أعترف بأنني كنت ساذجا أكثر من مرة في السنوات الأخيرة. كنت ساذجا عندما آمنت بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 بأن الجزائر لن تعود إلى عقلية الحزب الواحد، بكل ممارساتها اللاأخلاقية، كما تجسدت في سلوكيات الأفراد والجماعات، في المجال السياسي على وجه الخصوص، على شكل تزلف ونفاق وكذب علني، تحولت مع الوقت إلى استراتيجية للترقية لدى الأفراد والجماعات، فكان أن عادت هذه السلوكيات بأبشع صورها باسم التعددية هذه المرة، وليس الحزب الواحد، كما نشاهده بالعين المجردة، بمناسبة بدايات الحملة الانتخابية لرئاسيات 2019 التي انطلقت عمليا.
كنت ساذجا عندما اقتنعت ذات يوم بأن حرية الصحافة التي حصل عليها الجزائريون، بثمن باهظ، لن تنتكس ولن تحصل لها ردة، كما هو حاصل هذه الأيام بأشكال مختلفة، سيئة للغاية، حوًلت المشهد الإعلامي إلى مهزلة حقيقية، تنعدم فيه أدنى شروط المهنية وأخلاق المهنة. بعد ظهور عشرات القنوات التلفزيونية ومئات اليوميات. قطاع تشبّه فيه الصحافي بعامل البناء، همه الوحيد الحصول على أجره في نهاية كل شهر، هو الذي كان يعتقد انه سيستطيع، عبر مهنته، الدفاع عن حقوق المواطنين ويحمي الوطن!
كنت ساذجا عندما اقتنعت مثل الكثير من الجزائريين بأن أخلاق الجزائري وعزة نفسه وشهامته، التي تغنينا بها كثيرا لن تسمح بانتشار الفساد والرشوة، كما هي منتشرة، بين القاصي والداني، في التقارير الدولية هذه السنوات. كنت أكثر من ساذج عندما اقتنعت بأن الضمانات التي منحها دستور 89 للجزائريين لن تسمح لنا بالعودة إلى الوراء، كما هو حاصل في الوقت الحالي الذي يمنع فيه الجزائري من التعبير الحر، وحق التظاهر، وحق الاجتماع، وحق تكوين جمعية وغيرها من أساسيات حقوق المواطنة، إلا بشق الأنفس، وبعد أن يُبتز وتفرغ كل العملية من محتواها الفعلي، بل وصلت بي السذاجة، ذات يوم إلى المشاركة، مع أصدقاء وزملاء، في تكوين فرع جزائري لمنظمة العفو الدولية (أمنيستي) بعد المصادقة على دستور 89 مباشرة. ليس للدفاع فقط عن الحريات وحقوق الجزائريين التي كنا نعتقد أنها مضمونة، في جو التفاؤل الذي عرفناه في تلك الفترة، بل لمساعدة الأشقاء في تونس للدفاع عن حقوقهم في بلدهم، هم الذين كانوا يمرون بفترة صعبة، بعد استئثار بن علي بالحكم وغلقه لنافذة ما بعد 1987.
تدهور أخلاق المؤسسات والأفراد لدى كل الأجيال، بمن فيهم الجيل المؤسس الذي لم يعد يُعول عليه كمنتح لقيم وسلوكيات أخلاقية إيجابية
تفاؤل بالحالة الجزائرية لم يصمد أمام الوقائع كثيرا بعد ذلك، بعد أن توجهت تونس نحو آفاق أرحب بعد 2011 لنتجه نحن نحو انغلاق أكبر في الجزائر. هو أقرب للركود القاتل بدل «الاستقرار» الذي يتغنى به الخطاب السياسي الرسمي والموالي. لا نعرف بالضبط كيف سيكون المخرج منه، رغم أن كل المؤشرات لا تبشر بخير. انغلاق سياسي، يطرح بحدة المسألة الأخلاقية في علاقاتها بالسياسي في البلد، كما يتجلى بمناسبة هذه الانتخابات الرئاسية التي طفت فيها للسطح مظاهر غاية في البشاعة لدى الأفراد والمؤسسات. وصلت إلى صور كاريكاتيرية لم أكن اتصور حدوثها في البلد على الإطلاق، فلم يعد كذب المسؤول السياسي وتجنيه العلني على الحقائق، يثير أدنى حرج لا لدى المتلقي ولا لدى المخاطب، في وقت وصل فيه الكثير من السفهاء إلى أعلى المناصب السياسية، عاثوا فسادا لسنوات على رأس أعلى مناصب اتخاذ القرار، ما سمح للمعتوه والأهبل والأمي، بالطمع في منصب رئاسة الجمهورية، كما بينت صور أكثر من 150 مرشحا لرئاسيات 2019. رئاسيات تتزاحم فيها الأحزاب والأفراد والجمعيات لترشيح المُقعد والعاجز عن الكلام، منذ سنوات، سيفوز بها بالتأكيد، بنسب عالية ويبقى على رأس الدولة لعهدة جديدة، بعد عشرين سنة من الحكم المطلق. فترة طويلة لم تقنعه بأنه قام بما يجب أن يقوم به، بسلبياته وإيجابياته وأنه حان وقت المغادرة لصالحه كشخص ولصالح البلد الذي تحول بهذا الترشيح إلى مسخرة في العالم. لنكون أمام حالة تشبث بالسلطة أقرب للحالة المرضية المزمنة، منها لوضع سياسي سوي.
صور بشعة لتدهور أخلاق المؤسسات والافراد لدى كل الأجيال، بمن فيهم الجيل المؤسس الذي حرر البلد وبنى الدولة الوطنية، والذي لم يعد يُعول عليه كمنتح لقيم وسلوكيات أخلاقية إيجابية، في عين الأجيال الشابة التي كفرت به وبقيمه المعلنة، بما فيها الوطنية، وما حام حولها من قيم قريبة، احتلت مكانة المركز بالنسبة للجزائريين. حالة تفسر جزءا كبيرا من ظاهرة التدهور الأخلاقي الذي يعيشه المجتمع الجزائري داخل الأسرة وبين افرادها، بما فيها «الحرقة» التي يعبر من خلالها الشباب وغير الشباب عن تذمرهم من هذا الوضع العام، ليقرروا ترك البلد والبحث عن طوق نجاة فردي في بلد آخر، بعد عجزهم عن التغيير في بلدهم، الذي عمّ فيه الفساد وزادت الدعوة إلى الحلول الفردية بين أفراده، وغابت القدوة.
قدوة، لم يجدها الجزائري داخل السياسة التي هجرها، ليتوجه نحو أشكال التدين الجديدة التي غزت الفضاء العام والأسرة، المسجد ومكان العمل. بطابعها المجسّد والشكلي وبحفنة النفاق العالية التي تميزها. رغم اتجاهه منذ سنوات للبحث عنها في الزاوية والطريقة والتمذهب الديني الجديد عليه، بل حتى في ديانات كالمسيحية، كانت بعيدة عنه لوقت قريب، بمذهبها البروتستانتي الحاضر بين الكبير والصغير، المرأة والرجل وفي مختلف مناطق البلاد وليس في منطقة القبائل، كما يروج لذلك البعض. نظام تسيير سياسي اعتمد كاستراتيجية على استغلال الريبة والشك والخوف السائد بين الجزائريين كثقافة سياسية – اجتماعية مرسخة، قام بتطويرها وإعادة إنتاجها الموسع، بهدف البقاء في الحكم. قيم كانت في الأصل من بقايا الحزب الواحد والنظام البوليسي الذي سلط على الجزائريين بعد الاستقلال. قيم نجحت في إنتاج شلل سياسي رهيب وعدم قدرة على الفعل الجماعي بين الجزائريين، الذين تخصص جزء كبير منهم في تقديم الولاء والتزلف للحكام، بل حثهم على الإمعان في الفساد، طمعا في منصب أو البقاء فيه، مقابل هبة ما، أو مجانا إن اقتضى الأمر ذلك، بعد أن تحولت هذه الممارسات المرضية إلى طبيعة ثانية لدى هؤلاء الرعايا، الذين يطمحون بكل الطرق إلى تحقيق «مواطنتهم» خارج بلدهم، بعد أن فشلوا في تحقيقها داخله!
كاتب جزائري
Thank you Mr Djabi
أين هي الأخلاق(السياسية الجزائرية) أولا…ثم مدد رجليك ما شئت..؟
مؤلم جدا ليس بالنسبة للجزائر والجزائريين فقط بل عدم التغيير في الجزائر سوف يكلف المنطقة كلها غاليا .
ارئ انه يجب علينا كجزائريين ان نرئ ما يراه الكاتب، وان نفكر بما يجول في خاطره، لكي نكون ديموقراطيين، ونرقئ الئ ما وصل اليه العرب في المشرق او الئ الديموقراطيات التي توجد في المملكات العربية، وربما نطبع مع الكيان الصهيوني ونصير علئ حال واحدة. يااخي انت تتكلم عن الجزائر والجزائريين ولم يبقئ لك الا ان تصفهم بالقطيع او بالمزطولين او بالخاضعين، يجب ان تعلم ان اكتوبر 1988هي صناعة جزائرية، وان ماتعرضت اليه الجزائر في سنين الدم والنار هي صناعة صهيونية غربية، وان الجزائر عرفت مواجهتها، واليوم الشعب الجزائري رغم الدائ والاعدائ، لو يرئ انحرافا في مسار دولته، سيقلب الطاولة عن المنحرفين، في كل البلدان الديموقراطية السلطة استشارة ودراسة قبل ان تكون منفردة، والجزائر تسير بهذه العقلية ولو كان العكس لقلتم انها ديكتاتورية.
الجزائر لها رجالها والشعب ليس بغبي لكي ينساق ورائ اين كان….
إلى إلى الأخ الكريم بومدين،
قرات تعليقك وفي نفس اللحظة تذكرت تلك الجملة الآي يرددها الكثيرون “أهل مكة ادرى بشعابها” وقلت في نفسي ربما هناك في الجزائر أشياء جزائرية محضة لا يعرفها الا من هو جزائري !! وفكرت مليا في الأمر لاستخلص منه ان هذه الفكرة لا أساس لها أمام الواقع . فما يعيشه الأخوة في الجزائر هي عدوى نعرفها لا نها موجودة في جل جمهوريات الموز العربية فهي حب البقاء في السلطة وبأي ثمن ، مرض حب الكراسي أصبحت ءالهة عصرنا يعبدها بعض الحكام إلى ءاخر رمق .. وتذكرت لافتة كتب عليها “ارحل يا شعب” فأنت لا تستأهل حكامك …
وفي الختام لكي لا اطيل عليك فأنت مع المطبلين للخامسة أم من المتمسكين في حق الشعب الجزائري ان يختار رئيسه بكل حرية ؟
مع سلامي ومتمنياتي لك بالصحة والنماء..
هم أي جزائر تتحدث؟؟ ام انك من المستفيدين من الريع..كل شيىء..هدم وابتلعته بالوعة الانانية و الديكتاتورية المتخبية خلف القناع…
#قل الحق..و لو كان عليك
«لماذا تدهورت الأخلاق السياسية
في الجزائر إلى هذا الحد»؟
الإجابة ببساطة:
تدهورت الصحة!!
هذا المقال يقترب الى أن يكون توصيفا لواقع ماثل لأزيد من عقدين ،غير انّه يشيح الستار عنه أكثر في فترة الرئاسيات .أنا تساءلت عن وجود هذه الأخلاقيات السياسية من عدمه أساسا حتى تتدهور .وهنا السؤال هل كانت أخلاق سياسية قبل إقرار ما يروج له بالتعددية ؟وهل كانت أخلاق سياسية لمّا تمّ اغتصاب السلطة بعد الاستقلال من العقيد الراحل بومدين؟الأزمة تتجاوز الرئاسيات لتطال الأسس التي بنيت عليها الجزائر بعد 1962 والثقافة السياسوية
التي كرّست مبدأ الغاية تبرر الوسيلة .
لوكانت الدول التي تعرضت للعدوان الامريكي،وعلئ راسها العراق، تتمتع بالقوة والسيادة لكانت قد استغلت هذا التصريح، او غيره من التصريحات التي صدرت عن مؤسسات رسمية امريكية او اوروبية، لاجل المطالبة بان ما تعرضت له تحت بند اسلحة الدمار الشامل وما تبعه من دمار للشعوب والاوطان، والستغلاله سياسيا،علئ مستوئ المنظمات الاممية والدولية، والمطالبة بالاعتراف بالجرائم، والتعويضات للشعوبهم….
الحمد لله انك أدركت اخيرا انك مخطئ..و ان هذا النظام توحش على الشعب و حوله الى مضغة…و المؤلم في الموضوع..ان هذه الحالة بدات منذ الثورة..و تصفية عبان رمضان..و قتل مصالي الحاج في نفوس الجزائريين..الذين يجهلون تاريخهم المزيف و الحقيقي….
وامعتصماه..
جواب السؤال واضح و أظن السيد جابي يعرفه مسبقا لكنه يتفادى التصريح به.
تردت الاخلاق السياسية أساسا بسبب غياب المثقف الواعي الذي يمارس عمليات النقد السياسي بشكل علمي وممنهج وبناء بعيدا عن التشهير والتمعش وحسابات الربح والخسارة وعمليات الانتقام المقنعة.
لا يمكن أن ننتظر من تلسلطة أن تقوم بإصلاح الوعي السياسي في الجزائر فهي من مصلحتها أن تبقى على حالة المعارضة غلمهرجة والضعيفة ولكن المثقف يممكن أن يصنع الوعي الحقيقي.
لكن للاسف فإن الكثير من المثقفين الجزائريين لبسوا عباءة السلطة ومن بقي منهم عجز عن ايجاد خط نقدي عقلاني وبناء بإمةانه أن يحدث مقاومة ‘تغييرا حقيقيا ااوتقع السيايي
الئ الاخ الكريم اغراس.
شكرا علئ اهتمامك بالوضع في الجزائر، وبكل تواضع، الجزائر هي الدولة الوحيدة في العرب والمسلمين التي خاضت مقاومة ضد الصليبية لمدة قاربت اكثر من قرن وثورة ضد الصليبية الصهيونية لمدة 8سنوات، وهذا الكفاح المرير المستمر، افضئ الئ ان الجزائري، مهما بلغت درجته في الدولة الجزائرية فهو خادم لدئ الشعب وليس اميرا عليه او مرسل من السمائ ليملكه كما تملك الملوك رقاب الشعوب وما تحت الارض وما فوقها، الكرسي في الجزائر هو جهنم، ولا متاع دنيا من خلاله، فالجزائريون بطبعهم متميزين، فهم لا يقبلون التدخل في شؤونهم ولا يؤمنون بما يصدره الغرب لهم وللعرب والمسلمين من مفاهيم يقال عنها انها قيم، فنحن لدينا قناعة انه اذا كان الغرب راضيا عنا فنحن بتاكيد في الطريق الخطأ، والرئيس الحالي هو في منصبه حسب ما ينصه التشريع الوطني، والشعب الجزائري جد واعي ويعرف رجاله، ويعرف ارانبه فعندما ياتي يوم الفصل فهو من تكون له الكلمة الاولئ والاخيرة واذن الباقي يبقئ تهريج في نظرنا ولا غير…
إلى الأخ بومدين ،
اعلم حفظكم الله أني حاولت ان اتفهم رأيكم في موضوع يخص بلدكم لأني اومن بالرأي والرأي الآخر ورغم استيعابي لرأيكم فالفهم لآ يعني الأنحياز إلى ما تقولون .
حينما أقول بان الكرسي عند اغلب الروساءًالعرب يبقى اهم من البرنامج الذي يقدمه كل مرشح الرءاسة .. أقول هذا لان التجربة علمتنا ان بعض الرؤساء يريدون ان يورثوا كراسيهم لابنائهم أو فرد من عائلاتهم والأمثلة في هذا المجال موجودة وليست فقط نظرية فكرية ..
بالله عليكم كيف يقبل العقل ان يترشح رجل متقدم في السن وفي وضعية صحية حرجة (شافاه الله) رغم انه قدم الكثير للجزائر ؟؟
شعب الجزائر العظيم لديه من الطاقات الواعية والمثقفة ومن الشباب من له قدرات هائلة لقيادة البلد في عصر له مشاكله التي لن تحل الا بالرجل المناسب في المكان المناسب ..
ان امن الجزائر هو امن كل جيرانها بل امن كل بلدان جنوب أروبا وشمال أفريقيا ..
معدرة عن هذا الرأي وللشعب الجزائري واسع النظر ..
تحياتي وسلامي ..
من طبيعة المدافعين عن الفشل …بخطاب أفشل منه…ان يعتمدوا أسلوب التعريض بالغير …لعل وعسى أن تتم التغطية والتمويه عن واقع يعرف بؤسه الكبير والصغير…؛ فهل هناك عاقل أو نزيه يمكنه الدفاع عن نظام صفى قادة تحرير بلاده….وافلس الاقتصاد…وقاد الشباب نحو الياس المطلق والهروب الانتحاري نحو الضفة الاسبانية…وبلادهم تسبح فوق النفط…وهل هناك من يتصف بالحد الأدنى من الإحساس بالضمير يرضى أن يدافع عن من قتل خيرة شباب بلاده بالآلاف. …؟؟؟ وهل هناك من يحس بأقل قدر ممكن من الخجل….وهو يسوق لواقع سياسي يتصدره رجل عاجز شكلا ومضمونا في افدح صورة من صور التدليس والنصب السياسي التي عرفتها البشرية. ..؟؟؟ وأعود إلى محور المقال وأقول بأن انتفاء الأخلاق المطلوبة في الممارسة السياسية راجع إلى كثرة المتزلفين والمطبلين الذين يعتقدون أن العالم لازال مثلما كان قبل قرون. …حيث لم يكن الخبر يصل إلى أقرب مكان إلا بعد أكثر من شهور…ولاحول ولا قوة إلا بالله.