لا حرب على إيران

حروب الإهانات اللفظية لن تتوقف في المدى المنظور بين واشنطن وطهران، ولا لعبة شد الحبل، ولا جولات التظاهر بالضغط على الزناد، لكن حربا عسكرية شاملة لن تحدث أبدا، حتى إن حدثت مصادمات متفرقة واردة، أو لجأت واشنطن إلى ضربات انتقائية في لحظة انفلات أعصاب، يتوقى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دواعى المزيد من الحرج المذل تحت ضغط الإهانات الإيرانية.
وليس بوسع ترامب أن يشن حربا شاملة على إيران، ليس لأنه لا يريد، بل لأنه لا يستطيع، فقد تعهد للشعب الأمريكي بعدم خوض حرب جديدة، ونعى على إدارات البيت الأبيض السابقة شنها لحروب في أفغانستان والعراق، كلفت الخزانة الأمريكية ما يزيد في تقديره على سبعة تريليونات دولار، وبدون أن تحصل على مقابل كان يتصوره ترامب، وقدره بما يزيد على 15 تريليون دولار، تصور الحصول عليها بالاستيلاء على احتياطيات البترول العراقية، وهو ما لم يحدث في رأيه، بل جرى استنزاف موارد مالية وبشرية أمريكية كبيرة في الحربين، وخوض حرب مماثلة ضد إيران، أسوأ في حساباته من حربي العراق وأفغانستان، فحجم إيران السكاني أكبر بمرات من أفغانستان والعراق مجتمعتين، وجغرافيا إيران أكبر بأضعاف من مساحة أفغانستان والعراق مجتمعتين، ولإيران حدودها البرية والبحرية الممتدة مع 15 دولة وكيانا مجاورا، وغزو إيران بريا يحتاج إلى نصف مليون جندي أمريكي على الأقل، وهو فوق قدرة أمريكا على التعبئة العسكرية في المنطقة، وهو ما يفسر حرص ترامب على نفي نية أمريكا غزو إيران بريا، وإن مال في شطحاته الكلامية إلى أقوال عبثية مثيرة للسخرية، من نوع تهديده بمحو إيران، كما سبق أن هدد بإزالة كوريا الشمالية، أو بالتدخل عسكريا لإسقاط حكم نيكولا مادورو في فنزويلا، ولم يجرؤ أبدا على أن يفعلها لا مع «بيونغ يانغ» ولا مع «كاراكاس»، ولن يفعلها أبدا مع إيران الأعظم قوة بمراحل.
والقصة أكبر من الطبيعة الشخصية المتقلبة لترامب، واعتياده لإطلاق التهديدات العنترية الجوفاء، وذعره المؤكد من تكاليف أي حملة أمريكية حربية جديدة، ورغبته في نيل فترة رئاسية ثانية، بدأ قطار حملاتها في الانطلاق فعليا، ورغم ما يبدو من خبل ظاهر في تصرفات ترامب، فإنه يدرك مصلحته الشخصية جيدا، ولا يريد إخفاقا جديدا في السياسة الخارجية، يعود بالسلب على إنجازات يسوّق لها في الداخل، من نوع الانتعاش النسبي الذي تحقق للاقتصاد الأمريكي، وزيادة معدلات النمو والتشغيل والاستثمار الداخلي، وقد تفيده «حروب التهويش» الإعلامي ضد طهران، لكن بدون أن يتورط في حرب شاملة، قد تقضي على مستقبله السياسي، بينما تفيده حالة اللاحرب واللاتفاوض مع طهران، وتفتح له خزائن ممالك الخليج العربي مجتمعة، يغرف منها ما يشاء، ويضيف إلى مئات مليارات الدولارات التي أخذها، أو وعد بها، ومقابل تعهدات لفظية بحماية لا تتحقق أبدا، خاصة إذا بادرت واشنطن بحرب شاملة ضد إيران، لا يضمن أحد مع تداعياتها، بقاء آمنا أو بقاء من أصله لمحميات الخليج، ولا يضمن أمن إسرائيل «سيدة ترامب»، ولا أمن القواعد الأمريكية في العراق وعلى ضفاف الخليج.
وبعد غزو أمريكا للعراق قبل أكثر من 15 سنة، قلنا بوضوح قاطع، إن حرب العراق هي آخر عشاء في تاريخ تسلط القوة الأمريكية على مصائر العالم، وإنها آخر حرب برية تخوضها أمريكا، فقد ذهبت واشنطن إلى العراق، كالذي ذهب ليبني قصرا، فإذا به يكتشف أنه يحفر قبرا، كانت أمريكا تريد بحرب الصدمة والترويع، أن تمدد سيادتها الأحادية على الكرة الأرضية، لكن ما جرى بعد افتتاحية الرعب، كان مؤلما لواشنطن بالذات، فقد خسرت أمريكا الحرب في النهاية، ودفعت الكثير من ضرائب المال والدم، واضطرت لخفض وجودها العسكري في العراق إلى أدنى حد، وفي نقاط معزولة، يتناوشها الخطر اليومي، تماما كما حدث لها في أفغانستان، التي تواصل فيها حربا طويلة، قاربت العقدين زمنا، وبدون أن تحقق هدفا له معنى، اللهم إلا زيادة نفوذ «حركة طالبان»، التي تحارب باستماتة، وتكاد تقضي على «حكومة الدمى» التي نصبتها أمريكا في كابول، بينما ذهب العراق ـ كله تقريبا ـ إلى حضن النفوذ الإيراني المباشر، وتسارعت التغيرات الكبرى في موازين القوة الدولية، وكانت حروب سوريا مجالا لاختبار التوازنات الجديدة، التي تقدمت فيها الصين بعنفوان اقتصادي وصناعي باهر، وتقدمت روسيا لأخذ مكانها العسكري الحاسم في المشرق العربي بعامة، فيما بدت أمريكا في وضع الذي يجرجر قدميه بحثا عن مهرب، لا تجده واشنطن إلا في قصور ممالك وإمارات الخليج العربي، وبدون أن تجد في نفسها القدرة ولا الشجاعة على خوض حرب شاملة في إيران، تريدها وتتمناها إسرائيل وحلفاؤها الخليجيون، وتدفع إليها القوة الأمريكية المتخوفة من سوء المصائر.

سوء الأحوال الاقتصادية لا يسقط النظام الإيراني، بل ربما يوحدهم ضد الخطر الخارجي، والتفافهم حول قيادة فيها ألف عيب ونقيصة

وإيران، قبل غيرها، تدرك حقائق الوضع الراهن، وتعرف أن ليس بوسع أمريكا خوض حرب شاملة ضدها، وتتصرف كأن في بطنها «بطيخة صيفية»، وتوسع لنفسها في هوامش المناورة العسكرية، صحيح أن أمريكا قوة عسكرية عظمى، لكنها لا تملك فرصة التعبئة لحرب برية قاسية في إيران، وكل ما عدا ذلك أو دونه، محتمل عند النظام الإيراني، بل ربما تسعى طهران لجر أمريكا إليه، وعلى نحو ما فعلت في حوادث إظهار العين الحمراء، وعلى جغرافيا نفوذ إيراني ممتد من الخليج إلى البحر المتوسط عند شواطئ لبنان وسوريا، ومن «بحر عمان» إلى البحر الأحمر عند شواطئ اليمن «الحوثي»، وتوجه ضربات ردع انتقائي مؤلمة، من «المنطقة الخضراء» في بغداد، إلى مطارات وقواعد السعودية العسكرية، ومن حركة الزوارق السريعة في «مضيق هرمز»، إلى إسقاط طائرة مسيرة أمريكية متطورة جدا بصاروخ إيراني من صناعة ذاتية، تلعب على حافة الهاوية العسكرية، وبحساب دقيق، يتعمد عدم المس بالعسكريين الأمريكيين، أو إيقاع خسائر بشرية بينهم إلى الآن، وعن رغبة في ترك حساب الدم إلى مواعيد أخرى، قد تتورط فيها واشنطن بتوجيه ضربات جوية وصاروخية انتقائية لمواقع في إيران، تتيح لطهران «شرعية» الرد الدموي، بالأصالة عن نفسها، أو بتنظيمات الوكالة على خرائط النفوذ الإيراني، وعند حدود فلسطين المحتلة بالذات، فليس لدى طهران ما تخسره أكثر، بعد أن بلغت سياسة واشنطن في الضغط الاقتصادي الأقصى إلى حدودها النهائية، ولم يعد بوسع عقوبات أمريكا الاقتصادية أن تفعل أكثر مما فعلت، فلدى إيران وسائلها في التحايل على عقوبات عانتها لأربعين سنة، وسوء الأحوال الاقتصادية لا يسقط النظام الإيراني، بل ربما يزيد من عناد الإيرانيين، ويوحدهم ضد الخطر الخارجي، والتفافهم حول قيادة فيها ألف عيب ونقيصة، لكنها صنعت لإيران قوة هائلة في الصناعات العسكرية والبرامج الصاروخية والفضائية والنووية، وشعوب إيران ذات العمق التاريخي والحضارى الراسخ، لها قدرة عظيمة على تحمل صنوف كدر العيش، وتحمل نظم استبداد دموي كنظام «الملالي» الحاكم اليوم، ولكن بدون أن تستسلم للأعداء، خصوصا لو كان الأعداء من عينة أمريكا، التي صنعت مأساة إيران في زمن الشاه، ثم لجأت إلى عقوبات متصلة للشعوب الإيرانية منذ ثورة الإمام الخميني، وقد لا تكون إيران حققت أي طفرة اقتصادية، رغم مواردها الطبيعية الكبرى، لكنها، على الأقل، ليست مدينة بدولار واحد لأحد من خارجها، ووجهت مواردها بالدرجة الأولى لبناء صناعة عسكرية متقدمة، خصوصا في ترسانة الصواريخ، واستفادت من ضعف جيرانها العرب في التمدد غربا، فالحياة لا تعرف الفراغ، وكل فراغ تتركه خلفك يحتله غيرك، وكان إسقاط نظام صدام حسين بالغزو الأمريكي المباشر، وبأموال وقواعد ممالك الخليج، كان زوال قوة العراق العسكرية في صالح إيران أساسا، قبلها، كان تداعي دور مصر في القيادة العربية لصالح إيران، فقد شهد عام 1979 حدثين متلازمين، انسحبت فيه مصر الرسمية من خط المواجهة مع إسرائيل، بعقد ما يسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وشهدت إيران في العام نفسه ثورتها الخمينية، وتقدمت إيران لشغل الفراغ القيادي الذي تركته مصر في المشرق العربي بالذات، ورغم الإعاقة الوقتية في سنوات حرب صدام والخميني، وخلالها، وبعدها بالذات، راحت إيران ترسي قواعد نفوذ متقدم على جبهة الصدام مع إسرائيل، عبر تمكين القوة المتزايدة لحزب الله في لبنان، ودعم حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» في فلسطين المحتلة، والتحالف مع نظام الأسدين في سوريا، ثم جاءت انهيارات نظم المشرق العربي، لتزيد وتؤكد على أولوية النفوذ الإيراني، ثم تمدده جنوبا إلى اليمن، ولعبت ممالك الخليج دورا جوهريا في تمكين النفوذ الإيراني، وأنفقت مئات المليارات من الدولارات في حروب تكفير واستعداء الشيعة العرب، وفي دعم جماعات للتيار السلفي السني، تحولت في أغلبها إلى جماعات إرهاب وحشي، وتحطيم كلي لقواعد ومعاني العروبة الجامعة، وكان المستفيد الأول هو إيران، التي سارعت لضم الشيعة العرب تحت جناحيها، وكسبت امتدادا بشريا هائلا لدعواها الشيعية، فلا شيء يضمن استقرارا داخليا لإيران أكثر من الدعوى الشيعية، وفى إيران شعوب وقوميات متعددة، القاسم المشترك الأعظم بينها هو «التشيع» والغلبة السكانية الشيعية.
وبالجملة، فلا خطر على بقاء النظام الإيراني في المدى المنظور، ولا حرب أمريكية شاملة على إيران، وإن جاز توقع ضربات متفرقة متبادلة، تبدو فيها طهران كأنها الطرف المنتصر، ويكسب نظامها شعبية مضافة في المنطقة.
كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    رحم الله الرئيس الشرعي الوحيد لمصر الدكتور محمد مرسي, اللهم انتقم من كل من كان سبباً في ضياع الديموقراطية وقتل مرسي!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول تيسير خرما:

    صد عدوان حرس ثوري إيران على خطوط ملاحة بحرية وجوية وأمن طاقة وتجارة دولية يتم بمساعدة مقاومة شعبية بجنوب وغرب إيران لفصل سواحل شرقي الخليج العربي وشط العرب وبحر عمان عن إيران بعمق 200 كيلومتر ووضع تلك المنطقة الحيوية ومواطنيها وثرواتها الهائلة تحت حماية دولية لإنشاء حكم انتقالي من مواطنين أصليين عرب وبلوش وصولاً لإنتخابات حرة شفافة برعاية أممية وقصر إنفاق ثروات تلك المنطقة على تحسين معيشة مواطنيها، وسيسرع ذلك بسقوط العصابة المتحكمة بإيران وانهيار أذرعها الأمنية واستعادة شعوبها لحريتهم وكرامتهم.

  3. يقول good:

    ايران يحكمها أبناءها الذين لايجهلون أبوتهم…ايران لايحكمها اللقطاء….

  4. يقول الصعيدي المصري:

    يقول المثل المصري العامي .. الأدب فضلوه ع العلم ..
    حسنا .. لنشرح ونستوفي ونستوضح ونحلل ونستغرق في تحليل ازمات الكون ..
    الأهم هو ان نبتعد بعد السماء عن الارض عما يجلب لنا المتاعب او يعود بنا الى سياط السلطان ..

    1. يقول ابا ســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلمى:

      دعه يسترزق من مشاكل و ازمات العالم لأنه لو كتب عن السلطان مطبلا و مزمرا فلن يعجب و لن يرضي و ان كتب معارضا فلن يصدقه احد لأن الكتابه عن هموم الناس تستوجب الاحساس بها اولا و من ثم الالتزام بالدفاع عنها و هذا يستوجب بصيره و جرأه لا يملكها الكاتب كما ان سيف السلطان الذي كان الكاتب يراه محررا مسلطا فوق رأسه فدعه ايها الصعيدي يسعى و وراء رزقه باحثا في قضايا العالم

  5. يقول عصام النهري:

    ياهذا كنّا مخدوعين فيك عندما ظننا انك وطني حقيقي وعروبي اما وقد كنت ولازلت بيادة من بيادة عسكر كامب ديفيد عليك ان تلزم الصمت ولا تعاود لعب دور المناضل القومي فلقد كشفت نفسك وكشفك الناس وساستعمل عبارتك التي استعملتها ضد مبارك .لقد تقيءناك انت وامثالك من نخب العار والبيادة.

اشترك في قائمتنا البريدية