لن أعيش في جلباب إيران

حجم الخط
2

شكّلت الانتفاضة الشعبية التي شهدها العراق منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إحدى أبرز محطات التطور السياسي والاجتماعي للشخصية العراقية، فعلى الرغم من كل محاولات الأدلجة الثقافية والسياسية، التي مارستها إيران في العراق، من أجل تهجين المنظومة القيمية للمجتمع العراقي، وجعله إيراني الهوى، إلا أن ما حصل في وأثناء هذه الانتفاضة، يشير وبما لا يقبل الشك، بأن هناك هوية وطنية عراقية، بدأت تشق طريقها من رحم المحاصصة الطائفية والعرقية، التي هندستها إيران وأحزابها في العراق، هوية بدأت تؤطر لنفسها من خلال شعارات تحمل مضامين وطنية، لا تقل أهمية عن تلك التي رفعتها العشائر العربية المنتفضة ضد الإحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، «نريد وطن» شعار تجده يتردد على لسان المتظاهرين في كل ساحات ومدن العراق المنتفضة، وهي رسالة لإيران بأن الوقت حان لتجمع أوراقها وتعتذر.
إن نجاح إيران في تناول الحالة الشيعية خارج الأطر الوطنية للمجتمعات العربية، أدى دوراً في ترسيخ نفوذها السياسي والثقافي في بعض هذه المجتمعات، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من سياسة الدولة ـ الأمة التي يؤمن بها نظام ولاية الفقيه في إيران، ولهذا نجد بعض هذه المجتمعات بدأ يشعر بأن وجوده مرتبط بوجود دولة القلب المذهبي، إيران، إلا أن الذي حدث في العراق، يبدو وكأنه خروج غير مألوف على الوصاية الإيرانية، بل يمكن القول بأن سياسة صهر الهوية الشيعية ضمن الهوية الوطنية العراقية، والتأكيد على الدولة الوطنية خارج الوصاية الإيرانية، التي حاول العديد من الأحزاب والتيارات السياسية المرتبطة بإيران فرضها على الواقع العراقي، سيؤسس لمرحلة سياسية جديدة عنوانها «العراق المتبوع وليس التابع».
قد يكون من المبكر الحديث عن النجاحات، لأنني أؤمن بأن إيران مازالت لم تلعب كل أوراقها في العراق، فالعراق بالنسبة لها الشريان الذي يغذي مشروعها الإستراتيجي في الشرق الأوسط، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وهو اليوم ركيزة رئيسة من ركائز محور المقاومة الذي تقوده في المنطقة، وهو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الإيراني، فضلاً عن ذلك كله، إن زوال نفوذها في العراق يعني زوال تأثيرها على حوزة قم في النجف، التي حاول المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، خلال سنوات ما بعد احتلال العراق إذابتها داخل الوعاء الإيراني الكبير، وهو ما لم يتحقق حتى هذه اللحظة.
إن النقمة الكبيرة التي حملها الشارع العراقي خلال الانتفاضة الأخيرة، تعبر بما لا يقبل الشك عن حالة الوعي السياسي الذي وصل إليه المواطن العراقي، خصوصاً وإن هذا الوعي بني تدريجياً على أساس رد الفعل وليس الفعل، بمعنى هذه النقمة ليست مقصودة، بقدر ما هي تعبير عن الرفض للسلوكيات الإيرانية في العراق، فعندما يخرج المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ويصف المتظاهرين بأنهم مشاغبين، ويضيف إمام وخطيب جمعة طهران المؤقت محمد علي كرماني بأنهم شيعة بريطانيا، والأكثر من ذلك يضيف موقع «مشرق نيوز» المقرب من الحرس الثوري الإيراني بأن المتظاهرين هم شيعة منحرفين وسنة دواعش وبعثيين، وبالإضافة إلى كل ما تقدم تحول السفارة الإيرانية في بغداد والقنصلية الإيرانية في كربلاء إلى أوكار للجريمة المنظمة، من خلال تنفيذ العديد من عمليات القنص والخطف والاعتقال بحق الناشطين والمتظاهرين، وفي ظل هذا الغيض من فيض، ماذا تنتظر إيران أكثر من هؤلاء المتظاهرين؟
إن النظام السياسي في العراق يمرّ اليوم في منعطف تاريخي كبير، فلن تعود إيران بعد اليوم الفاعل الرئيس في المعادلة السياسية، لأن أي نظام سياسي ستمارس عليه إيران تأثيراً كالسابق، سيقابل بردة الفعل الحالية نفسها، كما إن التيارات السياسية الحالية لن تكون قادرة بعد اليوم على المجاهرة بالولاء لإيران ـ باستثناء الفصائل الولائية التي مازالت تحتفظ بروابطها السياسية والعقائدية بإيران – وهي أحد مداخيل التأثير التي سيظل أثرها حتى وقت قريب، خصوصاً أنها تطرح نفسها ضمن إطار غير رسمي «المقاومة الإسلامية»، وهو ما يجعلها بعيدة عن المواجهة مع الشارع العراقي اليوم، وبقاؤها يعتمد على مدى المقاومة الإيرانية للبقاء في العراق.
إن إنهاء النفوذ الإيراني هو المستهدف الرئيس من المظاهرات التي تشهدها بغداد وباقي المدن العراقية في الوقت الراهن، وهو ما دفع إيران إلى إن ترمي بكل ثقلها من أجل احتواء هذه المظاهرات، وهو ما يعكس طبيعة المخاوف الإيرانية من أن تؤدي هذه المظاهرات إلى تداعيات سلبية على مجمل المشروع الإقليمي الإيراني، ويمكن القول بأنه إلى جانب غرف العمليات التي انشأتها إيران في العراق، مع بدء المظاهرات في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تحدثت العديد من المصادر الاستخباراتية عن زيارة سرية قام بها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني إلى بغداد، بعد اندلاع الموجة الثانية من التظاهرات العراقية، والتقى مع العديد من قيادات الفصائل المسلحة، من أجل اتخاذ إجراءات وقائية، يسعى عن طريقها إلى الحفاظ على وجود إيران في الساحة العراقية، كون الوجود الإيراني هو جزء من معادلة إقليمية تتجاوز حدود الساحة السياسية الداخلية في العراق، وكانت غرفة العمليات التي تشكلت ضمت إلى جانب الملحق العسكري الإيراني في بغداد، رئيس جهاز الاستخبارات في الحشد الشعبي، إلى جانب العديد من القيادات الميدانية في الحشد، كما أن هناك مصادر استخباراتية أخرى تحدثت عن عزم الحشد الشعبي، سحب العديد من قواته المتواجدة في مناطق شمال العراق إلى بغداد وباقي المدن الجنوبية من أجل ضبط الأوضاع الأمنية هناك.

النظام السياسي في العراق يمرّ اليوم في منعطف تاريخي كبير، فلن تعود إيران بعد اليوم الفاعل الرئيس في المعادلة السياسية

أن الرأي العام العراقي يدرك جيداً حجم المخاطر التي تكتنفها الأدوار الإيرانية في العراق، فالتظاهرات الشعبية ضد الأحزاب الإسلامية الماسكة بالسلطة، هي بصورة أخرى إدانة صريحة لإيران وسياساتها في العراق، فلم تكن الشعارات المرفوعة في المظاهرات من قبيل «إيران برة برة… بغداد تبقى حرة»، سوى ردة فعل قوية لتذمر الرأي العام العراقي من السياسات الإيرانية، التي أشاعت الفوضى وانعدام الأمن في كل مدن العراق، فإلى جانب كون هذه المظاهرات تمثل ردة فعل ضد الأحزاب الإسلامية ومن بعدها إيران، فهي من جانب آخر تشير إلى تعزيز وتغليب الانتماء والهوية الوطنية العراقية، على الهويات الطائفية والمذهبية والفرعية التي عملت على تكريسها السياسات الطائفية الإيرانية في عراق ما بعد 2003، من أجل تفتيت المجتمع العراقي إلى طوائف ومذاهب متعددة، بينما تبقى هي متسيدة ومسيطرة على الهرم السياسي العراقي، الذي سيكون بدوره ضعيفا أيضاً، كونه لا يستند إلى قاعدة جماهيرية وطنية عراقية، معبر عنها بالانتماء للعراق ومصالحه القومية.
إن تبني الرأي العام العراقي هذا الموقف من إيران وحلفائها، جاء كنتيجة لاتباعها سياسات خاطئة وغير مقبولة بالأساس، عن طريق تكريسها لسياسات الإقصاء الطائفي والمذهبي، ثم أخذ تأثير هذه السياسات يتبلور باتجاه خلق عقبات متولدة من الرفض للوجود الإيراني، تجلت واضحة في إعاقة محاولة إقامة حكومة عراقية وطنية مستقرة، ينظر إليها الشعب على إنها تملك مصداقية وطنية واضحة، وإنها تمثله وتجسد المصالح الوطنية، وعززت الأحداث منذ بدء الاحتلال الأمريكي في الجانب الأكثر منها عدم الثقة الكاملة، بينما بددت معظم النيات الحسنة المبكرة، فزاد الإخفاق الإيراني في توظيف القانون والنظام بالشكل التعسفي، والإقصاء القسري للقيادات المعارضة للنفوذ الإيراني، وقمع المظاهرات التي خرجت في المدن السنية ودعشنتها، وتهميش بعض الجماعات السياسية على حساب جماعات سياسية أخرى، كل هذه الإخفاقات والاعتداءات نضّجت قناعة لدى كثير من العراقيين، بأن هذه الإخفاقات في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي، هي إجراءات محددة ومقصودة وليست عارضة مصممة لخدمة مصالح الإيرانية، وأن تبقى لأطول مدة ممكنة في عراق واهن وضعيف، مسيطر عليه من قبل أحزاب إسلامية تخدم الأجندة الإيرانية.
إن الشعب العراقي تمكن من فرض نفسه كطرف قوي في المعادلة السياسية الداخلية، ولن تستطيع أي طبقة سياسية أن تتجاوزه مستقبلاً، وامتلك من الوعي السياسي ما قد يجعله رقماً صعباً في الاستحقاقات السياسية المقبلة، فضلاً عن نجاحه بتشخيص سلبيات الدور الإيراني في العراق، فالذي تعلمناه من دروس التاريخ، أن النصر عادةً ما يكون حليف الشعوب، وطالما تمكن الشعب العراقي من تحويل أحزانه ونكباته إلى ردود أفعال، فإن الرهان على مستقبل مشرق للعراق، يطيح بالطموحات الإيرانية سيكون واقعاً قابلاً للحصول مستقبلاً، إذا ما تحدى هذا الشعب نفسه في مناسبات وطنية مقبلة.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    اخوان سنة وشيعه, وهذا البلد ما نبيعه! الوطنية ستكون الجامع للعراقيين!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول Abdel:

    عاش العراق, عاشت حضارة دجله والفرات, عاش حسن البصرى, سيهلك الفرس, التاريخ يقول هذا.

اشترك في قائمتنا البريدية