يشكّل عنوان ديوان «لكي لا تصبح المتنبي أو صدام» للشاعر العراقي عامر الطيب، عتبة تستدرج القارئ منذ اللحظة الأولى إلى نوع من التوتر بين الشعر والسلطة، المجد الشخصي والانهيار المأساوي، اللغة كمعبر للخلود، والسلطة كأداة تدمير.
العنوان يقدّم شخصيتين شهيرتين على سبيل الاستحضار التاريخي، محفور حضورهما الفذ داخل الوعي العربي، كواقع من الصعب تغييره، أو المرور عليه مرور الكرام. إن صيغة النفي الضمني، تكشف، منذ البدء، عن لمحة تحذيرية؛ فالديوان لا يدعو إلى التشابه، أو التماثل، ولكنه ينصح بتجنّب مصيرين يبدوان مختلفين ظاهريا، لكنهما يلتقيان في جوهر واحد: تضخم الذات، والأنا بالغة النرجسية.
نذكر المتنبي كنموذج للعبقرية الشعرية التي تحولت إلى مشروع شخصي، صانعا أسطورته الخاصة، بينما يظهر صدام تجسيدا للسلطة التي أوجدت صورة القائد الأكثر شهرة في تاريخ العراق الحديث. ومن ثم، فإن الجمع بين الاسمين داخل عنوان واحد ليس مصادفة، ربما كان يقوم على المفارقة: شاعر يبحث عن العظمة مستعينا بالكلمة، وحاكم يبحث عن الخلود مستندا إلى القوة. لكن كليهما، في نهاية المطاف، ينتهي أسير صورته المتضخمة، ليكتسب العنوان بعده الآخر، فهو لا يربط بين شخصيتين متكاملتين، لكنه يضعنا أمام احتمالين متوازيين للهلاك.
فالمتنبي هنا ليس مجرد شاعر، لكنه يتحول إلى مثال على تضخم الأنا، وصدام لا يعود مجرد رئيس عادي، ولكنه يشير إلى الاستبداد وجبروته. نحن إذن أمام قوتين تسيطران على عقلية الشاعر: قوة الكلمة/ قوة السلطة، حيث تحيل قصائد هذا الديوان إليهما، تارة يفتتح مجموعة قصائد بفقرة سردية عن صدام، وأخرى عن المتنبي، وأحيانا يفضل الجمع بينهما، واضعا اسما شعريا أيقونيا إلى جانب اسم سياسي مثير للجدل، ليدفعنا إلى البحث عن الرابط الخفي بينهما، حيث يتحولان إلى خلفية رمزية، ليقرأ عبرها مأزقه كإنسان عربي معاصر، محاورا نموذجين بلغا ذروة الحضور الطاغي، ثم انتهيا إلى عزلة تراجيدية، وكأن العنوان بأكمله مضاد لفكرة البطل، ودعوة إلى إنقاذ المرء من وهم العظمة قبل السقوط.
فها هو يقدم العمل بفقرة سردية تحت عنوان «توضيح عبثي» مخاطبا ذاته:
«هذه القصائد لتدريب نفسك على أن تبدو شاعرا أقل مما ترى وأكثر نبلا مما تستند عليه، أنت في مأزق مضحك بين أن تستمر شاعرا صغيرا، وديعا تعزى إليه حساسية عالية حد عدم القدرة على سحق حشرة أو تمسي شاعرا عملاقا يستخدم موت الحشرات للاستعارة فحسب. شاعر ضخم مثل مجرة لن يتردد في إنهاء حيوات أخرى بقدميه من أجل بلاغة زائفة أو هواية شيطانية عنيفة، المرء أحيانا يجد نفسه كما لو أنه يكافح لكي لا يصبح المتنبي أو صدام.
ابقَ شاعرا صغيرا ومنطفئا، لأن الفراشات سيسعدها اللعب حولك إلى الأبد».
إنه يعي عدم جدوى التفسير، ولا رغبة لديه في الوصول إلى معنى مستقر، بادئا بالشك، لا اليقين، من خلال ذات تحاور نفسها، في محاولة لإضفاء بعد جمالي، حتى لو تحولت القصائد إلى تمارين مستمرة من أجل تكوين هوية شعرية معينة، يتداخل فيها السردي مع الشعري كي لا يصير الشعري معزولا في غنائيته، معيدا تأويل نفسه، وكي يصبح الشاعر مستجيبا للبقاء على هامش العالم، وهو يواصل تأملاته.
يقول عامر الطيب:
«لا يقرأ الشعر الآن
سوى هؤلاء الذين خسروا
البحر والذئاب،
الذين أتيح لهم أن يكونوا
قتلة أو لصوصا
ولم يفعلوا،
الذين استراحوا على ورق الأشجار
وأمهلوا الكويكبات الوقت الكافي لتتلاشى،
الذين ارتحلوا
لكن أثرهم ظل مرعبا،
الذين ولدوا طيبين
وآن لرحلتهم أن تلمَّ حطامها».
يبدو من المقطع أن الشعر يقدم كخلاص ضروري ومحفز للوعي، منتقلا من الجماعي إلى الفردي، إلى الناجين أخلاقيا، غير المنتصرين في العالم الواقعي، وكأنه لم يعد يُقرأ سوى من قبل المنكسرين، المتصالحين مع هشاشتهم، هؤلاء الذين خسروا العالم، لكنهم احتفظوا بإنسانيتهم، بعيدا عن المناخ الذي يؤسس للعزلة في زمن فقد علاقته بالكلمة، وأصبح وجود الأنقياء نادرا، لأنه يكشف قبح الآخرين وعالمهم الملوث.
لا يستسلم الشاعر تماما للعدم، إنه يفتح بابا صغيرا للأمل، حتى يحتفظ للشعر بأصالته، مقتربا من الأفق الإنساني، بمنح الكلمة بعدا أخلاقيا، حيال عالم يكافئ العنف دون أن يشعر بالندم. بينما في قصائد أخرى يذهب إلى عالم آخر، يبدو فيه كحبيب مفتقد:
«بلدي هو ذلك البلد الذي تزورينه
ولا تجدينني هناك
بصيغ عديدة،
لا أنا بائع الزهور ولا محصل الضرائب
ولا عازف الكمان المتجول.
أنا لست واحدا منهم
أنا في عينيك حين تغمضيهما..
السماء تبرق
افتحيهما الآن
لقد وجدت الملجأ الأكيد
أغمضيهما ثانية
لاستحالة أن يدوم البرق برقا إلى الأبد».
الاغتراب والحب والهوية، ثلاثية يتعاطى معها، حيث يتحول إلى كائن يتعذر العثور عليه، غير مستقر في وطن، أو عمل محدد، منفصل عن أي دور اجتماعي، ولا حضور مادي دائم، يحدد له من يكون، نافيا انتماءه إلى نموذج معين، رافضا الهوية الجاهزة، ولا يجد تعريفا نهائيا لها. كأنه يعيش كينونة مؤجلة، توجد فقط كخيال في ذاكرة الحبيبة، ولا تمتلك وجودها الكامل أبدا، كأنها أثر عابر، غير مقيم، منطلقا من شعرية مضادة للفخامة، لا تسعى إلى الإبهار، تتجنب النبرة الخطابية، وهي تعمل على صور مفعمة بنبرة عاطفية خافتة.
بعيدا عن المناطق الملتبسة للكتابة، تلك التي يحاول الشاعر النجاة من غواية الوقوع فيها، لأنها قد تنقذه، أو ربما تفسد عمله، لذلك نجده لا يتعامل مع عالمه الخارجي فقط، إذ يتحول، في كثير من القصائد، إلى اختبار عالمه الداخلي، دون مواجهته، عبر تقهقر تأملي، لا يحاول تغيير الواقع، بقدر ما يسعى إلى الهروب من قسوته:
«إذا كنت تقرأ كتابا
فمن الجيد أن تنهيه الآن
بما أن القذائف ستدك سقف الحجرة
الجنود سيرشقون النوافذ بالرصاص
المصورون سيوثقون الغبار متطايرا
في ملاحقة الغيم
الأطباء لديهم ما يكفي من الوقت لتحليل بقع الدم على الحجر
الأثريون لاحقا
سينقبون لمعرفة ما إذا كنت تقرأ الكتاب فحسب أو تصنع له الهوامش..
إذا كان الكتاب تاريخيا
فلم تستعجل بمطالعته؟ التاريخ هو ما أنت بصدد النجاة منه الآن».
يحاول النص أن يكون مديحا للثقافة، حيث يتحول الإنسان من قارئ للتاريخ إلى مادة داخله. فنحن لا نطالع نصا عن الحرب، ولكننا نستشعر علاقة المعرفة بالنجاة، وكأننا بصدد شكل دفاعي من أشكال المقاومة ضد المحو والفناء. الكتاب يتحول من شيء بسيط، إلى كيان يختزن الثقافة والذاكرة والتاريخ الإنساني، ويعمل على عدم انهيار المعنى أمام أدوات الدمار، فهو ما زال أحد أهم الوسائل لفهم ما يدور حولنا. فالأثر الثقافي، رغم كل شيء، أقوى دائما من الوجود المادي، حتى لو كانت القراءة تحت القصف، وتحت ضغط الموت. في هذا الدفاع الأخير يبدو الإنسان كائنا يقرأ، ويكتب هوامش، ويصر على اصطياد المعنى من بين الحطام، حتى الهوامش هنا لا تبدو تفصيلا عاديا، لكنها تمثل أنفاس القارئ، وحضوره داخل الكتاب، كمستهلك للمعرفة، ومحاور لها، أو مشارك خفي في إنتاجها.
يحاول عامر الطيب ألا يكتب من موقع الضحية، محاولا إظهار إنسانيته، كمواطن وجد نفسه يعيش داخل بلد كثيف الثقافة، كثيف الحروب، يعج بالطغاة. مواطن يثبت قدميه في التاريخ، مفتشا عن الأسماء التي لا تنسى، عن أصحاب البطولات الكبرى، الخاسرة في النهاية، لكنها ضمنت لأبطالها الخلود:
«كم من قصيدة دعوتها
لتكون الأخيرة وبعد أن قبلت
بالعرض أتبعتها بقصائد أخرى
كما لو أنك شاهد إلى الأبد
على شفاه مطبقة
وأعين معصوبة
وأكف لم يعد يسمح لها بتصفح شيء كوني.
كما لو أنك مندفع نحو الكتابة
بقدر ما يندفع الرقيقون نحو إنعاش صباح مسلوب.
هنا على قبرك سيضعون الشاهدة
الأكثر تعبيرا:
لقد اجتاز الطرق الوعرة
وتعثر بظلال الأنهار».
ثمة شعور بأن هذه القصيدة لا تعني الشعر فقط، ولكنها عن المحاولات المتكررة للقول، على الرغم من استحالة بلوغ الكمال، وكأن الاستمرار قدر، والكتابة مقاومة، لا ترف، حركة نجاة، ضد الفقد والعمى والصمت. حتى وهي تخلق إحساسا باللايقين، وعدم تقرير أي شيء.
فالحقيقة يتم الاقتراب منها بحذر، من خلال صيغة مثل: «كما لو أنك»، وكأن القصيدة نتاج تجارب أليمة، تجعلها تهرب من المباشرة، وتترك للقارئ الوصول إلى مقاصدها، وربما لاحظ التخبط الإدراكي: الشفاه المطبقة التي تعجز عن القول، والأعين المعصوبة الغائبة عن الرؤيا، المحرومة من تصفح أي شيء. كل ما يشير إلى انقطاع المرء عن العالم، وصعوبة إدراك معناه، من خلال هذا الانفصال الوجودي. لتأتي الجملة المحورية في النص، تلك الكلمات التي يختتم بها الشاعر قصيدته بنبرة جنائزية، عن شاهدة القبر التي عليها حكمته: لقد اجتاز الطرق الوعرة، وتعثر بظلال الأنهار.
إنها خاتمة تقوم على سخرية سوداء، فلا سيرة ناجزة هنا تستدعي المجد، لكنها محض حياة قامت على الشقاء، وعلى ظلال الأشياء، التي تعثر دائما وهو يحاول الوصول إليها، كما في معظم قصائد الديوان التي تعبر عن هذا الشاعر الذي لا يبحث عن البطولة، أو لغة فخمة ترفع صاحبها فوق البشر، مدركا أن النجاة في الوقوف على حافة التاريخ، شاهدا لا مؤثرا.
عامر الطيب:
«لكي لا تصبح المتنبي أو صدام»
مؤسسة ساري للثقافة والفنون،
القاهرة 2026
163 صفحة.