لحظة فرح مغربية

حجم الخط
17

طار يوسف النصيري وتلقى الكرة برأسه مسدداً إلى المرمى البرتغالي ليسجل الهدف الوحيد في المباراة التي انتهت بانتصار المغرب.
وانفجر الفرح في العالم العربي، كأننا في هذه البلاد المنكوبة كنا في حاجة إلى قشة أمل نتمسك بها وسط هذا الخراب الذي يحتلنا.
لست خبيراً كروياً كي أحلل سير المباراة، وخطط المدرب المغربي وليد الركراكي، فأنا مجرد هاوي فرجة، أحب كرة القدم، لكنني أشعر بالغربة أمام لعبة المال والنفوذ والسلطة التي استولت على بنيتها. هذا لا يعني أنني لا أصاب بسحر الكرة عندما تتلاعب بها الأقدام، ولا أطرب للرقص البرازيلي على إيقاع سامبا الفوتبول.
حزنت كثيراً لخروج المنتخب التونسي بعد انتصاره على المنتخب الفرنسي، وكنت وأنا أتابع «المونديال»، بشكل انتقائي أتعاطف مع الفرق العربية والآسيوية والإفريقية. أعرف أن بنية اللعبة في بلادنا لا تختلف كثيراً عن بنيتها في الدول الرأسمالية الصناعية. غير أنني لم أستطع ادعاء اللامبلاة، وأنا أرى السنغال وجميع المنتخبات العربية والآسيوية والإفريقية تخرج من البطولة، وقد توج خروج البرازيل مسلسل الهزائم، بحيث لم يتبق لأمثالي، الذين قرأوا المونديال بعواطفهم، سوى المغرب.
أعرف أن قراءتي ليست احترافية، وأن ذروة الخطأ كانت في تعاطفي مع المنتخب الفرنسي في المباراة التي أقصت فيها فرنسا إنكلترا عن المربع الذهبي. يبدو أنني أعتبر في أعماقي أن كارثة وعد بلفور أكثر إيلاماً من قمع المستعمرين لبلادنا، هنا في سورية ولبنان وهناك في الجزائر، وهذا ليس دقيقاً. غير أن أن الجرح البلفوري لا يزال ينزف، بينما تحولت تضحيات النضال من أجل الاستقلال إلى ذاكرة يجب ألّا تنسى.
سحرني الفريق المغربي عندما نجح في الفوز على المنتخب الإسباني، وهذا لا علاقة له بالحنين الأندلسي الذي تحوّل إلى حنين أدبي، ولا علاقة له بسقوط الأندلس، بعدما صار البعد الأندلسي رمزاً فلسطينياً على يد محمود درويش.
قلت إنه سحرني لأنني أصبت بالرعب في لحظة ركلات الجزاء الترجيحية التي أنهت المباراة لصالح المغرب.
كما أن رفع اللاعبين والمشجعين المغاربة علم فلسطين إلى جانب علمهم الوطني، أكد المؤكد، وهو أن التطبيع الإبراهيمي لم ولن يمس الشعوب، وأن عزلة الإعلام الصهيوني في المونديال جاءت كمؤشر إضافي بأن على الاحتلال أن يعرف أن لحظة السقوط العربية لا تعني أنه حقق انتصاره النهائي.
كما تلاحظون، فإن قراءتي ليست سوى خليط من مشاعر التعاطف مع شعوبنا الفقيرة والمهمشة، وتجسيد لإحساس بأننا نستطيع بأقدامنا أن نستعيد لحظة مهرّبة من الشعوربالكرامة المهدورة.
لكن يجب ألّا ننسى أن منتخباتنا تضم عدداً كبيراً من اللاعبين المحترفين في الفرق الأوروبية، وأن أداءهم المتميز ناجم عن هذه الحقيقة، وليس عن بنية العمل الرياضي في بلادهم. ففي الفريق المغربي لاعبون محترفون في أندية «باريس سان جيرمان» و»بايرن ميونيخ» و»فيورنتينا» و»تشلسي» و»سامبدوريا» و»بيشكتاس» و»أشبيلية». صقل اللاعبون مواهبهم في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا وتركيا، ليشكلوا فريقاً متماسكاً تحلق حول حارس المرمى المدهش ياسين بونو، وحقق الانتصارات.
هذا الواقع لا يقلل من مغربية اللاعبين، ففي زمن العولمة اختلطت الألوان في الأندية الأوروبية، وكان علامة هذا الاختلاط هو الجزائري زين الدين زيدان، الذي تحوّل إلى رمز وطني فرنسي.
مشهدان خاطبا الوجدان في هذه المبارة إلى جانب المشهد الطائر ليوسف النصيري.
المشهد الأول كان للفرح: اللاعب المغربي سفيان بوفال، الذي ولد في فرنسا، يحتضن أمه على أرض الملعب، ثم يرقصان معاً بالنشوة والحب. الأم التي ربت أولادها الثلاثة وحدها من عملها في المنازل الفرنسية، حملت معها بلادها وحكاياتها إلى أرض الملعب، معلنة أن الأمومة هي وطن من فقد وطنه.
المشهد الثاني للخيبة والحزن: كريستيانو رونالدو يبكي مجده الضائع، وهو يرى أسطورته تتهاوى وبريقه يخفت معلناً نهاية لاعب كبير.
مشهدان يلخصان حكاية كرة القدم مع أبطالها، وحكايتنا مع البطولات، التي ليست سوى التماعة حياة تعطي الحياة بريقاً مؤقتاً.
الكل في انتظار مباراة نصف النهائي اليوم الثلاثاء وغداً الأربعاء، هل تفوز كرواتيا وفرنسا، فيكون النهائي أوروبياً؟ أم يفوز المغرب والأرجنتين فيكون النهائي عربياً- أمريكياً جنوبياً؟ أم سيكون النهائي مختلطاً؟
لا أحد يمتلك الجواب، لكن هذا «المونديال» كان مليئاً بالمفاجآت، وعلى أمل أن يفاجئنا الفرح المغربي مرة جديدة.
غير أن هناك من أراد تنغيص الفرح، مستخدماً الأسلوب اللبناني الرائج، في وضع كل حدث في قوالب الطائفيات اللبنانية الضيقة.
لماذا تحولت ساحة ساسين في الأشرفية في بيروت إلى ميدان صدام واشتباك بالأيدي والحجارة والعصي بين ميليشيا مستحدثة اسمها «جنود الرب»، ومحتفلين أتوا من الطريق الجديدة على دراجاتهم؟
هذا الحادث المخجل لن يغير شيئاً من حقيقة جماليات اللحظة المغربية التي جاءت لتذكر العرب بأنهم عرب رغم أنظمة الاستبداد والتطبيع، وأنهم يستطيعون أن يتوحدوا رغم الطوائف والعشائر.
قلوبنا ستخفق مع اللاعبين المغاربة في مباراتهم الحاسمة مع المنتخب الفرنسي، على أمل أن يرتفع علم فلسطين إلى جانب علم المغرب كي لا ينسى العرب لغتهم.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    ” طار يوسف النصيري وتلقى الكرة برأسه مسدداً إلى المرمى البرتغالي ليسجل الهدف الوحيد في المباراة التي انتهت بانتصار المغرب. ” إهـ
    كانت قفزة هذا اللاعب الطائر أزيد من ثلاثة أمتار !
    رونالدو كانت أعلى قفزة له أقل من ثلاثة أمتار !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول أحمد:

      تجنبوا المبالغات والأقاويل الكاذبة فإنها رجس من عمل الشيطان: قفزة نصيري قيست بالسنتيمتر الواحد بارتفاع 2.78 م ومثبتة في أكثر من مكان إعلامي – بينما قفزة رونالدو بلغت ارتفاعا 2.93 م

  2. يقول الخنساء:

    “غير أنني لم أستطع ادعاء اللامبلاة، وأنا أرى السنغال وجميع المنتخبات العربية والآسيوية والإفريقية تخرج من البطولة، وقد توج خروج البرازيل مسلسل الهزائم، بحيث لم يتبق لأمثالي، الذين قرأوا المونديال بعواطفهم، سوى المغرب.”,,,,, اهـ
    إذن، يا أخ إلياس خوري، المسألة ليست في آخر المطاف سوى تطبيق للمبدأ التحيُّزي الإكراهي الشهير “ليس حبا بعلي بل كرها بمعاوية” بنحو أو بآخر – هذه هي كرة القدم منذ البدء يا عزيزي: ليس منها الأمان أو أي شيء من هذا حتى لو كانت النية صافية !!!؟

    1. يقول أشعلي المصباحَ ورَيْ عاتفًا حاجبيه:

      بوركت أيتها الأخت الخنساء ، كرة القدم ليس منها الأمان حتى لو كانت النية صافية

  3. يقول Amal:

    هي كملاحظة يوسف النصيري تم اكتشاف موهبته بالمغرب حيث كان بأكاديمية محمد السادس وكذلك أوناحي…وآخرون..السبب الرئيسي في نجاح الفريق المغربي هو الجهد والكفاح ..كفاح هؤلاء الشباب؛ كفاح أبائهم ..كما أن بنية العمل الرياضي في المغرب هي كذلك لعبت دورا مهما في جمع هؤلاء الشباب وتوفير الظروف الملائمة لهم ..ليس سر نجاحهم كرويا أنهم ولدوا في أروبا..ففي أروبا كذلك هناك فاشلين..إن سر النجاح هو الإيمان والجهد ..النجاح لا يهدى..الأروبيون بشر ونحن كذلك بشر..حان وقت العمل والإيمان في شتى الميادين ..كما تعب الأروبيون علينا أن نتعب كذلك ويمكننا أن نكون أفضل منهم..أما أن ننتظر أن تتغير ظروفنا فلن نفعل شيء..ليس البيئة من تصنع الناجحين وإنما الناجحين من يصنعون بيئتهم

    1. يقول ٍنهى:

      النظرة الانسانية لا تكمن في هذا التقسيم الاستشراقي المضاد البغيض بين الـ(نحن) وبين الـ(هم) ومن في النتيجة الأفضل أو علينا أو بإمكاننا أن نكون أفضل منهم – النظرة الانسانية تكمن حقا في التماس التكامل الانساني بين الحضارات وشعوب هذه الحضارات

    2. يقول Amal:

      إلى نهى ..وهل قلت أنني ضد الإنسانية .أنا مع الإنسانية ..والتكامل الإنساني بين الحضارات..وخدمة الإنسانية ..لكن في هذا العالم هناك تقسيمات شئت أم أبيت فرضها الأقوياء وليس نحن ..هناك هم وهناك نحن هذه حقيقة يجب قبولها والتعامل معها..حتى تخدم الإنسانية يجب أن تخدم نفسك أنت أولا وتتخلص من التبعية للغرب وقوانينهم اللاإنسانية التي يفرضونها علينا وعلى العالم..أن نعمل ونجتهد لنكون الأفضل لا يتعارض مع الإنسانية بل بالعكس ..كما أنه من حقنا أن نحلم أن نكون الأفضل كما يحلم الجميع .ففي كل الميادين وليس في الكرة فقط هناك منافسة بين البلدان هههه؛ وفي عالم المنافسة من حقنا أن نكون الأفضل هههه فإذا كنت تعارض منذ البداية أن تكون الأفضل فمن الأفضل أن لا تتعب نفسك حتى في المشاركة ههههه؛ المنافسة موجودة والأقوى والأفضل هو من يتحكم في قوانين اللعبة هههه

  4. يقول هلالي:

    المونديال أظهر أيضا ثمار التكوين الكروي في المغرب، فالنصيري وأوناحي من خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، عطية الله وأشرف داري ويحيى حبران وياسين بونو وبدر بانون والياميق والمحمدي كلها أسماء تخرجت من البطولة الوطنية.

    1. يقول الزاوي بن محمد - طبرق:

      صحيح “من خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم” ولكن من تدريب أندية أوروبية منذ نعومة أظفارهم وهذا هو الأهم – حتى الأكاديمية نفسها من تصنيع أوروبي في الصميم / مع التحية

    2. يقول إبراهيم:

      اين يلعب نيمار وميسي وغيرهم يا هلالي؟

    3. يقول الهلالي:

      نيمار وميسي ورونالدو وغيرهم هم ايضا من خريجي اكاديمية محمد السادس لكرة القدم ولكن الاعلام الغربي يرفض الاعتراف بذلك – صدق او لا تصدق.

  5. يقول الكروي داود النرويج:

    لا حول ولا قوة الا بالله

  6. يقول Ridha Barkati:

    شكرا
    رائع.

  7. يقول راصن:

    “”لكن يجب ألّا ننسى أن منتخباتنا تضم عدداً كبيراً من اللاعبين المحترفين في الفرق الأوروبية، وأن أداءهم المتميز ناجم عن هذه الحقيقة، وليس عن بنية العمل الرياضي في بلادهم. ففي الفريق المغربي لاعبون محترفون في أندية «باريس سان جيرمان» و»بايرن ميونيخ» و»فيورنتينا» و»تشلسي» و»سامبدوريا» و»بيشكتاس» و»أشبيلية». صقل اللاعبون مواهبهم في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا وتركيا،”” ……
    السيد الكاتب المحترم هذا الكلام في حقيقة الامر اهم شيء جاء في مضمون التقرير

  8. يقول اسمهان الغليمي:

    .على الاقل في المغرب جزء كبير من اللاعبين تربوا في مؤسسة محمد السادس الواعدة … بالإضافة إلى أن أبناء المغرب أوفياء لوطنهم وهذا راجع للأم المغربية التي يحتفى بها بعد كل انتصار

  9. يقول أشعلي المصباحَ ورَيْ عاتفًا حاجبيه:

    بورك الاخ الياس خوري على التقرير المفيد على اكثر من صعيد
    وبوركت الاخت الخنساء، أيضا، على الملاحظات الثاقبة والذكية – بارك الله

  10. يقول محمد شاذلي:

    هنيئا لمنتخب الساجدين، أحفاد يوسف إبن تاشفين.

اشترك في قائمتنا البريدية