لسنا ألمانيا!

أكثر من خبير دستوري فرنسي ينظر إلى دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة بوصفه سالبا لآليات التعبير الشعبي، لكونه يعزز سلطة الرئيس على حساب سلطة البرلمان، مقارنة مع آليات الجمهورية الرابعة، التي كانت مبنية كليا على علاقة تداول متواصل بين رئيس الوزراء والبرلمان، تفرضها طبيعة الدستور آنذاك. حينها، كنت تسمع أيضا لهجة الاستنكار من الجمعية العمومية، لكن حينها أيضاً، غالبا ما كنت تسمع خطابا وكلاما تحفظه الذاكرة ليتحول إلى عبارات يقرؤها طلابنا في كتب التاريخ، لشدة صقلها بلغة راقية رقيقة تنتمي إلى ما يسميه البلاغيون «فن العبارة».
لكن حينها أيضا، لم تكن تسمع صيحات ولا تعابير شتم ولا قدح مجانين من قبيل «قاتل» كما قيل في حق وزير العمل بذريعة أنه «بتمديد سن التقاعد بعامين يقتل الناس». لا أحد يدافع عن تمديد سن المغادرة، الذين يدافعون عن الإصلاح يخشون عجزنا عن تسديد المعاشات طارحين السؤال التالي: من سيدفع تكاليف تقاعدنا وتكاليف تقاعد من بعدنا؟ فيردون «نحن، أبناء جيلنا، وأبناء الجيل الجديد الذي يتظاهر في الشارع». هذا الجيل الذي لا يستحق اللوم في النهاية، لأن الحكومة أخفقت في توصيل الرسالة بوضوح.

أكثر من خبير دستوري فرنسي ينظر إلى دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة بوصفه سالبا لآليات التعبير الشعبي، لكونه يعزز سلطة الرئيس على حساب سلطة البرلمان

لم نسمع مثلا مقارنة بين سن المغادرة عندنا وسن المغادرة في غالب الدول الأوروبية، الذي يفوق الخامسة والستين، لم نسمع عن بلوغنا الحد الأقصى في سقف المساهمات الاجتماعية، لم نتحدث عن غياب استراتيجية لمكافحة البطالة على المدى القصير تعفينا من تشغيل المسنين (وأغلبهم يرغبون في العمل). لكن صحيح أيضا أننا لم نتحدث عن طريقة تصميم مؤسسات الجمهورية الخامسة، التي يراها كثيرون عاجزة عن ترك متسع كاف للمداولات الاستشارية ولضبط المعادلة بين رأس المال والعمل. تلك المعادلة الحاسمة التي أحكمت دولة مثل ألمانيا ضبطها منذ زمن بعيد، من دون أن تضطر حتى إلى اعتماد حد أدنى للأجور رأى النور فقط مؤخراً، لكون اقتصاد البلد مرسخ في نهج صناعي يتيح رفع الأجور والتحفيز بالمكافآت، وهو النهج التشاركي ذاته بين أرباب المؤسسات والعمال، الذي كان قد دعا إليه الجنرال ديغول في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. لب المشكلة أن التوجهات الاقتصادية للجمهورية الفرنسية الخامسة، لم تتبع توجيهات مؤسسها.. فذلك التحالف السياسي العابر للأحزاب الذي خرج من عباءة المقاومة بعد الحرب، تحت اسم «الحركة الجمهورية الشعبية» حاول أن يثبّت مثل هذه الاختيارات السياسية لكن من دون جدوى. لم تتمكن فرنسا من إرساء النهج التحالفي العابر للأحزاب، حامل «أكثريات المشاريع»، دلالة على الأكثريات الحاكمة التي تتكون على أساس عناوين مصيرية لمستقبل الشعب ورفاهه. كانت هذه محاولة الرئيس الفرنسي، العمل يدا في يد بتحويل الأيديولوجيات السياسية إلى خلفيات متقاطعة للمضي بالمشاريع قدما، لكن العقل السياسي الفرنسي لم يتحرر من الثنائيات الاستقطابية، أبرزها طبعاً ثنائية يمين/ يسار، ما يجعلنا «غير ألمانيين» في الجوهر، أي غير قادرين على تجاوز التحالفات المنحازة والحسابات المصلحية. أجل، لسنا ألمانيين فلم نعرف كيف نكيف دستور الجمهورية الفرنسية الرابعة في صورة آلية تحول معضلة التشرذم الحزبوي إلى نقطة قوة، كأن يصبح الحكم بالتحالفات عادة وديدنا، لا يغلّب المنطق الحزبي على المصلحة العامة، فجاءت الجمهورية الخامسة ومعها اعتقاد مؤسسها الجنرال ديغول ومساعده الدستوري البارز ميشيل دوبريه، أن ضبطاً رئاسياً سيحدد للسفينة مسارا، سواء أشتهت السفينة أم لا.. لكن جرت الرياح وما زالت ولم تهدأ، وبالكاد تفادت السفينة «مخر عباب البحر» حسب العبارة الشهيرة لنجيب محفوظ، التي استصعبت ترجمتها من رواية «اللص والكلاب» في مباراة المدرسة العليا قبل خمسة وعشرين عاما…
لسنا ألمانيا فتركنا الهيكل النقابي يبدد طاقته التفاوضية لصالح تلك العبارات المبهمة الفضفاضة الآتية من كل حدب وصوب، التي لا تبرر ولا تبرهن، إلا على رمي صناديق القمامة في العاصمة باريس، والتي أزالت من الاحتجاجات المشروعة كل نبل وأناقة، هل نتصور مشهدا مشابها في شوارع برلين؟ من سيكون مستعدا من الآن فصاعدا لـ»تخليص الإبريز في تلخيص باريز»؟ لسنا ألمانيا، وبالتأكيد لا أدعو إلى تحوير الطباع الفرنسية ولا تقاليدها، لكنني لا أرى طباعا فرنسية ولا تقاليد في نهج لم يعد في مستوى الطموح لأنه فقد الثلاثية اللازمة: الدقة، الفعالية واللياقة.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الشهيبات مولاي يوسف:

    التحية.
    ممتع مقنع و يعبر عن قضية تلك اقانيم المقالة الناجحة.

اشترك في قائمتنا البريدية