لا تسمحوا بهذا العار

حجم الخط
13

كان الأسرى، وما زالوا منذ الأزمنة القديمة أداة يحاول الأعداء من خلالها، ابتزاز عائلاتهم أو شعبهم ورفاقهم وقادتهم، سواء من خلال تحسين معاملتهم مقابل خدمات مختلفة، أو مقايضتهم بأسرى لدى الطرف الآخر، أو تحصيل فدية اقتصادية مقابل تحريرهم، أو موقف سياسي، أو الإمعان في إيذائهم كوسيلة لردع الآخرين بأن لا يسيروا على خطاهم.
ينظر الناس عموماً إلى الأسير كإنسان قدّم نفسه فداء لكرامتهم هم ولحرّيتهم، وإنه أفنى جزءاً مهماً وقد يكون الأهم من سني عمره في السجن لأجل وطنه وشعبه وليس لغاية شخصية، وهذا يعني أن الاهتمام به وبأسرته، هو واجب ومهمة أخلاقية جماعية.
آخر الخطوات القديمة الجديدة، التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية في حربها على الوعي، وعلى شرعية النضال الفلسطيني من أصله، وضمن حرب التشكيك في جدوى النضال، هو قرارها، الذي يقضي بمنع توزيع مخصّصات مالية لعائلات الأسرى المحرّرين، ولمن هم وراء القضبان، وتهديد البنوك والسلطة بعقوبات ما لم يرضخوا لأوامرها. يأتي هذا التصعيد ضد الأسرى وعائلاتهم بهدف المسّ بهذه القيمة العليا لدى أي شعب يكافح لأجل حريته. الحركة الأسيرة هي العصب الأساسي للنضال الفلسطيني منذ بداياته، فقد سُجّل خلال الصراع أكثر من مليون عملية اعتقال، قضى خلالها مئات الشهداء في فترة الاعتقال، أو نتيجة لمضاعفاتها خارجه، وهذا شمل كل فئات وأحزاب وحركات وشرائح ومناطق المجتمع الفلسطيني، إضافة إلى كثيرين من العرب، ممّن انخرطوا في النضال، لأجل القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية عربية وإنسانية عادلة. الحرمان من المخصصات يهدف إلى القول، بأن عائلات المناضلين تعاقب بصورة مستمرة، وأبداً لن تحظى بالراحة والأمان، وهذا شكل من أشكال العقوبات الجماعية.

معاقبة الحاضنة الشعبية للمناضلين والأسرى، أسلوبٌ يتبعه المحتلون لإبعاد الناس عن ساحات النضال والمقاومة

يشعر الأسير بالقوة والراحة والطمأنينة، عندما يكون واثقاً من أن رفاقه خارج السجن، وأبناء شعبه، والمؤسسات الوطنية، لم يهملوه ولم يتخلّوا عنه، ولكن الأهم، أنهم لم يتخلوا عن أسرته، فتعيش في مستوى الحد الأدنى على الأقل، من دون حاجة أو جميل من أحد، لا من قريب ولا من بعيد. يعني بقاء معنوياته عالية، وعدم شعوره بالندم، ولا للحظة واحدة، على الطريق الذي اختاره، فكل شيء يهون ما دام الثمن مقتصراً على شخصه. لكن شعوره سيكون مغايراً تماماً، إذا ما شعر بأن أسرته تعاني من ضنك العيش، وأنها لا تملك الحد الأدنى من مقومات معيشتها بكرامة، بينما هناك جهاز سلطة، وعشرات آلاف الموظفين، يمارسون حياتهم بصورة طبيعية.
معاقبة الحاضنة الشعبية للمناضلين والأسرى، أسلوبٌ قديم اتبعه المحتلون والمستعمرون في كل الأزمنة، بهدف إبعاد الناس عن ساحات النضال والمقاومة، وعزل الأسرى، وتحذير من يفكرون في المشي على خطاهم، إضافة إلى أنها خطوات ووسيلة إسقاط وتجنيد عملاء، ومنحهم ذريعة نفسية على الأقل، بأن الشعب لا يقدر التضحيات، ولهذا فهو لا يستحقها، ومن ثم ضرب الثقة بالعمل الجماعي، والتشكيك، ودفع الناس للسعي إلى الخلاص الفردي، للحصول على امتيازات خاصة على حساب الجماعة. يقصد الاحتلال بهذا ضرب الثقة بين جمهور الأسرى وأهليهم، من جهة، وبين السلطة الفلسطينية من جهة أخرى، وتعميق الشقة، بين من يحصلون على رواتب منتظمة من السلطة، وأسر محرومة، ذنبها أن أحد أبنائها أو أكثر، ناضل لأجل شعبه ووقع أسيراً.
تأتي خطوة نتنياهو هذه، في الوقت الذي تستعد فيه حكومته الجديدة للانطلاق، وإعلان ضم الأغوار المتفق عليه بين مركّباتها، بمباركة إدارة ترامب، وهذه قنبلة إرباكية، هدفها إضافة إلى ما ذكر، إشغال ضحايا الاحتلال ببعضهم بعضاً، ودق إسفين الكراهية بين السلطة الفلسطينية وجمهور موظفيها من جهة، وبين الأسرى وأسرهم وحاضنتهم الشعبية من جهة أخرى، ومن ثم تفتيت جهود التصدي لسياسات وقرارات الاحتلال، فكل انقسام وصراع داخلي بين الفلسطينيين شعبياً ورسميّاً، يسهّل على الاحتلال تنفيذ مشاريعه، التي تهدف في نهاية المطاف إلى إلغاء أي مقوّمات لنشوء دولة فلسطينية، وابتلاع ما تبقى من أرض فلسطين، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة أبعد، وهي مرحلة تفريغ الأرض من العرب.
على مؤسسات السلطتين في الضفة الغربية أولا وفي قطاع غزة ثانياً، العمل والتنسيق لإفشال هذا القرار العدواني الجديد، لأن تمريره لا يعني سوى معاقبة المناضلين وأسرهم على ما اقترفوه لأجل حرية وطنهم وشعبهم، وممنوع لهذا العار أن يمرّ مهما كان الثمن.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول رسيله:

    ( تكمله خامسه )لذا فإننا نتطلع إلى جهد، سياسي وحقوقي وقانوني وإنساني، ضاغط ومؤثر، يدفع المحكمة الجنائية الدولية إلى البدء بفتح تحقيق في الجرائم التي اقترفت بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهي كثيرة.
    فبالموازة بين السعي لإجبار الاحتلال على تحرير الأسرى بصفقات التبادل، يجب عدم الاستهانة بأي سعي سياسي آخر. وبالموازاة مع ذلك، لا يمكن لنا أن نُهمل عمقنا الفلسطيني الضاغط. كما لا يمكن لنا أن نُهمل ضرورة التواصل مع كل منظمات المجتمع الدولي وأحرار العالم أجمع.
    وفي الختام لابد من التأكيد على أن الاعتقالات وبالرغم من ضخامة أرقامها وبشاعة ما يصاحبها ويتبعها، فإنها لم ولن توقف مسيرة شعب يصر على أن يستمر في مقاومته حتى استرداد أرضه ونيل حريته. فالاعتقالات لن تقود إلى أي نوع من السلام. إذ لا يمكن فصل السلام عن الحرية، لأنه لا يمكن لفلسطيني شريف أن يكون مسالما ما لم يكن حرا.( يتبع )

  2. يقول رسيله:

    (تكمله اخيره )الرائع سهيل كيوان لا فض فوك موضوع جميل وطرح أجمل سلمت يمناك ودمت بخير ومحبه تحياتي وتقديري.

  3. يقول رسيله:

    (تكمله ثالثه ) لقد فتح الاحتلال الإسرائيلي سجونه ومعتقلاته، منذ بداية احتلاله لفلسطين، وزج في غياهبها، ما يقارب من مليون فلسطيني، من كافة فئات وشرائح الشعب الفلسطيني، ذكورا وإناثا، أطفالا ورجالا، صغارا وشيوخا.
    فما من بيت فلسطيني إلا وعانى مرارة الاعتقال، وما من فلسطيني إلا وجرب ويلات السجن والاعتقال. منهم من تذوق ذلك بجسده، ومنهم من رأى ذلك على جسد غيره من أفراد أسرته أو أقربائه و جيرانه و أصدقائه.
    لقد شكّلت تلك الاعتقالات ممارسة يومية ودائمة، وأداة إسرائيلية للانتقام وبث الرعب والخوف في نفوس الفلسطينيين والتأثير على توجهاتهم بصورة سلبية. كما تعتبر جزءا أساسيا من منهجية الاحتلال للسيطرة على الشعب الفلسطيني، ووأد ثورته وإخماد مقاومته، وباتت الاعتقالات هي الوسيلة الأكثر قمعا وقهرا وخرابا للمجتمع الفلسطيني.
    والاخطر من ذلك، وجود هذا التلازم المقيت والقاسي، بين الاعتقالات والتعذيب، بحيث يمكن القول إن جميع من مروا بتجربة الاعتقال، من الفلسطينيين، قد تعرضوا -على الأقل- إلى واحد من أحد أشكال التعذيبالنفسي أو الجسدي، مما جعل من السجن الإسرائيلي نموذجا تتجلى فيه الحالة الأسوأ في الاحتلال، (يتبع)

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية