في كتابه «لماذا هذه حالنا؟» يقول السياسي التونسي لطفي المرايحي القابع حاليا في السجن، كأغلب القيادات السياسية في البلاد، إنه «بعد فسحة بعشر سنوات عدنا إلى المربّع الأول، مربّع الخوف والبطش. ومرة أخرى يتصرّف المجتمع إزاءهما كما كان يفعل زمن بن علي بدسّ الرأس في الرمل وطلب المَدد من صاحب المَدد»، متسائلا «ما الذي يمنع الفرد المدرك والواعي من ردّ الفعل إزاء خطر يقدّر تماما خطورته عاجلا أم آجلا؟».
السؤال طرحه صاحبه قبل أكثر من عام لكنه اليوم بات اليوم حارقا للغاية يردّده الجميع تقريبا مؤكدين بأن الوضع في تونس لم يعد قابلا للاستمرار. بعضهم يشبّهه بالبناية الآيلة للسقوط والبعض الآخر بالسفينة التي تعدّدت ثقوبها، لكن لا أحد يتحرك للحيلولة عمليا دون وقوع المحظور.
الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي لم يتردد في الإشارة إلى أن «وراء الكارثة التي اسمها عهدة سعيد زبَدٌ مكوّنُ من بعض الجنرالات والأمنيين وأجهزة مخابرات الدول (الصديقة) و(الشقيقة) والإعلاميين الفاسدين وقضاة الزبالة، لكن العمق مسكون بالمسؤول الأول وهو شعب الرعايا». ومع أن المرزوقي شرح أكثر وجهة نظره هذه لتفنيد إمكانية تفسيرها على أنها عداء لشعب لم ينتخبه رئيسا من جديد، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية بحث دور الشعب ومسؤوليته في استمرار وضع ما كان له أن يستمر إلى هذه الدرجة. لقد أصبح واضحا اليوم أن هذا الشعب تحديدا هو من يعاني الأمريّن وليس الطبقة السياسية وحدها أو نشطاء المجتمع المدني وجمعياته، ومع ذلك فلم يظهر من مظاهر الغضب والاحتجاج ما يوازي ما يتعرّض له، كما أنه لم يجد من يمكن أن يؤطّر ذلك على نطاق واسع ضمن تحرّك سلمي منظّم.
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين لم تصل أبدا من قبل إلى ما وصلت إليه اليوم من سوء في عهد قيس سعيّد، من حيث نسبة التضخم والتداين وارتفاع نسب البطالة لا سيما في صفوف الشباب والارتفاع المجنون في أسعار الخضر والغلال واللحوم ما أثر بشكل واضح على مستوى الأمن الغذائي وجودته لدى أغلب شرائح المجتمع، وارتفاع الضرائب والرسوم المختلفة على أغلب الخدمات التي تزداد تدهورا، مع غياب لكثير من السلع الأساسية والأدوية بما فيها تلك المتعلقة بعديد الأمراض المزمنة. أما الوضع الأمني فأصبح مخيفا أيضا مع ارتفاع معدّلات الجرائم المختلفة فضلا عما أفرزه وجود آلاف من المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء من إشكالات مختلفة لم توفق أجهزة الدولة في التعامل معها بطريقة منهجية سليمة ووفق رؤية واضحة ما أجّج مشاعر عنصرية مقيتة تجلّت في بعض المواقف والفيديوهات المرعبة التي لم تتحرك النيابة العامة فورا لمحاسبة أصحابها، كما تفعل مع آراء المعارضين.
القمع لم يعد هو الآخر حكرا على النشطاء السياسيين، بل امتد الآن ليشمل أناسا عاديين في قضايا مختلفة المفروض لا تتطلّب هذا الاستعجال الدائم لرمي أي مواطن في السجن
القمع لم يعد هو الآخر حكرا على النشطاء السياسيين، بل امتد الآن ليشمل أناسا عاديين في قضايا مختلفة المفروض لا تتطلّب هذا الاستعجال الدائم لرمي أي مواطن في السجن عوض التروي وإعطاء الأبحاث والمحاكم فسحتها الضرورية في تقرير خطورة كل حالة. لقد وصل الأمر مثلا إلى سجن شاب من ذوي الإعاقة بسبب أغنية «راب» كان سجّلها قبل سنوات وهو في سن الطفولة، أو سجن عدد من التلامذة بسبب محاولة غش في الامتحانات الأخيرة!!
عدم تحرّك الشعب غضبا واحتجاجا على كل ما سبق فسّرها بعضهم بتعب الناس من السياسة والسياسيين، حكاما ومعارضين، في حالة من التسليم الكامل بما يجري والاعتقاد بعدم القدرة، أو الجدوى، من تغييره فضلا عن عدم تبلور بديل مقنع لهؤلاء، لكن تونس غالبا ما فاجأت تاريخيا الجميع بما لم يكن في الحسبان كما حصل في آخر عهدي بورقيبة وبن علي مع أن لا بديل واضحا وقتها أيضا، دون أن ننسى أهمية المعادلة الإقليمية التي لعبت دورا في هذين التغييرين، وهو أمر لم يتضح بعد حاليا بما يكفي.
هذا التسليم الشعبي لا يعني الغياب الكامل لبعض مظاهر الغضب فقد خرجت مظاهرات متفاوتة الضخامة في مسائل تتعلّق بالتلوث في مدينة مثل قابس الجنوبية أو مظاهرات للتنديد بالقمع الذي تتعرض له العائلات السياسية ونشطاء المجتمع المدني. ومع ذلك تبقى المفارقة المحيّرة فعلا أن وضعا اقتصاديا واجتماعيا أقل سوءا بكثير من الحالي، وقمعا سياسيا أقل بكثير من الممارس حاليا أخرج التونسيين بالآلاف في انتفاضات شعبية متعددة خلال تاريخ تونس الحديث آخرها التي أسقطت الرئيس بن علي عام 2011.
ورغم كل شيء، فليس هذا ما يشغل بعض المعارضين بقدر ما تشغلهم مسألة أخرى ظل معظمهم، ولفترة طويلة، يتحاشى التطرّق إليها لكنهم اليوم يرونها موطن الداء الحقيقي: الأهلية الصحية للرئيس سعيّد والتي يقولون إنها تفرض بقوة، وبلا مواربة، عدم قبول استمراره في منصبه، بل وهناك أحد الأطباء الذي قد يكون أول من كسر علنا حاجز التحفظ أو الخوف في هذا الشأن، فشرح الأمر في فيديو بشكل علمي مفصّل وواضح للغاية.
٭ كاتب وإعلامي تونسي
أنا لا أعتقد أن الرئيس قيس سعيد القادم من” المجهول” بهذه القوة في مواجهة الأحزاب و النقابات و القضاة و المحامون و الإعلام و الشعب…قيس سعيد “واجهة” ليس إلا “لمركز قوة ” يقرر و يربط و يحل…قيس سعيد أتت به “الدولة العميقة جدا”.
زرت تونس رغم كل ما يكرره الاعلام فالظاهر للعيان
غير ذلك. هناك امن واستقرار والاسواق عامرة وجميلة.
اذا استمر الأمر بهذه الوتيرة سيصير اقتلاع هذا النظام خطر يعرض البلاد لحرب أهلية.
كلنا يتذكر تصدي الشعب التركي للانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب شرعيا.
تصدى الشعب من موالين ومعارضين لأن الجميع خرجوا يدافعون على الديمقراطية والحرية لكل تركيا. ولأن الرئيس أردوغان لن يعيش إلى الأبد ولكن تركيا تستمر.
لكن في تونس هناك فسخ و محو.
لقد فسخ بو رقيبة الذاتية في السكان و محى هويتهم،فصار المجتمع مجتمع رعايا و مجتمع الرعايا لا يفكر بنفسه.
لو فكر السكان لما اختاروا الباجي قائد السبسي رئيسا من بين 27 مترشح، لا يقلون عنه إدراكا ولا قدرات و لكن الرجل فات ال90.
فكيف يكون من فات ال90 قادرا على الحياة؟ فقد كان على الذين صوتوا له ان يبدوا في عد أيامه الباقية.
اما المعارضة فلو كانت فعلا معارضة لكان عدد المترشحين اقل من 5، و عندها تتغير المعادلة.
يمكن أن نقول إن السكان من شعب الرعايا وان الطبقة السياسية لم تكن واعية بأهمية اللحظة فذهبت تغنى وتركت الجبنة يلتقطها الذئب.
العرب و تونس غير واعين الا قليلا منهم .
الاستبداد و الدكتاتورية خلقت شعب مشوه لا بوصلة له.
رحم الله الشابي عندما قال يا شعبي انني ذاهب إلى الغاب (هربا من الشعب) وهو من قال :
و لا الافق يحضن ميت الطيور
و لا النحل يلثم ميت الزهر.
الحرية والديمقراطية لا ينالها الا من يستحق.
المرزوقي وحزب النهضة هم سبب فشل التغيير في تونس بسبب غياب الحنكة السياسية لديهم وتنازلاتهم المذلة لخصومهم ،وعدم الحزم في مسألة قانون العزل السياسي ضد رموز النظام السابق من أجل تحصين إنتفاضة 17 ديسمبر..
القايد السبسي كان قنطرة لما بعدوالبورقيبية وما بعد عابدين. ولم يتم انتخابه لان الشعب التونسي كان مسحوقا كنا تقول.. ولو كان عمره كبيرا.. بدليل ان مرحلته في الحكم شهدت شبه استقرار قياسا لما
قبلها من فوضى الحكم والشارع.
يقول الكاتب “المرزوقي شرح أكثر وجهة نظره هذه لتفنيد إمكانية تفسيرها على أنها عداء لشعب لم ينتخبه رئيسا من جديد،” بودي أن يشرح لنا الكاتب المحترم متى انتخب الشعب التونسي منصف المرزوقي رئيسا أول مرة حتى يحجب ثقته فيه المرة الثانية…والحال أن المرزوقي كان رئيسا مؤقتا معينا ولبس منتخبا…..فوجب التصويب.