نحو67 شهيدا ومئات الجرحى سقطوا منذ مطلع2023 من بينهم نساء وأطفال ومسنون،11 شهيدا منهم سقطوا في مجزرة واحدة وقعت بعد يوم واحد، من الاتفاق الذي أبرمته قيادات في السلطة مع واشنطن، يقضي بأن تسحب السلطة مشروع قرار بذلت جهودا كبيرة لاستصداره من مجلس الأمن، يدين إسرائيل والاستيطان ويطالب بوقف فوري وكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مقابل اعتماد بيان رئاسي لا قيمة له، بديل عن التصويت يتلى ويعتمد في الجلسة، ويكون له رقم كوثيقة رسمية للمجلس. جاء هذا التحول بعد أن كثفت الولايات المتحدة ضغوطها على السلطة، كي لا تضطر إلى استخدام الفيتو بعدما أدركت حرجها من استخدامه ضد مشروع قرار يؤكد القضايا ذاتها التي تنادي بها حتى في بياناتها العلنية، وهي الالتزام بحلّ الدولتين، ومعارضة الإجراءات الأحادية بما فيها الاستيطان، وهدم وإخلاء المنازل، ومعارضة تغيير الوضع القائم في الأماكن المقدسة في القدس، وأيضاً الدعوة إلى التهدئة. ولم تمضِ على هذا التطور الأخير ساعات، حتى وقعت المجزرة في نابلس، كما سارعت حكومة الاحتلال اليمينية للإعلان عن مخطط استيطاني ضخم جديد، من شأنه أن يغير وجه مدينة القدس المحتلة، ويؤثر في مستقبلها وفي مصير المقدسيين أنفسهم، عبر إنشاء مشاريع استيطانية في شمال المدينة وجنوبها، لترسيخ عزلها عن عمقها في الضفة الغربية المحتلة. وجاء لقاء العقبة الأسبوع الماضي ليس لبحث قضايا سياسية كما كان يطمح الفلسطينيون، بل لتثبيت ما كان قد اتفق عليه في نيويورك. وفشل وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن مجددا في مهمته التي تدور حول تجديد التنسيق الأمني، وتحقيق الهدوء في الأراضي الفلسطينية قبل حلول شهر رمضان، الذي يتوقعون أن تنفجر الأوضاع فيه، جراء اعتداءات المستوطنين بقيادة إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، وسيموتريتش وزير المالية الفاشي المتطرف، اللذين يهددان بقتل الفلسطينيين وترحيلهم وإعدام الأسرى، إلى آخره. ووصل الأمر بسيموتريتش إلى الدعوة لحرق حوارة وإزالتها من الوجود. ولا تزال سلطات الاحتلال تواصل نشاطاتها الاستيطانية، بعد عملية التضليل الثانية، على الرغم من تعهدها، وفق بيان «لقاء العقبة» الخماسي، تجميد الاستيطان لمدة ستة أشهر، وبعد أن كانت قد قطعت الوعود ذاتها للإدارة الأمريكية، قبل أكثر من أسبوع، للتهرب من قرار إدانة في مجلس الأمن.
كما أعلن نتنياهو أنه لن يكون هناك وقف للاستيطان، على الرغم من الاتفاق في العقبة.
الإسرائيليون يزحفون على أقل من مهلهم، لكن بخطى ثابتة لتحقيق أهدافهم، فليس لديهم ما يخسرون فهم الذين يحتلون الأرض، أما نحن فنتخبط في قراراتنا وسياساتنا
وجاء حريق حوارة بعد مقتل اثنين من المستوطنين، ولولا لطف الله لوقعت محرقة حقيقية، وقد خلّفت هذه المحرقة خرابا وجرحى وقتلى، ما دفع السفير الأمريكي لدى السلطة هادي عمرو، خلال زيارته للموقع لإدانة ما حدث، ودعوته لتعويض المتضررين، ورغم ذلك هددت الولايات المتحدة باستخدام الفيتو، ضد أي قرار فلسطيني يدين المحرقة، باختصار لم تتوقف الاعتداءات الاستيطانية والاحتلالية على الفلسطينيين وعلى المسجد الأقصى، والاقتحامات اليومية له، كما لم تتوقف عمليات الاستيلاء على الأرض ولا الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين.
الفلسطينيون ليسوا بحاجة لمزيد من «العقبات» أو لقاءات «شرم الشيخ» الذي اتفق على أن يستضيف لقاء شبيها للغرض نفسه، وهو باختصار لمنع الانفجار في شهر رمضان، وهم عمليا يضغطون على السلطة وعلى الفلسطينيين لضبط النفس مهما كانت استفزازات المستوطنين، الذي يهددون بغزو الأقصى بمناسبة أحد أعيادهم، وإن كان الثمن الصدام الفلسطيني ـ الفلسطيني. الفلسطينيون يا سادة ليسوا بحاجة لمزيد من هذه اللقاءات التي تتبادل فيها القبل وتشرب فيها الأنخاب على حساب دماء الضحايا والشهداء، وتنتهي بقتل المزيد من الفلسطينيين وحرق ممتلكاتهم. وعلى ما يبدو فإن غياب ردود الأفعال العنفية الفلسطينية على عنفهم وجرائمهم، تشجع المستوطنين على ارتكاب المزيد من الاعتداءات والجرائم والتطاول على الفلسطينيين وأملاكهم. القضية الفلسطينية يا سادة ليست بحاجة لمؤتمرات جديدة ولا لمزيد من اللقاءات، إنها بحاجة للقرارات الحاسمة والتنفيذ، فلا تضيعوا أوقاتكم وجهودكم. الرواية الفلسطينية وعدالتها وبعد كل هذه السنوات والعقود، التي قضيت في مؤتمرات واجتماعات وندوات لمناقشتها، ليست بحاجة للإثبات لا للإسرائيليين ولا للأمريكيين ولا للأوروبيين وغيرهم، فهم المسببون لها ويعرفون تفاصيلها ويحفظونها عن ظهر قلب، مليارات الساعات قضيت في الحديث عن فلسطين وقضيتها، ويفترض أن نكون الآن في انتظار القرارات وتنفيذ هذه القرارات على أرض الواقع، وحصول الفلسطينيين على ما يريدون، دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وهذا ليس بكثير بعد كل التنازلات التي قدموها.. وللتذكير فقط هناك اتفاق أوسلو عام 1993 ومن قبله مؤتمر مدريد عام1991 وبدلا من أن نكون نحن الرافضين للجلوس إلى طاولة مفاوضات في هذا المؤتمر بحضور إسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت، هو الذي اعترض على مشاركة وفد مستقل لمنظمة التحرير. وفي اتفاق أوسلو تنازلنا للإسرائيليين عن 78% من الأرض وأعطيناهم كل ما يريدون من اعترافات مقابل الاعتراف بمنظمة التحرير، ممثلا وحيدا للفلسطينيين وانسحابات من غزة.
وكرّت مسبحة المؤتمرات في وايبلانتيشن، وواي ريفر، وكامب ديفيد/2000 وطابا والقاهرة وواشنطن وغيرها، من دون فائدة تذكر. وبقيت الدعوات للقاءات أخرى، من دون تحريك القضية الفلسطينية. واختزلت هذه اللقاءات إلى لقاءات لوقف العنف وكبح جماح «الإرهاب الفلسطيني» كما يسمونه وتعزيز التنسيق الأمني، رغم استمرار أعمال القتل والحصار ضد الفلسطينيين، والاستيلاء على مزيد من الأرض وضم الضفة الغربية. وأصبحت حكومة الاحتلال ترفض اللقاء مع قادة السلطة الفلسطينية، واقتصرت اللقاءات، إن وجدت لتعزيز التنسيق الأمني ومنع «الإرهاب»، حسبما يدعي الإسرائيليون.
في اختصار أن القضية الفلسطينية ليست في حاجة لقمم ومؤتمرات جديدة، سواء كانت إقليمية أو دولية لا في العقبة ولا في شرم الشيخ ولا واشنطن ولا في أي مكان في العالم. فهذه المؤتمرات ما هي إلا ملهاة أمريكية وإسرائيلية، ومن يقف معهما حتى الانتهاء من بلع مزيد من الأرض الفلسطينية، وبذا لا يبقى شيء للتفاوض حوله.
ليست إسرائيل الدولة الوحيدة التي يجب إدانتها، بل الولايات المتحدة التي تمارس نفوذها، حيث استطاعت منع أي إدانات في المنابر الدولية، وآخرها نقاشات مجلس الأمن الدولي، ومحاولات اتخاذ قرار لتجد هذه المحاولات الفيتو الأمريكي في المرصاد، كما حصل يوم الأربعاء الماضي عندما هددت المندوبة الأمريكية باستخدام الفيتو، إذا ما أصر بقية الأعضاء على مشروع قرار يدين استمرار الاعتداءات الإرهابية التي ينفذها المستوطنون المتطرفون، وجاء الرفض الأمريكي، رغم تحذيرات دولة فلسطين من «كارثة» مقبلة في حال عدم تدخل المجتمع الدولي لـ»وقف إجرام وإرهاب الاحتلال». القضية الفلسطينية ليست محطة تجارب، كفاكم استهتارا بهذا الشعب ودماء وأرواح أبنائه وشبابه، الشعب الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من «العقبة» وغيرها إنه يحتاج إلى إعادة النظر في كل سياساتنا، بما في ذلك سيات المعارضة وأساليب التعامل مع بعض. إننا بحاجة إلى إعادة تنظيم الصفوف والسياسات والأهداف ولملمة الأوضاع ورفض كل المماطلات والأكاذيب الأمريكية، ولا تستمعوا لهذه الأكاذيب فبغير إعادة النظر في مجمل سياساتنا وتعاملاتنا لن يتحقق شيء،
سمعنا كلام أنطوني بلينكن مقابل وعود لم تف الإدارة الأمريكية بأي منها، وأقول جميع الإدارات الأمريكية السابقة والحاضرة، وبالإمكان القول الإدارات المستقبلية فبعد كل هذه السنين والكذب يتوقع بعضنا أن تطل علينا الإدارات الأمريكية اللاحقة بحلول سحرية.. هذا لا ولن يحصل على الإطلاق.
وأخيرا إن الإسرائيليين بهذه اللقاءات يخدروننا بينما هم يزحفون على أقل من مهلهم، لكن بخطى ثابتة لتحقيق أهدافهم، فليس لديهم ما يخسرون فهم الذين يحتلون الأرض وهم القابعون في الأقصى وهم الذين يفرضون سياساتهم وهم الذين لديهم صورة واضحة عما يريدون، أما نحن فالغشاوة تعمي عيوننا ونتخبط في قراراتنا وسياساتنا.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
مع تقديري لكتاباتك الممزوجة بالحرص والوطنيّة العالية{ وحرقة الأعصاب }.السلطة الفلسطينيّة من أسباب ( الفشل ) الفلسطينيّ المتواتر.