لمن الحكم اليوم؟

حجم الخط
13

مشكلة مشروعية الحكم في تاريخ المسلمين قديمة، وهي ـ غالباً مشروعية دينية ـ مرتبطة بالخلافات المذهبية، بل إنها ربما كانت السبب الرئيسي وراء تلك الخلافات.
فقهاء السنة أكدوا على أن «الخلافة في قريش» في نظرة قبلية للمعايير التي على أساسها تكون مشروعية الحاكم، فيما قال الشيعة إنها في «أهل البيت» كجزء من العلويين الذين هم جزء من قريش، في تكريس واضح لسلالية المعايير التي على أساسها تكون مشروعية الحاكم، غير أن هاتين المقولتين كانتا مجرد إفراز للسياقات التاريخية والمجتمعية والثقافية التي لا علاقة لها بالأبعاد العقدية في الإسلام.
ومع تغلب الأمويين، على أبناء عمومتهم من العلويين تغلبت فكرة «قرشية الخلافة» على «علوية الإمامة» حيث كان الأمويون مهتمين بعدم حصر السلطة في العلويين، وأن تكون في قريش عامة، وذلك لإيجاد مرجعية دينية لسلطتهم كجزء من قريش، بعد خروج العلويين من السلطة الذي أدى إلى دخولهم مع الفرس في «تحالف المهزومين الفارهاشمي» الذي قضى على دولة بني أمية، مع قدوم جيوش العباسيين التي قادها القائد الفارسي أبو مسلم الخراساني، تحت شعار «الرضا من آل محمد» بعد أن زعم العباسيون أن ثورتهم هي من أجل تسليم السلطة للعلويين.
وبما أن السلطة، لا تعرف صديقاً ولا قريباً، فإن العباسيين الذين أسقطوا حكم الأمويين في المشرق الإسلامي باسم الدعوة لـ«أهل البيت» من ذرية علي، قاموا بأكبر مجزرة ضد أبناء عمومتهم من العلويين على يد الخليفة أبي العباس عبدالله بن محمد بن علي، الذي لقب بـ«السفاح» لكثرة ما قتل من العلويين الذين ثار العباسيون باسمهم، لتتوارى مقولة «إمامة العلويين» مجدداً، وتستمر فكرة «قرشية الخلافة» وإن بشكل أقل بروزاً مما كانت عليه في العهد الأموي.
وخلال العصر العباسي الثاني بدأ ضعف «الخلافة العباسية» وتحكم بالخلفاء وزراء من غير قريش ومن غير العرب، ثم أصبحت «الخلافة» تحت حماية أو رحمة دول أخرى إسلامية غير قرشية وغير عربية من الأساس، وأصبح حكم الخليفة صورياً، فيما السلطة الفعلية بيد الوزراء وقادة الجيش من البويهيين الفرس الشيعة، ثم السلاجقة الترك السنة وغيرهم، وهو الأمر الذي أدى إلى مراجعات لمسألة «قرشية الخلافة» التي لا تتفق مع تحولات الوضع سياسياً وعسكرياً داخل منظومة الدولة العباسية التي لم يكن للخليفة فيها ـ في بعض الأحيان ـ من أمر سوى سلطة صورية.
وفوق هذا نشأت إمارات ودول إسلامية غير عربية وأخرى عربية غير قرشية، الأمر الذي جعل فكرة حصر الخلافة أو الإمامة في قريش أو في العلويين، غير واقعية وغير منطقية، ليدرك الكثير من الفقهاء وعلى رأسهم «إمام الحرمين» عبد الملك الجويني في كتابه «الغياثي» ضرورة إعادة النظر في تلك المقولات في الفقه السياسي الإسلامي.
وبالنظر إلى السياقات التاريخية لتلك المقولات يمكن الاستنتاج بسهولة أنها مقولات سياسية لا فقهية، وأنها كانت إفرازاً للمتغيرات الواقعية، وأنها ليست من أصول الدين، بل من مقتضيات السياسية.
فالقاضي علي بن محمد الماوردي صاحب «الأحكام السلطانية» كان متمسكاً بفكرة «قرشية الخلافة» وذلك لكي يحمي منصب خلافة العباسيين العرب «السنة» من طموح سلاطين بني بويه الفرس الشيعة، حيث إن استمرار الاعتقاد بشرط القرشية في الخلافة شكل مانعاً دينياً قوياً من سيطرة البويهيين الفرس الشيعة على الخلافة العربية السنية في بغداد.

بالنظر إلى السياقات التاريخية لـ«قرشية الخلافة» السنية و«علوية الإمامة» الشيعية يمكن الاستنتاج بسهولة أنها مقولات سياسية لا فقهية، وأنها كانت إفرازاً للمتغيرات الواقعية، وأنها ليست من أصول الدين، بل من مقتضيات السياسية

وعندما ضعفت دولة البويهيين الفرس الشيعة وأصبحت السيطرة على الخلافة العباسية للسلاجقة الأتراك السنة ضعف توجه «قرشية الخلافة» بعد أن آلت السلطة الفعلية على الخلافة العباسية إلى السنة من الأتراك السلاجقة الذين لم يشكلوا خطراً على التوجهات المذهبية للدولة، الأمر الذي أسقط بموجبه الإمام الجويني شرط قرشية الخلافة، بما أن السلطان الجديد الحامي لمؤسسة الخلافة أصبح تركياً سنياً، وإن لم يكن عربياً من قريش، واستمر نهج التخلي عن «قرشية الخلافة» عند القاضي أبي بكر الباقلاني، الذي قال ابن خلدون إنه تركها لما أصبحت «عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال واستبداد ملوك العجم…فأسقط شرط القرشية».
ولاحقاً، تم تجاوز قرشية الخلافة بشكل عملي ونظري بعد انتصار الأتراك العثمانيين على المماليك والسيطرة على مصر، وتنازل آخر الخلفاء العباسيين محمد الثالث المتوكل على الله عن الخلافة للسلطان العثماني سليم الأول، ومنذ ذلك التاريخ أصبح كل سلطان عثماني يحمل لقب «أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين» لتتوارى مسألة قرشية الإمامة في بطون كتب الفقه السياسي التقليدي، بعد أن وصل إلى منصب الخلافة غير قرشي وغير عربي.
ومع مرور الوقت أصبحت قضية «قرشية الخلافة» شيئاً من التاريخ، ولكنها لم تصبح جزءاً من التاريخ إلا بعد أن أدت هزيمتها لفكرة «علوية الإمامة» إلى تضخم الأخيرة – نظرياً – كردة فعل لمعاناتها من عقدة الاضطهاد التاريخي، الأمر الذي جعل العلويين يرفعون إمامتهم إلى مستوى العقائد التي يكفُر كل من لم يؤمن بها، ومن هنا أصبح الإيمان بالإمامة لدى معظم فرق الشيعة كالإيمان بالله، ومالت كثير من فرق التشيع إلى نوع من التماهي بين الذات الإلهية و«الذات العلوية» بعد أن رُفع علي بن أبي طالب إلى مستوى إلهي، وقيل إن «الله حل فيه» وغير ذلك من المرويات الشيعية التي تعد ردة فعل لقرون من إقصاء العلويين من الحكم، الأمر الذي أدى إلى «تضخم ذاتي» لإحداث نوع من التوازن السيكولوجي لتعويض خسارة الواقع، وهي مرويات اخترعت لدعم الفكرة الثيوقراطية في «اصطفاء علي» لإمامة المسلمين، مع العلم أن القول بالاصطفاء ليس منهج علي نفسه، ولكنه من أقوال متأخري الشيعة، وذلك للتأسيس لمشروعية سلطة الذين حاولوا ولا زالوا يحاولون تحقيق مكاسب سياسية باسم الإمام، على اعتبار أنهم ورثته وورثة النبي على أسس جينية سلالية، لا دينية رسالية.
واليوم، وبعد كل ذلك الحراك التاريخي والسياسي الذي أدى إلى حراك فقهي وفكري، لا يبدو أن مقولات مثل «قرشية الخلافة» السنية، و«علوية الإمامة» الشيعية تصمد أمام واقع متحرك يتطلب ترك كل تلك المقولات، والخروج منها إلى وضع الخلافة والإمامة في الشعب، الذي يتولى السلطة عبر ممثليه المنتخبين، لا أولئك الذين تم الزعم بأنهم مختارون من الله.
إن «قرشية الخلافة» تتنافى مع حقيقة أن أطول نظام خلافة إسلامي لم يكن قرشياً ولا عربياً، بل كان عثمانياً تركياً، كما أن «علوية الإمامة» تتنافى مع حقيقة أن الإمامة العلوية مجرد فكرة يوتوبياوية لم تتجسد تاريخياً بأبعادها النظرية المثالية، حتى في عهد الإمام علي بن أبي طالب نفسه.
والخلاصة: يتحتم على المسلمين اليوم الخروج من ربقة تلك المقولات العرفية التي جرى تقنينها في الفقه السياسي، دون أن يكون لها أي مسوغ سوى أنها كانت مرتبطة بعصبويات معينة تجاوزها التاريخ، فلم تعد قريش هي الأقدر على تدبير شؤون الحكم، ولم يثبت أن العلويين سجلوا نجاحاً تاريخياً كبيراً في التاريخ السياسي للإسلام، بل كان هذا النجاح من نصيب الأمويين والعباسيين.
إن الاتفاق على الاحتكام لصناديق الاقتراع وبرامج العمل السياسية سيؤدي إلى تلاشي الاحتقانات الطائفية التي يغذيها الساسة للوصول إلى السلطة، وحينها ستبقى الاختلافات المذهبية حبيسة مستوياتها الفقهية، لكنها ستفقد أبعادها السياسية التي فجرت الحروب والصراعات بين السنة والشيعة قديماً، والتي لا تزال تغذي تلك الصراعات السياسية التي تبدو على شكل حروب طائفية بين الطرفين.

كاتب يمني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    فقهاء السنة أكدوا على أن «الخلافة في قريش» في نظرة قبلية للمعايير التي على أساسها تكون مشروعية الحاكم، ” إهـ
    الإمام أبو حنيفة النعمان لم يأخذ بهذا الكلام !
    ولهذا فرضت الدولة العثمانية المذهب الحنفي بمحاكم الدولة,
    و لكي يكون السلطان العثماني بالتالي خليفة للمسلمين !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول تيسير خرما:

    التوريث بالحكم بدأ قبل الأمويين بتعيين علي (ر) كونه إبن عم الرسول (ص) ثم تعيين إبنه الحسن (ر) لكن بعد سنة استجاب لحكماء الصحابة فتنازل عن وراثة الحكم وبايع معاوية (ر) فأطفأ فتنة عظيمة وتوحدت الجيوش فبلغت الفتوحات الصين شرقاً والأندلس غرباً وانتشر الإسلام سلماً بمعظم العالم القديم. وقد ثبت بذلك قول النبي (ص) عن حفيده الحسن (ر): إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. كما ثبت بذلك أهم متطلب لتحصيل لقب السيد وهو تجنب خلق فتنة واستجابة لحكماء من حوله وتوحيد الصف وإسكات الدهماء.

  3. يقول تيسير خرما:

    بعد نزول آخر آية قرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) لم يعد لأحد حتى محمد (ص) قبل وفاته أن يغير ثوابت العقيدة أو روح الدين أو إطاره العام وتسامحه ووسطيته ليوم القيامة، لكن الأمور الفرعية يتناولها فقه وإجتهاد علماء العصر لتناسب مكان وزمان وعرف وظروف سائدة، أما قصص التاريخ فليست مرجع بل مجرد اجتهاد بشر يقاس صوابه حسب تناغمه أو تناقضه مع ثوابت العقيدة وروح الدين المكتمل غير المجتزأ وإطاره العام لاستبعاد أصحاب أهواء ومصالح ومثيري فتن وحروب بين مسلمين أو مع غيرهم.

  4. يقول تيسير خرما:

    تبدأ معظم العقائد بأمور مقنعة للناس كحماية نفس وعقل وعرض ومال وكرامة وحرية وعدالة لكن المشكلة قابلية الناس على الهبل والإستهبال فكل العقائد سواء قديمة أو حديثة بقرون غابرة أو بعصر حديث وسواء كانت عقائد سماوية أو وضعية أو علمانية جميعها قد فرخت رجال عقيدة يستهبلون باقي الناس بتحريفها تدريجياً لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية أو تقديس أشخاص للإستقواء على الناس واستباحة أموالهم وأعراضهم سواء عن طريق فن خطابة ورواية بدائل للحقائق بطرق مقنعة للعامة أو بطرق أمنية وعسكرية لفرض واقع يعدم كرامة وحرية وعدالة.

  5. يقول سعيد:

    ماشاء الله . احسنت واصبت استاذ محمد مقال رائع في الصميم

  6. يقول الغريب:

    قيل في الحكم ان من يطلبه خائن ومن يرفضه ـ اذا تعيين عليه ـ خائن . وبهذا فحتى الديمقراطية (حكم الشعب ) لا تاتي الا بالخائن, حيث لا يعقل ان يقبل احد خدمة الشعب مقابل اوزار المسؤولية في الدنيا والاخرة, الا اذا فرضت عليه, عند ذلك سيعان عليها. واعتقد ان هذا هو السبب في ان الاسلام قد نظم ونظر لكل شيء الا الحكم فقد سكت عنه . ولقد كان على المسلمين الاقتداء بطريقة عمر بن الخطاب في تعيين خليفة له فهي افضل طريقة لمن يجب ان يكون له الحكم .

  7. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    التاريخ يبقى تاريخا , سرديات لايعلم المرء كم من الحقيقة تحتويه, هذا تاريخ المشرق العربي لاعلاقة له بتاريخ شمال افريقيا – بحسب رأيي – وهذا لايهمنا الآن ولافائدة من ورائه, المشكل الأعظم هو أن يبقى البعض حبيس هذا التاريخ , يهدر حياته مع أحداث الماضي , يحاول إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وذاك من سابع المستحيلات. بينما الحاضر يهرب من بين يديه , أما المستقبل فلا فكرة عليه بالمطلق, وهذا سر الصورة القاتمة التي نشاهدها اليوم.

  8. يقول رياض:

    الأخ عبدالكريم البيضاوي. في الوقت الذي تقول بأن التاريخ محل شكوك وهذا صحيح، لكنك تكاد تجزم بأن جغرافيا المشرق العربي غير جغرافيا شمال افريقيا، وكأنه لا مشتركات تاريخية وثقافية وجغرافية.
    أعتقد أن مشكلات المغرب العربي والمشرق العربي متشابهة الى حد كبير.

  9. يقول ترنتي:

    تيسير خرما ::: تعليقك ممتاز ولامس الحقيقة بقدر كبير.

  10. يقول عبد الكريم البيضاوي:

    أخي رياض.
    أن لست ضد وحدة الشعوب الناطقة بالعربية أو الشعوب الإسلامية , أتفق معك أن مشاكلنا متشابهة , لكن أن ننطلق من هذا العامل المشترك فيقرر إخواننا في المشرق بأن تاريخ منطقتهم يهم مناطق أخرى وأن كل من يتحدث اللغة العربية عليه الالتزام بالتاريخ أو بما نصت عليه أعراف شعوب أخرى أو تقاليدها على الكل تحت مسميات هم لم يختاروها عن طواعية أصلا في حقبة من التاريخ. هذه الحقيقة وغيرها كذب. الوحدة والاتحاد قوة , أتفق لكن لكل شعب تاريخه الحقيقي وليس تاريخا فرض بالقوة.
    كما قلت – هذا رأيي الخاص – وهناك بدون شك من له رأي مخالف وذاك من حقه.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية