نيويورك ـ «القدس العربي»: قبل نهاية هذا الشهر، تدخل قرارات الكنيست الإسرائيلي ضد وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” مرحلة التنفيذ.
وكان الكنيست قد اعتمد يوم 28 تشرن الأول/ أكتوبر 2024 قرارين يتعلقان بمنع أنشطتها في إسرائيل بما في ذلك القدس كلها، ومنع الاتصال بها داخل الضفة الغربـية وغزة.
وتنفيذ هذا الحظر يعني بالنسبة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ولا سيما غزة، كارثة حقيقية سيفاقم الأوضاع المأساوية المنتشرة الآن أصلا.
وتطرح إسرائيل كحل بديل، وتريد للأمم المتحدة أن تأخذ به، طوعاً أو كرهاً، توزيع مهمات “الأونروا” على الوكالات الدولية المعنية بالمسائل الإنسانية مثل برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، والمفوضية العليا للاجئين، واليونيسيف، ومنظمة الأغذية والزراعة وهكذا.
فهل هذا أمر ممكن؟
وهل تتجرع الأمم المتحدة الهزيمة وتقبل بالقرار الإسرائيلي؟
ونذكر فقط أن الجمعية العامة، وهي المرجعية القانونية لـ”الأونروا”، صوتت يوم 11 كانون الأول/ ديسمبر 2024 بغالبية 159 صوتا لصالح تجديد الثقة في الوكالة ودعمها والمطالبة بإلغاء قوانين حظرها، ولم تجد إسرائيل والولايات المتحدة من يصوت معهما إلا 7 دول لا تكاد معظمها تُرى على الخارطة.
وفي رأي المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني، فإن تحويل مهام “الأونروا” إلى وكالات إنسانية أخرى، كما تطالب إسرائيل، “أمر غير ممكن”. فالخدمات التي تقدمها تتجاوز خدمات أي منظمة إنسانية أخرى، ولا يمكن أن يتحمل تلك المسؤوليات الكبرى إلا دولة فاعلة وليس منظمة أو وكالة.
فغياب الوكالة سيساهم في انهيار النظام الاجتماعي والتعليمي والصحي في غزة. وكذلك في الضفة الغربية. وقال لازاريني إن خدمات الوكالة في مجال الصحة والتعليم، لا بديل عنها، ولا يمكن لأي منظمة أن تعوض عن تلك الخدمات وسيضعف إيمان الشعب الفلسطيني بالنظام الدولي وقد يؤدي غياب النظام التعليمي إلى تدمير مستقبل مئات الآلاف من الأطفال، آخذين بعين الاعتبار آثار ذلك على مستقبل المنطقة.
ومن وجهة نظر مفوض الوكالة، فإن حملة التشويه التي شنتها إسرائيل ضد الوكالة مدفوعة بأهداف سياسية تهدف إلى إلغاء وضعية اللاجئ لنحو ستة ملايين فـلسطيني. ولا يمكن هنا إلا أن نربط ذلك باستهداف موظفي الوكالة، وقتل 269 ضحية خلال حرب الإبادة على غزة، بالإضافة إلى استهداف مقراتها، ومدارسها، وعياداتها، وملاجئها. كما أن هناك استهدافا لموظفي الوكالة في الضفة الغربية بعد إغلاق المقر في الشيخ جراح بالقدس الشرقية، وهناك نوع من الخوف ينتشر الآن بين موظفي الوكالة حيث بدأت قوات الاحتلال تحقق مع بعض الموظفين بتهمة ارتباطهم وعملهم مع منظمة إرهابية.
وقال المفوض العام إن المجتمع الدولي أمام خيارين، فإما أن ينصاع لقرار الكنيست الإسرائيلي أو أن “يدعم ولاية الوكالة لغاية التوصل إلى حل سياسي شامل ثم توكل خدمات الأونروا إلى دولة فاعلة”.
و”الأونروا” تقدم خدمات تعليمية في غزة لنحو 650 ألف فتى وفتاة يعيشون الآن بين الركام والأنقاض في غزة.
وفي غياب دولة مكتملة الأركان، فإنها وحدها القادرة على إعادتهم إلى مقاعد الدروس.
ووحدها “الأونروا” القادرة على تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا نتيجة الظروف الصعبة للبلدين أساساً، هذا عدا عن وجود أعداد من اللاجئين من جنسيات أخرى يرهقون إمكانيات بلد مثل الأردن ولبنان.
فإذا منعت “الأونروا” من استئناف التعليم في غزة، والحفاظ عليه في الضفة الغربية المحتلة، فسيتم تدمير أجيال كاملة من الأطفال الفلسطينيين وقد يميلون إلى العنف والتطرف.
وهذا سيترك عواقب وخيمة على مستقبل الشعب الفلسطيني والاستقرار في المنطقة.
وتبلغ ميزانية الأونروا السنوية 1.3 مليار دولار، لا يقدم المانحون منها إلا نصف المبلغ، وخصوصاً بعد توقف الدعم من أكبر الدول المانحة، وهي الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يستمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نفس النهج، فهو أول رئيس أمريكي أوقف تقديم الدعم لـ”الأونروا” في دورته الأولى عام 2018، علماً أن الوكالة تحتاج إلى أموال مضاعفة لترميم المدارس والمقرات والعيادات التابعة لها في قطاع غزة والتي دمرتها إسرائيل بشكل ممنهج كجزء من خطة مرسومة منذ زمن لتدمير الوكالة، ووجدت في حرب الإبادة فرصتها بتوجيه تهمة سخيفة لكل الوكالة بأنها منظمة إرهابية.
لقد ظلت الوكالة الشاهد على مأساة الشعب الفلسطيني عندما اقتلع من وطنه عام 1948 وانتهى به الأمر إلى مخيمات اللجوء بانتظار العودة كما وعدهم القرار 194 (1948).
وظلت الوكالة القيمة على هذا القرار بانتظار تنفيذه. والمحاولات المستمرة لتدمير أو تفكيك الوكالة ما هي إلا في جوهرها محاولات إلغاء حق العودة وإنهاء الوجود الفعلي للاجئين الفلسطينيين، حملة الشعلة وقيادات الثورة ووقودها عبر 76 سنة من النضال.