كي لا ننسى أسرى الحرية الفلسطينيين

حجم الخط
1

علّق الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، مساء يوم الأربعاء الفائت، إضرابهم عن الطعام، إثر وقف الإجراءات العقابية والتعسفية التي كان قد بدأ المسؤولون في «سلطة مصلحة السجون الإسرائيلية» باتخاذها في حقهم، وتطبيقها وفق أوامر وزير الأمن القومي في حكومة بنيامين نتنياهو الوزير إيتمار بن غفير.
لقد كانت مسألة الصدام بين الحركة الفلسطينية الأسيرة وإدارة مصلحة السجون أمرا متوقعا؛ لاسيما بعد أن أعلن الوزير بن غفير، منذ اليوم الأول لتوليه منصب وزير الأمن القومي، وهي الوزارة المسؤولة قانونيا عن سلطة مصلحة السجون في إسرائيل، أنه سيعمل فورا على تغيير ظروف معيشة الأسرى الفلسطينيين داخل المعتقلات، وأنه لن يتركهم يعيشون في الظروف والشروط نفسها التي «ينعمون» بها على حساب الدولة. ووفقا لأوامر بن غفير، بدأت سجون الاحتلال بتنفيذ سياسة قمع استفزازية جديدة، تمثلت باتخاذ مجموعة من الخطوات القمعية مثل، تحكم إدارات السجون بكمية المياه التي يستخدمها الأسرى، وتقليص مدة الاستحمام بحيث يسمح لجميع الأسرى الاستحمام في ساعة محددة من ساعات النهار؛ حتى إنهم وضعوا الأقفال على الحمامات المخصصة للاستحمام في بعض أقسام بعض السجون. ومن ضمن الإجراءات القمعية لوحظت عملية تزويد الأسرى بخبز وبطعام رديئين، ومضاعفة عمليات الاقتحام والتفتيش التي كانت تنفذ أحيانا بمصاحبة الكلاب البوليسية وبإلقاء القنابل الصوتية. وإلى جانب الخطوات القمعية بحق الأسرى، شرعت الحكومة الإسرائيلية بسن مجموعة من القوانين التي تستهدف المساس بحقوق الأسرى الأساسية، مثل قانون حرمانهم من تلقي العلاج الطبي وإجراء العمليات الطبية داخل السجون، وكذلك مصادقة اللجنة الوزارية التشريعية داخل الحكومة على مقترح قانون يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، الذين نفذوا عمليات مقاومة ضد الاحتلال، خاصة تلك العمليات التي انتهت بالقتل.

ما يستهدفه بن غفير يتمثل بضرب كيانية الحركة الأسيرة الفلسطينية وإلغاء شخصيتها الجامعة، وما يعنيه هذا الوجود داخل السجون وخارجها

ولّدت سياسة القمع الإسرائيلية الجديدة لدى الأسرى، قناعة بأن حكومة إسرائيل الحالية، وعلى خلاف السياسات في الماضي، عازمة على شن حرب شاملة ضد الحركة الفلسطينية الأسيرة، وهي مدفوعة، هذه المرّة، برؤية أيديولوجية عنصرية واضحة ومغايرة لجميع تجارب الحركة السابقة؛ فاليوم تستهدف هذه الحكومة العنصرية القضاء على جميع منجزات الأسرى الفلسطينيين، وتقويض قواعد الصراع بين الأسير وسجّانه، التي كانت تحكمها ضرورات محافظة جميع الأطراف على حالة «الوضع القائم». فما أعلن عنه بن غفير لا يمكن فهمه إلا كقرار بهدم جميع التفاهمات السائدة داخل السجون منذ سنوات طويلة، وتغيير مكانة أسير الحرية الفلسطيني، من مقاوم ضد الاحتلال يتوجب على إسرائيل، كدولة احتلال، أن تكفل وتؤمّن له جميع الحقوق الأساسية، وفي طليعتها حقه في العيش بكرامة وفي ظروف إنسانية كاملة، إلى مجرد سجين/عدو يحق لسلطات السجن قمعه وحرمانه من العيش في ظروف إنسانية. لقد استوعبت الحركة الأسيرة حقيقة ما يستهدفه بن غفير وحكومته، فهو لا يستهدف المس بحقوق الأسرى الحياتية المكتسبة خلال معارك نضالية طويلة خاضتها أفواج المناضلين الفلسطينيين الأوائل، ولغاية أيامنا هذه وحسب، بل إن قصده الأساسي يتمثل بضرب كيانية الحركة الأسيرة الفلسطينية وإلغاء شخصيتها الجامعة، وما يعنيه هذا الوجود داخل السجون وخارجها؛ فهي عمليا الجسم الفلسطيني الأبرز الذي حافظ دائما على عوامل معادلة الصراع الواضحة التي أبقت الاحتلال دائما كعنوان للتناقض الأساسي وللصراع الوجودي الفلسطيني، وقد حافظت على ذلك حتى عندما التبست المعادلات خارج السجون وداخل أقاليم الوطن.
اكتب مقالتي قبل نشر جميع تفاصيل آخر اللقاءات التي تمت بين قيادات الإضراب والمسؤولين في مصلحة سجون الاحتلال؛ فوفقا لبيان مقتضب صدر في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء، أعلن عن تعليق الإضراب الذي كان مقررا أن تخوضه الحركة الأسيرة مع بداية حلول شهر رمضان. تبقى للتفاصيل أهميتها طبعا، لكنني أستطيع اليوم أن أهنئ قيادات الحركة الأسيرة على ما حققته لغاية الآن؛ ففي وحدتهم التي عبروا عنها بجدية وبصرامة واضحتين، سجّلوا نصرا على سجانهم، مع إنني أعرف طبعا أن الأمور تبقى دائما محكومة بخواتيمها؛ إذ لا يمكن فهم تراجع إدارة مصلحة سجون الاحتلال عن مواقفها العدائية المعلنة، حتى لو كان ذلك تراجعا جزئيا أو مؤقتا، بعيدا عن موقف الحركة الأسيرة التي تصرّف قادتها، هذه المرة، بحكمة نضالية وحدوية صارمة. فالطرف الإسرائيلي قرأ من دون شك مضمون «ميثاق وعهد قيادة إضراب الحرية والشهادة « الذي وقعه، في الحادي والعشرين من هذا الشهر، كل من الأسير عمار مرضي ممثلا عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني، والأسير سلامة قطاوي ممثلا عن حركة المقاومة الإسلامية، والأسير زيد بسيسي ممثلا عن حركة الجهاد الإسلامي، والأسير وليد حناتشة ممثلا عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والأسير وجدي جودة ممثلا عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين؛ والأسير باسم خندقجي عن حزب الشعب الفلسطيني، وفيه يعلنون باسم جميع الأسرى «نحن الموقعين أدناه ممثلي الحركة الأسيرة، والمستأمنين على قيادة إضراب الحرية أو الشهادة، نعلن أمام الله وضمائرنا وشعبنا والتاريخ أننا نخوض هذه المعركة على قلب رجل واحد، وسنكون فيها صفا واحدا وجسما موحّدا، وأن يكون وقف هذه المعركة أو تعليقها بقرار جماعي دون تفرد أو انسحاب، وألا يصدر خلال هذه المعركة أي تصرف أو إجراء فردي أو فئوي دون قرار جماعي حسب الأصول، وأن نبذل غاية الجهد لإنجاح هذه المعركة بوقف الإجراءات المستهدفة لنا، وتحقيق مطالبنا المتفق عليها من قيادة الإضراب. وعلى هذا نعطي عهدنا وغليظ ميثاقنا، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ويتحمل جزاء نكثه». فمن يقرأ هذا الإصرار، ويسمع عن شروع هؤلاء القادة، ومعهم القادة أحمد سعدات ومروان البرغوثي وغيرهم، يعرف أن الحركة الأسيرة تعالت عن انقساماتها الداخلية، وقررت أن تستعيد مجدها ومكانتها كبوصلة في زمن التيه وكضابطة لإيقاعات النبض الفلسطيني الوطني، خاصة عندما يمرض الجسد وتضعف مجساته الأخرى. لقد كان أولَ من قرأ أهمية هذا الإعلان ومآلاته المحتملة المسؤولون في إدارة مصلحة سجون الاحتلال. وكيلا يكون كلامي مجرد أمنيات عابرة، أؤكد على أن أبناء الحركة الأسيرة القابعين اليوم وراء قضبان القمع والقهر، هم أولاد وأحفاد لمناضلين سبقوهم في بناء صروح العزة والكرامة، وقد فعلوا ذلك بالنضال والتضحيات والإضرابات التي حصدت الأرواح والأسى. ففي عام 1970 استشهد الأسير عبدالقادر أبو الفحم في إضراب سجن «عسقلان» وهو أول شهداء الإضراب عن الطعام في سجون الاحتلال. وتلاه إضراب عام 1976 في عسقلان أيضا، حيث استمر لمدة 45 يوما، ثم كان إضراب سجن نفحة في عام 1980 وفيه استشهد الأسيران راسم حلاوة وعلي الجعفري، والتحق بهما الأسيران أنيس دولة واسحق مراغة، ثم عرف سجن «جنيد» إضرابين في عامي 1984 و1987، حيث شارك فيه ثلاثة آلاف أسير ودام لمدة عشرين يوما. أما في عام 1992 فقد نفذ الأسرى إضرابا عرف باسم «ام المعارك»، شارك فيه نحو سبعة آلاف أسير واستمر لمدة 19 يوما، واستشهد خلاله الأسير حسين عبيدات. لن استرسل برصد سلسلة الاضرابات التي خاضها الأسرى الفلسطينيون، وهي حقا كثيرة، وشكّلت علامات فارقة سجلها هؤلاء المناضلون على صفحات التاريخ وخلال مسيرة كفاحهم في سبيل الذود عن الكرامة الفلسطينية، وعن مكانة الحركة الأسيرة، كونها رأس حربة مغروزة في صدر سياسات القمع والقهر الإسرائيلية، وراية متقدمة في ميادين الاشتباك اليومي مع مصلحة سجون الاحتلال بصفتها أبرز وكالاته الناشطة.
لا أعرف كيف سيمضي الأسرى بعد هذه المحطة، وكيف سيديرون مواجهاتهم القادمة مع سياسات الحكومة الإسرائيلية، التي على الأرجح ألا تتراجع عن محاولاتها للنيل من مكانة الحركة الأسيرة وتحييد دورها وقوتها في التأثير في الحالة الفلسطينية العامة، خاصة في هذه الأزمان العصيبة التي تعيش فيها فلسطين حالات من التشظي السياسي والأزمتين الاجتماعية والاقتصادية. وإلى أن نقف على عتبة المعركة المقبلة أتوقع أن أفراد قيادات الحركة الاسيرة، الذين أعرفهم حق معرفة، أدركوا مجددا معنى توحدهم وراء الموقف الواحد وفي خندق كفاحي واحد ؛ فهم في النهاية من سلالة قوم كانوا حتى إذا اختلفوا حول الرؤية والرؤيا، يبقون موحدين في وجه عدوّهم المؤكد وهو الاحتلال الاسرائيلي وجميع إفرازاته البغيضة؛ فليس كالسجون ميادين حقيقية تستصرخ فرسانها، وتصرخ: هذا أوان الشدّ فهيا يا همم، وليس أولى بمن ضحوا بأغلى ما عندهم أن يعيدوا عربات المجد الفلسطيني إلى حلباتها الصحيحة.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد الحسنات:

    شكرا أخي جواد، على إضاءة مشهد المقاومة والفداء داخل سجون الاحتلال والاستيطان، وأنت خير من يكتب عن
    التحديات والإستجابات بين العدو الغازي المحتل ألمجرم والمختل بعنصريته وفاشية دينية، وبين أبطال الحرية والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان وحق مقاومة المحتل .

اشترك في قائمتنا البريدية