منذ نشر وزارة العدل الأمريكية لأكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، والتحليلات وردود الأفعال العالمية لم تتوقف. القضية الفريدة من نوعها وتفاصيلها المريعة، صارت العنوان الأبرز لكل القنوات والمواقع الإخبارية. كان ذلك يعود بالدرجة الأولى للتفاصيل المقززة، التي تم الكشف عنها من خلال هذه الوثائق، والتي تجاوزت مجرد تحويل جزيرة نائية خاصة، إلى مكان لإقامة حفلات المجون الصاخبة، لتظهر تواترا للاتجار بالبشر، وممارسة التعذيب والعبودية بحق عدد كبير من الضحايا، أغلبهم من الأطفال أو الفتيات اليافعات. تحول كل هذا لفضيحة تسببت في أن يفقد عشرات المسؤولين، ممن ارتبطوا بشكل أو بآخر بهذه الوثائق، لمناصبهم، ما أعاد إلى الواجهة من جديد السؤال عن أخلاقيات الغربيين، خاصة وقد كانت أسماء مهمة ومعنية بحقوق الإنسان العالمية من ضمن المتورطين.
حجم الجرائم وعدد المتورطين فيها، وأهميتهم المالية والسياسية، دفعت لطرح سؤال آخر حول ما إذا كان هناك تواطؤ ما سمح بأن تظل كل هذه الجرائم والانتهاكات قيد الكتمان طيلة هذه السنوات، من دون أن تقع أي وثيقة في يد الجهات المعنية بالدفاع عن النساء أو الأطفال.
وثائق إبستين أعادت إلى الواجهة من جديد السؤال عن أخلاقيات الغربيين، خاصة وقد كانت أسماء مهمة ومعنية بحقوق الإنسان العالمية من ضمن المتورطين
المفارقة هي أنه، وفيما كان العالم مشغولا بالتساؤل عن حدود قوة شبكة إبستين السرية وحجم الحصانة، التي كانت تملكها، والتي جعلت أفرادها يتعاملون مع تلك الجزيرة كملاذ آمن لممارسة كل أنواع الفحش والشذوذ، كان بعض أبناء جلدتنا ينظرون للأمر بعين أخرى، وبينما كان العالم يشعر بالصدمة والإحباط وبتهافت الصنم الغربي، والادعاءات الكثيرة بشأن حماية الحقوق الآدمية، كان أولئك يحاولون النظر إلى الأمر بعين إيجابية، ترى فيه دليلا على أن المجتمع الغربي ما يزال بخير. كانت تلك الآراء، التي تابعناها على وسائل التواصل الاجتماعي لكثير من الشخصيات العربية ذات التوجه الليبرالي، مثار دهشة، فحتى في الوقت، الذي كان يشعر فيه أوروبيون وغربيون بالاستياء الكبير، نتيجة لمستوى الانحدار الأخلاقي للنخبة، التي تلعب كثيرا من الأدوار، ليس فقط على المستوى المحلي، وإنما على مستوى العالم، كان أولئك يبحثون عن الأعذار قائلين، إن من المحاسن، التي يجب النظر إليها، ما أطلقوا عليه اسم «الشفافية الغربية»، التي كشفت في الأخير هذه الفضيحة وتسببت في ملاحقة المسؤولين عنها. لكن هل كان الكشف، الذي تأخر بشكل لا يليق بالتقدم العلمي، وبما وصلت إليه علوم التتبع والأدلة الجنائية بالفعل بتلك الشفافية، التي تقود جميع المتورطين إلى المحاكمة، بغض النظر عن مواقعهم ومكانتهم؟ ولماذا تم الإفراج عن هذا العدد فقط من الوثائق المنتقاة، ولم يتم الإفراج عن بقية الصور والمراسلات؟
إن ما أراه هو العكس من ذلك، حيث يبدو الإعلام الغربي وكأنه يريد امتصاص موجة الغضب، والقفز على الأمر عبر تصويره وكأنه مجرد نوع من الجرائم الفظيعة لكن المعتادة، وهو موقف عبر عنه الرئيس الأمريكي ترامب بشكل عفوي ومباشر، حينما طلب من الصحافية، التي سألته عن هذه القضية قبل أيام، أن تغير السؤال عن الموضوع، الذي أخذ في رأيه أكثر مما يستحق.
الحقيقة هي أنه لا يمكن الحديث عن أي محاسن، ونحن نتناول هذه القضية، التي تشمل تفاصيلها تلذذا بالقتل، بل اتهامات بأكل لحوم البشر، ما يتجاوز بكثير مجرد الاستغلال أو العبودية الجنسية. يكفي أن أذكر هنا قصة أحد المتورطين وهو الأمير البريطاني أندرو، الذي تم تجريده مؤخرا من ألقابه الملكية، والذي ارتبط مع إبستين بعلاقة وثيقة. أندرو، الذي سبق وأن اتهمته سيدة تدعى فرجينيا جوفري بالاستغلال الجنسي، من دون أن يتسبب ذلك في استجوابه، أثبتت الوثائق اشتراكه في نقل فتاة على متن طائرة تابعة لإبستين إلى قصر باكنغهام، المقر الرسمي للملكية البريطانية. كانت تلك الوثائق تؤكد أن الطائرة سيئة السمعة، التي ارتبطت بنقل قاصرين بغرض استغلالهم جنسيا، قد هبطت لتسعين مرة في المملكة المتحدة، منها مرات كثيرة كانت عقب إدانة إبستين بجرائم جنسية ضد الأطفال في .2008 هذا المثال مهم، لأنه يوضح حجم فساد المنظومة الأخلاقية الغربية، فتفاصيل قصة أندرو تخبرنا بأن العائلة المالكة ساهمت في التواطؤ عبر اقتراح دفع مبلغ كبير كتعويض وترضية للضحية جوفري، التي كانت تحكي عن إجبارها على ممارسة الجنس قبل بلوغها السن القانونية. مع ذلك، فإن هناك من يقول إن كل هذا مما يحمد للنطاق العام الغربي، الذي سمح بكل هذا الكشف. الحقيقة، التي لا يدركها هؤلاء هو أن هذا الكشف كان يتم بمقدار وأن مناطق كثيرة ما تزال غامضة ومظلمة، ولا يجوز الاقتراب منها.
من الأدلة على هذا ما أكده ساري حنفي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، الذي كان مستضافا في برنامج نقاش في قناة فرنسية، والذي قال «إن القناة حذفت كل ما ورد في ذلك اللقاء من إشارات للارتباط بين قضية إبستين و»إسرائيل». يوضح منطق هؤلاء المبررين والمدافعين العرب حجم الاستلاب، الذي نعيشه، وكيف يمكن أن يكون البعض مستعدا في سبيل التماهي مع الغرب، إلى أن يمضي إلى كل مستوى ممكن. يذكّر هذا بمثال أبناء العالم الثالث، الذين ينخرطون في صفوف التيارات اليمينية والشعبوية في الغرب، ويصبحون أشد حتى من أبناء البلد الأصليين في عدائهم للمسلمين أو للأجانب.
بجانب كل هذا فإن البعض طرح حججا لا تستحق الرد، مثل قولهم بشأن الاعتداء الجنسي على الأطفال، إن الثقافة العربية والدين الإسلامي نفسه لا يمنعان تزويج الأطفال. يبدو هذا المنطق، الذي انتشر بكثافة في محاولة للتشويش عبر تصويب السهام نحو وجهة أخرى، مريضا في حد ذاته، لأنه يساوي بين تقليد يمكن فهمه ومناقشته، ويتمثل في اختيار بعض العائلات تزويج أبنائهم وبناتهم في سن مبكرة، وبين جرائم جنس جماعي وعبودية فظيعة.
أما أغرب ما اطلعت عليه من محاولات التبرير، فكان مضي أحدهم للتقليل حتى من جريمة أكل لحوم البشر، على اعتبار أن هذا التقليد شائع، وفق ما قال، في أماكن مختلفة من العالم، من بينها افريقيا، وأن ما قامت به «جماعة إبستين» ليس غريبا حقا في الواقع الإنساني. في هذا كتب محمد الأمين سوادغو، وهو باحث من بوركينا فاسو، مقالة مهمة اعتبر فيها أن تصوير الأفارقة كآكلين للحوم البشر كان جزءا من التصورات الاستعمارية الخادعة لدول الجنوب، التي تم الترويج لها من أجل استباحة استعمار تلك المناطق وتصويرها بالبدائية والمتوحشة، التي تحتاج لنور الحضارة الأوروبية. الحقيقة هي أن في افريقيا، كما في مناطق أخرى، فإن الناس لم يلجؤوا إلى هذه الممارسة المتوحشة إلا ضمن حالات شاذة إبان المجاعات الكبرى، أو ضمن طقوس من السحر أو العبادات الشيطانية المغلقة، أي أنها لم تكن في أي يوم سلوكا معتادا أو طبيعيا مقبولا عند الجميع. إذا أمكننا أن نجد تفسيرا لهذه الطقوس الغريبة، التي تنفر منها النفس البشرية السوية، في حالة القبائل المنعزلة، التي لم تكن قد انفتحت على العلوم والحضارة بعد، فكيف يمكننا أن نفسر انحدار نخبة العالم، بما يشمل أسماء حصلت على قدر كبير من العلم والمال، لهذا المستوى؟
كاتب سوداني
حتى لو استبعدنا قضايا السيادة الوطنية والتجسس الدبلوماسي التي طفت في هذه القضية، فإن قضية إبستين تظل “زلزالاً” لا يمكن اعتباره “أخذ أكثر من حجمه”، لأنها كشفت عن منظومة متكاملة من الجرائم الإنسانية والمالية التي كانت تعمل تحت غطاء قانوني واجتماعي في أهم عواصم العالم، حيث الجانب الأخطر فيها هو الشعور بأن “الثراء الفاحش يشتري البراءة”، خاصة وأن إبستين بقي حراً لعقود رغم البلاغات ضده في نيويورك وفلوريدا وباريس، مما يثبت وجود “عدالة من درجتين”. لذلك فالقضية في جوهرها هي معركة حول “المساواة أمام القانون”، وكشف الغطاء عن شبكات المصالح التي تسمح للنخبة بممارسة أبشع الجرائم خلف جدران المغلقة.
هذه العقلية (العربية) تدافع عن إبستين لأنها ببساطة “تعبد السطوة”؛ فبالنسبة لهم، أن تكون “شريراً و ناجحاً” أفضل بكثير من أن تكون “شريفاً ومنسياً”. هم لا يدافعون عن إبستين، بل يدافعون عن حلمهم في أن يصبحوا يوماً ما “فوق القانون” مثله.
كل ما في الامر ان هناك امور تحصل باسم الشرعية الدينية والعادات والتقاليد والاعراف ونفس الامور تحصل باسم الجرائم الانسانية في مكان اخر وقد يكون في الامر عامل نفسي فاشخاص يريدون ان يفعلوا نفس الامر ولكنهم غير قادرين على ذلك فالعرب وغيرهم كانوا يدافعون عن صدام وافعاله ومنهم كثير من العراقيين لانهم بداخلهم يتمنون ان يصبحوا ذلك الصدام الذي يملك تلك الهيبة ويخشاه الجميع
تتجلى مفارقة ساخرة وقاتمة عند الربط بين فضيحة جزيرة ابستين وأحداث رواية Lord of the Flies للكاتب William Golding، وهي الرواية التي أُعيد إحياؤها مؤخرًا في عمل درامي يُعرض على منصة BBC iPlayer. تكمن السخرية في أن الرواية تُظهر كيف تنهار براءة الأطفال ويتفكك نظامهم الأخلاقي في جزيرة معزولة بسبب غياب سلطة الكبار والقانون، بينما تكشف قضية إبستين عن واقع أشد قتامة، حيث كان “الكبار” أنفسهم—أصحاب النفوذ والمال—هم من شيّدوا جزيرتهم الخاصة كفضاء خارج المحاسبة، محوّلين أدوات الحضارة إلى غطاء للتوحش. يزداد هذا التشابك دلالةً حين نعلم أن أحد أبرز الشروح النقدية للرواية كتبه ناقد يدعى E. L. Epstein، الذي قرأ سيد الذباب بوصفها استعارة عن الشر الكامن في النفس البشرية حين تُرفع القيود وتغيب الرقابة. هنا يتقاطع الأدب مع الواقع لا بوصفه نبوءة، بل كتشريح متكرر للبنية نفسها: عزلة، قوة مطلقة، وصمت جماعي يسمح بانزلاق أخلاقي لا يفرّق بين طفل تُرك دون قانون، ونخبة قررت أن تكون فوقه.