقرروا الإثنين الماضي العودة إلى تونس و»البحث عن سبل أخرى لفك الحصار عن القطاع «، بعد أن «أعلمتهم السلطات الليبية أن السلطات المصرية رفضت مطالب التراخيص التي توجه بها المشاركون إلى سفارتها في تونس، عبر كل القنوات القانونية والدبلوماسية الممكنة»، مثلما جاء في بيان تنسيقية العمل المشترك لأجل فلسطين. وربما بدا ذلك أمرا متوقعا، فقد فشلت حتى الآن كل المحاولات التي قام بها متضامنون من عدة جنسيات في كسر الحصار المضروب على غزة، وردوا على أعقابهم.
لكن ألم يكن من الغريب أنه قبل ما يقرب من ثمانين عاما، وفي الوقت الذي كانت فيه بلدان المغرب العربي ترزح تحت نير الاستعمار المباشر، تمكن أجدادهم في ظروف قاسية للغاية من قطع آلاف الكيلومترات سيرا على الأقدام في معظم الأحيان والقيام برحلة شاقة وطويلة كللت بوصولهم في الأخير إلى فلسطين، ليحملوا السلاح ويشاركوا مع متطوعين من أقطار عربية ضمن ما عرف بجيش الإنقاذ العربي في حرب الثمانية وأربعين، فيما عجز الأحفاد اليوم لا عن حمل السلاح مثلهم والعبور إلى غزة لصد العدوان الوحشي، الذي تتعرض له منذ ما يقرب من عامين، بل حتى عن الوصول بشكل مدني وسلمي إلى المعبر الفاصل بينها وبين مصر، للتعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين، واحتجاجهم على ما يتعرضون له من إبادة وتجويع وحصار؟

كان الاعتقاد السائد لدى بعض المشاركين في القافلة أن العلم الفلسطيني الذي رفعوه سيكون جواز المرور الذي سيفتح لهم البوابات والحدود العربية، ولكنهم كانوا مخطئين تماما في ذلك

ربما سيقول البعض إن الظروف اختلفت بالكامل، ولم تعد كما كانت قبل ثمانية عقود، وإن مجال تحرك الأفراد داخل النطاق الجغرافي المحيط بفلسطين لنصرة أهلها صار أضيق مما كان عليه من قبل. لكن ما الذي أعاق مثل ذلك الحراك الأهلي؟ هل كان السبب يعود وفي جزء كبير منه إلى أن القافلة التي سيّرت لأجل كسر الحصار عن القطاع لم تكن منظمة بشكل جيد، وأنها استخدمت ربما لغايات أخرى، وكانت مجرد غطاء لخدمة أهداف وتوجهات سياسية بعيدة كل البعد عن تلك التي أعلن عنها، ولم تكن بالتالي ذات طابع إنساني وتضامني فقط مثلما روجت لذلك بعض الأطراف المناوئة لها؟ أم لأن المشاركين فيها واجهوا رفضا قاطعا، حتى إن بدا للوهلة الأولى مبطنا وغير واضح من جانب المصريين، بعد أن تعامل هؤلاء مع الطلب الذي وجهه لهم الأربعاء الماضي وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بمنع وصول من وصفهم بـ»المحتجين الجهاديين» إلى «الحدود المصرية الإسرائيلية» وعدم السماح لهم «بالقيام باستفزازات، أو محاولة دخول غزة»، بجدية تامة، واستخدموا كل ما يملكون من تأثير ونفوذ واسع على حليفهم في الشرق الليبي خليفة حفتر، حتى يعطلوا تقدمهم ويمنعوا وصولهم إلى أراضيهم والإعلان عن موقفهم من قافلتهم هناك؟ أم أن الخلل الأساسي تمثل في أن المنظمين لها لم يكونوا على وعي تام بطبيعة الصعوبات التي واجهتهم ولم يملكوا أي خطط بديلة للتعامل معها، وظنوا أن صدقهم وحماسهم والنوايا الطيبة التي حملوها معهم كانت تكفي وحدها لتحقيق ما عقدوا العزم على الوصول إليه؟ لا شك أن أسئلة عديدة ما زالت تحوم حول قافلة الصمود، كما أن عدة انتقادات طالتها ومن أكثر من جهة، لكن الآن وبعد أن توقف مسارها في الغرب الليبي ولم يسمح لها بالوصول إلى معبر رفح، فما الذي عاد به التونسيون والجزائريون والليبيون والموريتانيون الذين شاركوا فيها؟ من المؤكد أن الخلاصات والاستنتاجات من تلك التجربة الفريدة من نوعها ليست بالهينة ولا البسيطة. وأولها هو انه ليس مسموحا للشعوب العربية بشكل عام بأن تتعاطف مع القضية الفلسطينية خارج سقف محدد يضبطه النظام الرسمي العربي، ويمنع تجاوزه وتخطيه تحت أي ظرف، فيما تبقى حجته جاهزة دائما لتبريره وإضفاء نوع من المشروعية عليه. ولم يكن من قبيل الصدفة أبدا أن تم التعامل في مرحلة من مراحل تلك الرحلة مع أفراد القافلة وجميعهم من المدنيين، ورغم ما أثبتته التدقيقات الأمنية المكثفة من أن معظمهم على الأقل لم يكن مشتبها في ضلوعه في أعمال أو نشاطات إرهابية، أو إجرامية على أنهم جميعا قد يشكلون مصدر خطر على الأمن القومي الليبي أو المصري، وتم إخطارهم ولو بطريقة غير رسمية، بأن سيادة ليبيا وأمنها وأمن شعبها ومن ورائها سيادة مصر وأمنها وأمن شعبها تعلوان على ما سواهما. وفي الواقع فإن تلك الحجة هي التي حالت في الأخير دون أن يعبر مئات المدنيين من الرجال والنساء الذين قطعوا آلاف الكيلومترات في أجواء صعبة وحارة، عن تضامنهم مع الفلسطينيين والدفاع عن سيادة وأمن شعب يقتل ويجوع ويحاصر تحت سمع وبصر العالم.
والسؤال هنا هل كان ذلك بمثابة التحول المفاجئ، أو الشكل المنعرج الحاسم في المواقف العربية الرسمية؟ قطعا لا. فمن خرجوا الاثنين قبل الماضي من تونس في عشرات السيارات والحافلات، كانوا يعلمون جيدا أن عقبات عديدة كانت ستواجههم في طريق رحلتهم، وأنه لن يكون من السهل عليهم أن يحققوا الهدف الذي أعلنوا عنه عند انطلاقها. لكن هل كان هؤلاء يتوقعون أن العقبة الكبرى التي كانت ستعترضهم لم تكن تكمن في احتمال منع قوات الاحتلال الإسرائيلي لهم من دخول قطاع غزة، بل في فرضية قيام جهات عربية وبالنيابة عنها بمنعهم من الوصول إلى معبر رفح؟ وهل كانوا يتصورون وهم ذاهبون لرفع الحصار عن الفلسطينيين، أن الدور سيأتي عليهم ولو بصورة مصغرة، وأنه سيضرب عليهم حصار آخر وسيعزلون ويمنعون من وسائل الاتصال وسيحشرون في طريق جانبي على مدخل مدينة سرت الليبية، ويمضون هناك ساعات عديدة في انتظار إذن أو ترخيص لم يحصلوا عليه في الأخير من قوات العسكري المتقاعد خليفة حفتر، التي تسيطر على المنطقة لمواصلة الرحلة؟ ربما كان الاعتقاد السائد لدى البعض منهم على الأقل هو أن العلم الفلسطيني الذي رفعوه سيكون جواز المرور الذي سيفتح لهم كل الطرق والبوابات والحدود العربية، ولكنهم كانوا مخطئين تماما في ذلك، فالحقيقة المرة التي عادوا بها من مسيرتهم تلك هي أن ذلك العلم بالذات جعلهم في مرمى نيران صديقة، إن جاز التعبير قبل نيران العدو. فقد احتاج الإسرائيليون إلى بيان واحد أطلقه وزيرهم للحرب، كان كفيلا بقصف المسيرة المغاربية دون طلقة رصاصة واحدة ومنعها من الوصول إلى غزة. لكن ما الذي فعلته بالمقابل كل بيانات التضامن مع الفلسطينيين والتنديد بالعدوان المستمر عليهم؟ هل حررت شبرا من أرضهم، أو أنقذت رضيعا واحدا من همجيتهم؟
إن أفضل ما قام به المنظمون لتلك القافلة هو أنهم أعلنوا أنهم سيعودون للبحث عن سبل أخرى لفك الحصار عن غزة. لكن هل سيهتدون اليها في ظل وضع إقليمي يزداد تعقيدا؟ هذا أكبر ما يواجههم.
*كاتب وصحافي من تونس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فلسطين امانة والتطبيع خيانة:

    ”لكن ما الذي فعلته بالمقابل كل بيانات التضامن مع الفلسطينيين والتنديد بالعدوان المستمر عليهم؟ هل حررت شبرا من أرضهم، أو أنقذت رضيعا واحدا من همجيتهم؟”…فعلت ما لم يفعله ”الصامتون” من اهل التطبيع من قول كلمة الحق ”بشجاعة” في المحافل الدولية احراجا على الاقل للكيان الصهيوني و الوقوف مع المظلوم و ليس سياسة مسك العصا من الوسط…

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية