لماذا استمر الخوف من الحراك في الجزائر؟

حجم الخط
32

ما زال الخوف سيد الموقف من الحراك الشعبي عندما يتعلق الأمر بموقف النظام السياسي الجزائري ومؤسساته السياسية، الأمنية والإعلامية، رغم مرور خمس سنوات على ذلك الحراك، كما تبينه الاعتقالات التي تطال بعض الوجوه المرتبطة بهذه الهبة السياسية الجماعية السلمية التي انطلق فيها الجزائريون بداية من 22 فبراير/شباط 2019، دون أن تحقق ما كانت تصبو اليه لأسباب عديدة لا تتعلق فقط بالمعطيات السياسية المرتبطة بلحظة الحراك نفسه، كضعف التنظيم الذي ميزه وعدم قدرته على إنتاج من يمثله سياسيا ويتحدث باسمه، بقدر ما تتعلق بمسارات تاريخية طويلة المدى، تميز المجتمع الجزائري وتاريخه السوسيو – سياسي والثقافي.
خوف من الحراك لم يتعاف منه النظام السياسي بكل مؤسساته التي سبب له هزات كثيرة ومتتالية مسته في العمق وخلطت أوراقه. حراك جعل النظام يعيش حالة اضطراب لم يخرج منها حتى الساعة، تظهر بأكثر من شكل في الداخل والخارج، كما هو سائد في سلسلة التعيينات التي يقوم بها النظام على رأس مؤسسات سيادية اقتصادية وسياسية وأمنية سرعان ما يعيد فيها النظر، بعد وقت قصير، بعد أن يتبين خطأها. تزيد كل مرة في منسوب حالة الاضطراب للنظام ككل، في وقت انتقل فيه اضطراب أداء هذه المؤسسات من القضايا الداخلية التي تعوّد عليها الجزائريون الى البعد الدولي كما تبينه حالة علاقات الجزائر مع محيطها الإقليمي المباشر، كما ظهرت في المدة الأخيرة مع دول الساحل على سبيل المثال بكم العزلة التي يمكن أن يتعرض لها البلد دوليا من قبل قوى إقليمية منافسة وحتى صديقة ومتفهمة لم تعد قادرة دائما على استيعاب عدم قدرة الجزائر على التكيف مع المتغيرات الدولية المتسارعة. وبكم الإخفاقات المرتبط بها المسجلة على الساحة الدولية التي ستزيد حتما من الضغوط على المؤسسة المركزية الأمنية والعسكرية في بلد – قارة تعرف كل حدوده تقريبا حالة اضطراب لم تكن مألوفة، ومتعود عليها في السابق عندما كانت الدبلوماسية الجزائرية حاضرة وفعالة في محيطها المباشر وخارجه.

الحراك الجزائري أفشل العهدة الخامسة التي طالب بها بوتفليقة وفرض على النظام التضحية بوجوهه الأكثر فسادا دون أن يتخلص من ظاهرة الفساد نفسها

الحراك الذي كان قد أفشل العهدة الخامسة التي طالب بها بوتفليقة وفرض على النظام التضحية بوجوهه الأكثر فسادا دون أن يتخلص من ظاهرة الفساد نفسها التي استمرت كممارسات فردية وجماعية بأشكال مختلفة، كما بينته محاكمة وزراء تم تعيينهم خلال فترة ما بعد الحراك نتيجة الاستمرارية التي ميزت شروط انتاج هذه الظاهرة على أكثر من صعيد سياسي اقتصادي واجتماعي، داخل مؤسسات النظام نفسه الذي ما زال يتعثر في بناء اقتصاد متنوع، خارج منطق الريع والاعتماد المفرط على المحروقات. وهو يصر على رفض القبول بمطالب الحراك الأساسية، رغم الإجماع الكبير عليها بين الجزائريين، كمطالب مهمة في طريق إصلاح النظام السياسي الذي يمكن أن يهدد أسس الدولة الوطنية ذاتها، إذا استمر التعنت في رفضها، كما هو حاصل لحد الآن، كتلك المتعلقة بفتح المجالين السياسي والإعلامي واحترام استقلالية العدالة التي كانت على رأس المطالب التي عبر عنها الحراك بأشكال مختلفة، كانت كفيلة بإنتاج مؤسسات سياسية شرعية تكون مجالا للتنافس السياسي بين المواطنين بواسطة انتخابات تتمتع بالحد المعقول من الشفافية والتنافس الفعلي عكس ما حصل حتى الآن.
جعل الجزائريون يتوجهون الى مقاطعتها، كما بينته آخر انتخابات نظمت بعد الحراك. حالة تكاد أن تتكرر هذه السنة التي يفترض أن تعرف تنظيم انتخابات رئاسية في شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل، ويتم التفكير في ترحيلها الى الصيف لتكييفها مع رزنامة الانتخابات المألوفة خارج شهر ديسمبر الذي عادة ما يكون شهر اضطرابات مناخية في المناطق الشمالية ذات الكثافة الديموغرافية الكبيرة.
انتخابات مقبلة لا يعول عليها الجزائريون، لتكون نقطة قطيعة مع المنطق السياسي المغلق الذي ساد، بعد توقف الحراك، لدرجة أن التحدي الكبير الذي سيجده النظام السياسي أمامه، سيتعلق، كما كان الأمر سائدا في جل المراحل السياسية التي عاشها النظام السياسي الوطني بعد الاستقلال، في إيجاد مرشحين يتقدمون لهذه الانتخابات لمواجهة الرئيس عبد المجيد تبون الذي سيطالب بعهدة ثانية ضرورية له كشخص وكمجموعة حاكمة، لا تملك إلا خيار الاستمرارية في الحكم لعهدة ثانية – على الأقل – كما ساد لدى هذا النظام الخائف دوما من التغيير ما يجعله يمارس منطقا مبنيا على الجمود السياسي المنتج للاضطراب السياسي الذي ارتبط كل مرة بهذه الانتخابات المغلقة التي تعيد إنتاج أزمة النظام بدل مساعدته على الخروج منها، لم تفلح بكل أنواعها في تجديد نخبه المتمتعة بالحد الأدنى من المصداقية تسمح لها بتجنيد المواطنين لهذه الانتخابات التي تُظهر كل المؤشرات أنها ستعرف مشاركة شعبية ضعيفة لأنها ببساطة من دون رهانات سياسية في هذا الظرف المغلق سياسيا وإعلاميا الذي فشل النظام حتى الآن في تجديد نخبة السياسية بواسطتها. كان يمكن أن تساهم في منح شرعية لهذه الانتخابات وللمؤسسات التي تتولد عنها كما طالب الحراك بذلك ليكون دليل خوف آخر من هذا الحراك الذي عجز النظام السياسي عن نزع شعلته من قلوب الجزائريين، من الأجيال الصغيرة تحديدا التي مثّل الحراك تجربتها السياسية المركزية التي سترتبط بها الى وقت طويل.
إنه يغلق كل مجالات النقاش السياسي حتى عندما يتعلق الأمر بالنشاط الحزبي أو الجمعوي العادي في بلد على أبواب انتخابات لدرجة منع الجزائريين من التعبير العفوي عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض الى حرب إبادة في غزة.
وضع إعلامي وسياسي يقوم الجزائريون يوميا بمقارنته مع ما كانوا يعيشونه في أزمنة سياسية أخرى، لتكون نتيجة المقارنة دائما ليس في صالح فترة ما بعد الحراك هذه التي يعيشونها كحالة خوف استثنائية، لا يتصورن أنها ستستمر معهم لوقت طويل، بعد أن عادت للظهور بعض السلوكيات التي عاشها الجزائريون في أزمنة سياسية كانوا يظنون أنها اختفت من حياتهم كأن يتوقفون فجأة عن الحديث فيما بينهم في المقاهي عندما يقترب منهم النادل أو حين يجلس بالقرب منهم غريب، خوفا من التنصت عليهم، كما كان يحصل في أحلك فترات الأحادية التي ظنوا أنهم قد ابتعدوا عنها.
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول مراد - البليدة:

    الحراك من الماضي وقطار الجزائر إنطلق.

  2. يقول سعد المغربي:

    سيدي الكاتب، وجود النظام الجزائري العسكري رهين بعدم وجود أي حراك ،أي إصلاح جذري لمنظومة الحكم….

  3. يقول سعيد:

    مند 1962 ونحن نسمع أن القطار انطلق لكن لم يصل إلى وجهته بعد

    1. يقول سامي السويد:

      أصبت اخ سعيد لا فض فوك! الجزائر البلد الوحيد في العالم الذي ماضيه اجمل من مستقبله!!!

    2. يقول بولنوار قويدر الجزائر:

      السلام عليكم
      تحية طيبة وبعد
      نعم القطار انطلق ولكن أنتموأمثالكم حجرة عثر أمامه
      لا يهم القطار يسير وسيصل والحراك أصبح من الماضي
      ولله في خلقه شؤون
      وسبحان الله

  4. يقول المرابط:

    الحراك مستمر بشكل أعمق ومباشرة في الصميم، و هذه التغييرات التي تحدثت عنها جزء من حراك داخلي في النظام نفسه.

    1. يقول Djamel:

      لا حراك ولا هم يحزنون…الجزائر لا تخاف الا من الله سبحانه وتعالى.

  5. يقول هشام:

    الدولة الجزائرية محقة ولها بعد نظر بسبب اختطاف الحراك الأصيل المبارك من قبل أقليات ناشطة مدعومة من الخارج تنفذ احندات أجنبية للمساس بمؤسسات الدولة خاصة مؤسسة الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحريرالوطني كما أن الشعب الجزائري تفطن للمتاجرين بقضايا الأمة و صار يساند دولته داخل الوطن و خارجه

  6. يقول بلاريج المناضل:

    الخلل موجود في الأساس الذي بني عليه النظام السياسي وهو الإنقلاب العسكري. جاء بن بيلا نتيجة لانقلاب بومدين على الحكومة الشرعية وقادة التحرير الحقيقيين.وجاء بومدين نتيجة لانقلابه على إبن بيلا وجاء مجلس الحكم نتيجة لانقلاب نزار على الشاذلي. وجاء الواقع الحالي نتيجة لانقلاب قائد صالح على بوتفليقة في الوقت بدل الضائع.

    1. يقول جيرار فوري:

      الجزائريون ولدوا احرار و يموتون احرار و لا يقبلون عيشة الذل و العبودية

    2. يقول نورة مراكش:

      الخلل موجود في الصهاينة الذين يحملون جنسيات عربية و يقتلون أهلنا في فلسطين

  7. يقول تاوناتي-فرنسا:

    لا وجود لحراك شعبي عفوي. فكل حراك وراءه جهة في المنظومة العسكرية لأغراض معينة. و ما تسمونه حراكا كان بايعاز من تيار في الجيش تابع لنزار و توفيق. و لهذا انتهى بتصفية القايد صالح و عودة نفس التيار الذي همشه بوتفليقة إلى الحكم. اذا، حتى إذا جاء حراك آخر ستتغير فقط الأسماء و ستبقى نفس البدلة العسكرية الحاكم الفعلي للبلاد.

  8. يقول فرحي:

    ألشعب الجزائري اصبح واعي جدًا من الخونة الذين يعيشون في اوربا ويحرضون على الفوضى … عاش الشعب وعاشت الجزائر الجديدة وعلى رأسها الرئيس الوطني عبد المجيد تبون

  9. يقول صالح/ الجزائر:

    الخوف لم يكن وليس من “الحراك الشعبي” الأصلي المبارك ، الذي أسقط “العصابة” الفاسدة ، والحاكم باسم أخيه المقعد ، من على رأس السلطة . الخوف كل الخوف بدا يسيطر حتى على المواطنين عندما بدأت “بعض الوجوه المرتبطة” بالضفة الأخرى و ب”الثورات الملونة” تستغل الحراك لأهداف لا علاقة لها ب”الحراك الشعبي” الأصلي والمبارك . والدليل أن “الأقدام السوداء” المتطرفة ، التي تحن ل”الجزائر الفرنسية” كانت ومازالت تجيز وترخص ، ل”بعض الوجوه المرتبطة” بها ، بالتظاهر في ساحة “لا ريبوبليك” في باريس بأعلام غالبتها جهوية رغم أن الحراك وطني ، لترديد نفس الشعارات المناهضة للجزائر وتحت الحماية المشددة للشرطة ، بينما تمنع الجزائريين للتجمع ، في 18 فيفري 2024 ، في نفس المكان (ساحة الجمهورية) ، لإحياء ذكرى يوم الشهيد الوطني “بسبب خطر حدوث اضطرابات خطيرة على النظام العام” ، وكأنه يحق للسلطات الفرنسية ما لا يحق للسلطات الجزائرية . صحيح أن هناك تعيينات على رأس مؤسسات سيادية اقتصادية وسياسية وأمنية سرعان ما يُعاد فيها النظر، بعد وقت قصير، لأنه من الصعب القضاء ، في “وقت قصير”، على أخطبوط الفساد والإفساد ، الذي تسلل (سُلل) إلى كل المؤسسات العامة وحتى السيادية منها .

    1. يقول ملاحظ:

      فرنسا رفضت الترخيص لجميع المظاهرات التي رغب بعض الجزائريين تنظيمها يوم 18 فبراير، سواءا منهم المؤيدون أو المعارضون للنظام. الغريب أن الموالين للنظام يريدون تنظيم مظاهرات للاحتفال بيوم الشهيد في باريس بينما لا يمكن تنظيمها في الجزائر. و الأغرب من ذلك أن منظمي بعض المظاهرات الموالية للنظام في فرنسا سابقا كانوا يرددون هتافات معادية لحكام و شعب البلد المجاور… ماذا لو قام الآخرون بردود فعل مشابهة في الاتجاه المعاكس؟

    2. يقول نبيل:

      الخوف اصبح حتى من ملاعب كرة القدم او أي تجمع.الجنازة لا يمكن ان يمشي وراءها أكثر من 20 شخص

  10. يقول ليلي:

    الحراك هو القطيعة نفسها من خلال شعاره “يتنحاو قع” رفض لكل شيء وعجز صارخ في انتاج نخبة حقيقية قادرة ع احتواء الشعب، خلق اساتذة انتهازيون اداروا ظهورهم للحراك بمجرد حصولهم ع الاستاذية

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية