لندن: يحدد “نهج المملكة المتحدة تجاه أفريقيا”، الذي وضع في عام 2025، في عهد وزير الخارجية السابق ديفيد لامي، عقب مشاورات مع شركاء أفارقة، رؤية عملية للشراكة تتصدرها العلاقات التجارية والاستثمارية.
وتقول تيجيستي أماري، مديرة برنامج أفريقيا في “المعهد الملكي للشؤون الدولية” (تشاتام هاوس)، في تحليل نشره المعهد، إن هذا الطموح يعكس إقرارا متزايدا بالأهمية الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية لأفريقيا، إذ إنه “مع اتساع أسواقها الاستهلاكية، وما تتمتع به من إمكانات كبيرة للنمو على المدى الطويل، ودورها المحوري في سلاسل التوريد المستقبلية، أصبحت القارة ساحة لتنافس عالمي متزايد”.
ومع ذلك، “يظل هذا النهج إطارا للتعاون أكثر منه إعادة صياغة استراتيجية شاملة للعلاقات بين المملكة المتحدة وأفريقيا. كما أن من غير المرجح أن تحتل أفريقيا موقعا متقدما ضمن أولويات السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الجديد آندي بيرنام“.
ويواجه بيرنام بيئة مالية صعبة، إذ تتضمن أحدث خطط الإنفاق الحكومية خفض التمويل الثنائي المخصص للدول الأفريقية للمساعدة في تمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.
ومع ذلك، تمثل أفريقيا مجالا يمكن فيه تحقيق أداء استراتيجي محدود نسبيا، ومكاسب سياسية واقتصادية كبيرة للمملكة المتحدة على المدى الطويل، حال اتباع نهج أكثر وضوحا.
التجارة والاستثمار يتطلبان عرضا متكاملا
وتعتقد أماري أنه لكي تتمكن المملكة المتحدة من الإسهام بصورة فعالة في تحقيق الإمكانات الاقتصادية لأفريقيا، فإن عليها اتباع نهج أكثر تكاملا وتنسيقا، “يجمع بين استراتيجية تجارية واضحة، وتوسيع التواصل مع قادة الأعمال والمستثمرين، والاستفادة من الجهود القائمة في مختلف الإدارات الحكومية لتوليد فرص استثمارية”.
لكي تتمكن المملكة المتحدة من الإسهام بصورة فعالة في تحقيق الإمكانات الاقتصادية لأفريقيا، فإن عليها اتباع نهج أكثر تكاملا وتنسيقا
ويقدم النهج الألماني، الأكثر تكاملا وتركيزا على التجارة، درسا مفيدا، إذ “يربط بين تمويل التنمية، والسياسة الصناعية، وحشد القطاع الخاص، كما يتجلى في مبادرة “خطة مارشال مع أفريقيا”.
وشكل هذا الإطار أساسا لعدد من شراكات الإصلاح مع دول أفريقية مختارة، رغم أنه ليس برنامجا واحدا، إذ جمع بين الإصلاحات السياسية والتمويل الموجه لتحسين مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال الخاصة إلى تلك الدول.
وبدلا من استنساخ النموذج الألماني، يمكن للمملكة المتحدة تبني المبدأ الذي يقوم عليه، والمتمثل في تحديد أولويات أكثر وضوحا، وتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية، وتقديم عرض موجه لقطاع الأعمال يركز على المجالات التي تتقاطع فيها مصالح المملكة المتحدة والدول الأفريقية.
وتقدم المعادن الحيوية النادرة مثالا واضحا على ذلك، “فالدول الغنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك جمهورية الكونغو الديمقراطية، وزامبيا، وناميبيا، وغيرها، تسعى إلى تجاوز مرحلة استخراج المواد الخام والانتقال نحو تنمية صناعية أوسع وتحقيق قيمة مضافة أكبر”. وفي المقابل، تسعى المملكة المتحدة وشركاؤها إلى بناء سلاسل توريد أكثر مرونة للمعادن النادرة اللازمة للتحول في مجال الطاقة والتقنيات الناشئة، وذلك بحسب “الاستراتيجية البريطانية للمعادن الحيوية”.
وتؤكد أماري أن “هذا التلاقي في المصالح يتيح فرصة لا تقتصر على ضمان وصول المملكة المتحدة إلى هذه الموارد، بل تمتد إلى إقامة شراكات تدعم الاستثمار، وتنمية المهارات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التحول الاقتصادي المحلي”.
كما يمكن للمملكة المتحدة الاستفادة بصورة أكثر استراتيجية من مؤسساتها للتمويل العام وشراكاتها متعددة الأطراف لحشد استثمارات القطاع الخاص.
ويعد برنامج “سيماندو 2040” في غينيا مثالا على إمكانات هذا النهج، إذ يستخدم ضمان بقيمة 1.8 مليار جنيه إسترليني، قدمته وكالة تمويل الصادرات البريطانية، لدعم مجموعة من مشروعات البنية التحتية المرتبطة بتطوير مشروع خام الحديد في منجم سيماندو العملاق، بما يسهم في تحفيز استثمارات دولية أوسع في قطاعات النقل والطاقة وتحديث الإدارة الحكومية.
بناء شراكة موثوقة
ودفعت الظروف المالية المملكة المتحدة بالفعل إلى انتهاج سياسة انخراط أكثر انتقائية في أفريقيا. “ووفقا لأحدث خطط الإنفاق الحكومية، سوف يتم خفض المساعدات الثنائية الإقليمية المقدمة إلى الدول الأفريقية بنسبة 52% خلال السنوات الثلاث المقبلة، وذلك في إطار تخفيضات أوسع تهدف إلى تمويل زيادة الإنفاق الدفاعي”.
ومن المتوقع أن تؤثر هذه التخفيضات بصورة واسعة في برامج التنمية طويلة الأجل، كما قد تنعكس سلبا على نظرة الدول الأفريقية إلى مدى التزام المملكة المتحدة تجاه القارة.
ومع ذلك، لا تعني هذه الإجراءات انسحابا كاملا من أفريقيا. فقد حافظت المملكة المتحدة على شراكات استراتيجية مع قوى إقليمية رئيسية، من بينها كينيا، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا. كما لا تزال تضطلع بدور فاعل في السودان من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والانخراط في الجهود الدبلوماسية، إلى جانب مواصلة أنشطتها في مجالي الأمن وتحقيق الاستقرار في المناطق المتأثرة بالصراعات.
أفريقيا بحاجة إلى اهتمام سياسي لذاتها
وتقول أماري إن مصداقية المملكة المتحدة كشريك سوف تعتمد في نهاية المطاف على مدى التزام لندن بتنفيذ الخطط التي أعلنتها، وهو ما “يتطلب الحفاظ على القدرات الدبلوماسية اللازمة لفهم التطورات السياسية، وتحديد الفرص، وبناء علاقات قائمة على الثقة مع مختلف دول القارة”.
وأدت الضغوط على الموازنة والتغييرات التنظيمية الأخيرة بالفعل إلى تقليص بعض جوانب التواجد البريطاني في أفريقيا.
ومع تزايد الطابع الاقتصادي للعلاقات، حان الوقت أيضا لتجاوز النظرة التقليدية إلى أفريقيا باعتبارها مجرد ساحة لبرامج التنمية، إذ إن “أفريقيا تستحق اهتماما سياسيا قائما بذاته”.
ومن شأن إقامة هيكل وزاري يفصل الشؤون الأفريقية عن مسؤوليات التنمية أن يعزز التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية، وأن يبعث برسالة واضحة مفادها أن “المملكة المتحدة تنظر إلى الدول الأفريقية كشركاء استراتيجيين”.
وإلى جانب المصالح الاقتصادية الثنائية، يمكن للمملكة المتحدة أن تكون شريكا مهما للدول الأفريقية في المحافل الدولية، من خلال العمل معها لدعم أولوياتها وتعزيزها.
إلى جانب المصالح الاقتصادية الثنائية، يمكن للمملكة المتحدة أن تكون شريكا مهما للدول الأفريقية في المحافل الدولية، من خلال العمل معها لدعم أولوياتها وتعزيزها
ويظل التعاون الفني مجالا آخر تتمتع فيه المملكة المتحدة بميزة نسبية، “فالدعم المقدم في مجالات إدارة المالية العامة، والسياسات الضريبية، والحوكمة الرقمية، وإعداد المشروعات، غالبا ما يحقق قيمة طويلة الأجل أكبر من التمويل المالي وحده، لأنه يستجيب مباشرة لأولويات الدول الأفريقية ويعزز الأسس اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام”.
من الطموح إلى الشراكة المستدامة
وتؤكد أماري أن وضع المملكة المتحدة المستقبلي في أفريقيا سوف يعتمد ليس فقط على المجالات التي تختار الانخراط فيها، بل أيضا على مدى قدرتها على توظيف الخبرات وشبكات العلاقات والإمكانات المتوافرة لديها عبر مختلف مؤسسات الحكومة، والجامعات، ومراكز الفكر، وقطاع الأعمال، ومنظمات المجتمع المدني.
ولا تزال القوة الناعمة تشكل عنصرا مهما، فالتعليم، وبرامج التبادل المهني، والشراكات البحثية، والتعاون المؤسسي، جميعها أدوات يمكن أن تعزز الثقة وتحافظ على العلاقات طويلة الأمد.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يظل الدعم الانتقائي لجهود منع الصراعات وتسويتها، بما في ذلك جهود الوساطة في السودان، جزءا أساسيا من النهج البريطاني، إلى جانب مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية.
وسوف يتعين على المملكة المتحدة كذلك العمل بصورة أكثر فاعلية مع شركاء آخرين، “ففي ظل بيئة جيوسياسية تتسم بتعدد الأقطاب، يعني ذلك تعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين، ودول الخليج، والشركاء الآسيويين، والمؤسسات متعددة الأطراف. كما يعني الاعتراف بالدور الاقتصادي الكبير الذي تضطلع به الصين في أفريقيا، واعتماد نهج عملي في التعاون معها عندما تتلاقى المصالح”.
وفي ختام التحليل، تؤكد مديرة برنامج أفريقيا في “تشاتام هاوس” أنه بدلا من السعي إلى المنافسة على نطاق واسع، “تكمن القيمة الحقيقية للمملكة المتحدة في قدرتها على جمع الشركاء، وربطهم ببعضهم البعض، وإضافة قيمة من خلال شراكات تدعم أولويات الدول الأفريقية”.
وفي عصر “تتسم فيه الموارد بالمحدودية، وتشتد فيه المنافسة الجيوسياسية، لم يعد اتساع نطاق الانخراط وحده مؤشرا موثوقا على النجاح، بل إن المعيار الحقيقي لمدى أهمية المملكة المتحدة في أفريقيا سيكون جودة شراكاتها، وموثوقيتها، والأثر طويل الأجل الذي تحققه”.