«لوبانوفيليا» اللص الفيلسوف وعقدة الخلود

اللصوص مهما كانوا، هم أشخاص خارجون عن القانون ويثيرون الرعب والذعر في نفس من يكتوي بنارهم أو حتى يقترب منهم، ولكن الكُتَّاب في إطار تطويرهم لهيئة وسلوك الشخصيات وأبطال أعمالهم ابتدعوا لونًا جديدًا من أسلوب السرد يحوِّل الجاني إلى مظلوم، ويجعل بوصلة الرحمة والألفة تتجه إلى شخصيات لطالما اعتبرها المجتمع شريرة خارجة عن القانون وطريدة العدالة، مثل اللصوص والمجرمين والعاهرات. وقد تعج الروايات في التاريخ المعاصر بهذا الاتجاه، لكن حضورها في الماضي كان بمثابة صدمة كبرى للقارئ عند طرحها، ودون أن يدري تم الضرب بقوانين التعاطف الاجتماعي عرض الحائط.
لكن المرعب في الموضوع هو تحوُّل شخصية لص إلى بطل قومي ووسيلة دعم نفسي فاعلة تحفِّز الجنود على خوض المعارك ببسالة من أجل تحقيق النصر. ولو كان الأمر في الغرب مستحدثًا في القرن العشرين، لكنه بالفعل أمر ظهر قديمًا في الشرق في حكايات «علي الزيبق» المذكورة في كتاب الحكايات الأشهر عالميًا، ألا وهو كتاب «ألف ليلة وليلة». ولو كان «علي الزيبق» صورة للص الظريف الذي يحارب الفساد ويناصر الضعفاء ضد طغيان أرباب السُّلطة وأهل البلطجة، فقد توصَّل الغرب لكتابة روايات تتبع تقريبًا النهج نفسه؛ لتحقيق «عدالة ذكية ناجزة».
ومن أشهر الروايات على الإطلاق التي تعبِّر عن ذلك الاتِّجاه روايات اللص الظريف أرسين لوبين Arsène Lupin؛ ذلك اللص «الجنتلمان» الذي لا يسرق إلَّا ممن يجدهم يستحقُّون السرقة من فئة الأغنياء الفاسدين الذين دأبوا على قهر الضعفاء. وأكبر سبب في عشق العامة لشخصية أرسين لوبين، أنه كان يسطو على الأغنياء ليعطي الفقراء؛ أي أنه كان نموذجًا لشخصية روبن هود، لكن في القرن العشرين. والمدهش في هذا اللص ذي الشخصية الغنية بالصفات المتناقضة أنه لم يسرق فقط جيوب الأغنياء أو قلوب القرَّاء، بل إنه سرق أيضًا حياة وإنجازات مؤلِّفه؛ فلقد حجب بريق الشهرة عن المؤلِّف، وتصدَّر هو المشهد، وأضحى القرَّاء لا يهتمُّون سوى بشخصية أرسين لوبين، ولا يبالون بمعرفة مؤلِّفها؛ وكأن ما وفَّرته هذه الشخصية لمؤلِّفها من أموال طائلة كانت ثمنًا لدفن كيانه قبل أن يواريه التراب.
ومؤلِّف شخصية أرسين لوبين هو الكاتب الفرنسي موريس لوبلان Maurice Leblanc (1864-1941)، الابن الذي تربَّى في منزل والده الثري الذي يمتلك سفنًا والذي اهتم بأن يتلقَّى ولده أفضل ألوان التعليم. كان والده يطمح أن يسير ابنه على نهجه، ويساعده في إدارة تجارته ومصنعه حيًا، وبعد موته يمسك زمام كل ما كان يملك. بيد أنّ الشاب موريس الذي قابل لعدة مرَّات بينما كان في فترة مراهقته الكاتب الفرنسي جي دو موباسان Guy de Maupassant، والكاتب الفرنسي الشهير جوستاف فلوبير Gustave Flaubert وتأثَّر كثيرًا بأسلوبهما الروائي، وكان كذلك شديد الشغف بكُتَّاب الواقعية وتيَّار الطبيعية في القرن التاسع عشر، طمح لأن يكون يومًا كاتبًا شهيرًا وجادًا مثل هؤلاء. وعلى هذا الأساس، غادر منزل والده في مدينة روين Rouen التي تتميَّز بالتاريخ العريق وتعد موئل الأثرياء من الساسة ورجال الاقتصاد، لدرجة أنه كان يطلق عليها اسم «خزانة مدينة نورماندي». كانت وجهة «موريس لوبلان» الأولى باريس، حيث يتمركز كبار الأدباء والكتَّاب الباحثين عن فرص الشهرة.
وكي يغذِّي شغفه، كان يكتب روايات نفسية وفلسفية حازت إعجاب دوائر محدودة من النقَّاد، لكنها لم تحقق له الشهرة، ولم يكن معروفًا لدى العامة، وبالتأكيد صار بعيدًا عن الثراء. ولقد ضاقت به الحال ماديًا لأقصى الحدود. لكن فاجأه الصحافي بيير لافيت Pierre Lafitte الذي يعمل رئيس تحرير مجلَّة شهرية جديدة أنيقة مخصصة للتسلية اسمها «أعرف كل شيء» Je Sais Tout بعرض لم يستطع رفضه، وهو أن يكتب له في المجلة قصة فكرتها الرئيسية تعالج موضوع الجريمة ليتم نشرها في شكل حلقات مسلسلة تحقق شهرة للمجلَّة وتزيد من نسبة مبيعاتها، وأيضًا من شأنها أن تنافس روايات شيرلوك هولمز Sherlock Holmes التي يؤلفها الكاتب الإنجليزي السير أرثر كونان دويل Sir Arthur Conan Doyle وتخطف قلوب القرَّاء الأوروبيين، بمن فيهم الفرنسيون، بالرغم من المنافسة التي لا تزال محتدمة بين إنجلترا وفرنسا. وكي يبعث في نفس لوبلان الحماسة لمعرفته أن الأخير لا يحيد عن الكتابات الجادة، أخبره أنه يبغي أن تصير الرواية التي يكتبها وتعبِّر عن بطل فرنسي علامة فارقة تتميَّز بها فرنسا وتضرب بها المنافسة الإنجليزية.
وبالرغم من أن هذا العمل كان يخالف طموحات لوبلان، لكن المعاناة من الفقر كان لها الكلمة الأخيرة. وعلى هذا، بدأ في كتابة تلك الرواية التي اعتزم أن تكون قصة قصيرة يكتبها لمرَّة واحدة كي يوفِّر لنفسه بضعة نقود. وبدلًا من تقليد شخصية شيرلوك هولمز الإنجليزي الذي يعمل محققًا خاصًا، أضاف لوبلان نكهة فرنسية لبطل عمله، بل وصنع منه لصًا أنيقًا تسحر شخصيته كل من يراه أو يتعامل، لما يتميَّز به من ابتسامة عذبة وأناقة باريسية وأسلوب لا يحيد عن الرقي وردود فعل «الجنتلمان». ومن أبرز مميزاته أيضًا ذكاؤه الفذّ الذي يمكنه من الإفلات من أيدي رجال الشرطة، وتلافِي الوقوع في الأخطاء، بالإضافة إلى شخصيته النبيلة التي تجعل منه بطلًا لكل من يقع عليه ظلم أو عدوان.
ويبدو أن موريس لوبلان، دون قصد، قد مزج الكتابة الجادة النفسية والواقعية بالأحداث المثيرة الشائقة التي تبرز مغامرات هذا اللص. المفاجأة التي لم يكن يتوقَّعها هو هذا النجاح الباهر الذي حققته قصته القصيرة فور صدورها، وأنه بين عشية وضحاها قد اكتسب كل الشهرة الجماهيرية التي كان يأمل أن ينالها عندما ترك منزل والده وذهب إلى فرنسا. وبسبب بريق الشهرة وكذلك تحت إلحاح جماهيري متزايد، كرَّس نفسه لكتابة سلسلة من روايات «أرسين لوبين» الذي استطاع أن يصقل من شخصيته مع توالي الأعمال، فظهر خبيرًا بجميع فنون التنكُّر، وكان لرجال الشرطة بمثابة شبح أو سراب، لا يستطيعون تمييز شكله الحقيقي، وهذا بالإضافة إلى تخفيه تحت أسماء أخرى وهمية، تجعل من المستحيل لرجال الشرطة الإمساك به حتى ولو كان ماثلًا أمامهم ويحادثهم، مثلما كان يفعل في كل مرَّة بعد الانتهاء من اقتراف جرائمه.
ولا يضاهي ذلك ما يتميَّز به من رقَّة القلب على الجميع، وعدم ميله للعنف وكرهه للقتل؛ فحسبه أسلوبه الشديد الذكاء عند تنفيذ السرقات، وشخصيته المنظمة التي ابتدعت تقسيم الجرائم إلى تخصصات، واختار أن يكون تخصصه سرقة شديدي الثراء والطبقات الأرستقراطية التي لا تستحق ما بلغته من ثراء، ومثلهم الفاسدون، فصار تخصصه متنفسًا شعبيًا للمعاناة التي تضيق بها صدورهم من تلك الفئات. وكي يزيد من حنق رجال الشرطة، كان يُخلِّف وراءه في مسرح الجريمة بطاقته الشخصية (كارته الخاص) التي تحمل اسمه، أو خطاباً قصيراً يسخر به من المحاولات الفاشلة التي يتكبدها رجال الشرطة للإيقاع به.
ولكي يصبح بطلًا قوميًا، جعل لوبلان من بطله «أرسين لوبين» مثالًا حاضرًا للزمن الجميل الذي كان فيه الذكاء ورجاحة العقل والشعور الوطني الجيَّاش هي السمات السائدة والمحببة لدى جميع الطبقات. أضف إلى كل هذا وذاك، السلوك البطولي الذي كان منهاجًا وطريقًا أصرّ على اتِّباعه مهما واجه من مصاعب بسبب الإصرار على عدم الحياد عن هذا الدرب القويم، كما يعتقد. ولهذا، لم يكتفِ فقط بأخلاق الفارس النبيل، لكنه أيضًا كان يبرز الشهامة والسلوك الرجولي الشجاع القويم الذي يساند ويساعد السيدات. وعلى هذا، اتَّسعت القاعدة الشعبية لمحبي روايات «أرسين لوبين» لتشمل السيدات أيضًا.
لقد أضحى «أرسين لوبين» شخصية فرنسية قومية بارزة ونبراسًا طمح الجميع للاقتداء به، لدرجة أن القائمين على سير المعارك إبَّان الحرب العالمية الأولى كانوا يقومون بتوزيع كل إصدار حديث لسلسلة روايات «أرسين لوبين» على الجنود في الخنادق، الذين كانوا يلتفون لقراءتها والاستمتاع بها، حتى ولو كانوا في أقصى درجات المعاناة. وعلى هذا، طالبت السلطات «موريس لوبلان» إبَّان الحرب العالمية الأولى أن يكتب رواية لـ «أرسين لوبين» يكون قد التحق فيها بالجيش ويحقق بطولات، وهذا من أجل تحفيز الجنود وإشعال نار الحماسة في صدورهم. فما كان منه إلَّا أن كتب رواية حققت نجاحًا باهرًا تحكي عن «أرسين لوبين» الذي صار ضابطًا في الجيش وأصبح يتعاون مع رجال الحكومة ويخطط لكيفية قتال الأعداء وهزيمتهم.
وأمَّا الأمر الطريف حقًّا، فهو أن شهرة «أرسين لوبين» امتدت إلى إنجلترا نفسها وحققت هناك نجاحًا جماهيريًا منقطع النظير، نافس شهرة سلسلة «شيرلوك هولمز» التي كان مستهل كتابتها عام 1887، في حين أن سلسلة روايات «أرسين لوبين» ظهرت أول قصة فيها عام 1905. وعلى هذا، قام «سير أرثر كونان دويل» برفع قضية على «موريس لوبلان» متهمًا إيَّاه بسرقة أفكار سلسلة رواياته. الرد العملي الصادم من «موريس لوبلان» على هذه القضية كان مطابقًا لأسلوب شخصية «أرسين لوبين» الساخرة، وكأنه قد تماهى مع البطل الذي صنعه وابتلع كل منهما الآخر. ومن ثمَّ، بعد نفيه التهمة في المحكمة، ألَّف رواية أخرى لبطله الشهير المحبوب «أرسين لوبين» تحت عنوان «هيرلوك شولمز» Herlock Sholmes ليسخر بها من كلٍ من «أرثر كونان دويل» وشخصية «شيرلوك هولمز» التي يحميها.
وبسبب تأثير «أرسين لوبين» على الشعب الفرنسي، ظهر مصطلح «اللوبانوفيليا» Lupinophilia أي «عاشقي شخصية أرسين لوبين» وتبلور هذا العشق في شكل جمعية أسسها الكاتب والفيلسوف الفرنسي فرانسوا جورج موجارلون François-George Maugarlone (المولود عام 1947) ولا يزال يدير تلك الجمعية، بل إنه كتب مقالات وأبحاثاً تبرز الجوانب المتشابكة لشخصية «أرسين لوبين» العميقة، وأطلق عليه اسم «الجنتلمان الفيلسوف». بل وقفز «أرسين لوبين» من عالم الخيال وأضحى شخصية حقيقية لها مكانة في عالم الواقع، لدرجة أنه قد خصص لها كاتبها متحفًا خاصًا في فيلته الساحلية الفخمة الواقعة في مدينة «إتريتا» في مقاطعة «نورماندي» الفرنسية، ويزخر المتحف بجميع ملابس «أرسين لوبين» ومقتنياته الشخصية وأدوات التنكُّر وصوره المختلفة، كما كانت مذكورة تمامًا في سلسلة رواياته.
الأبطال الشعبية تتميَّز بسمات شخصية تتنافى تمامًا مع جميع المعايير المنطقية للبطل التقليدي المتعارف عليه. والمعيار الحقيقي لأي بطل شعبي لكي يسكن قلوب الجماهير، هو عدم الحياد عن الطريق القويم لمناصرة الضعفاء. أضف إلى ذلك، أنه يجب أن يكون بعيدًا كل البعد عن القسوة، ويجب أيضًا أن يتوَّج كل تلك السمات بالذكاء والحصافة وخفة الدم التي تجعل من الجدِّية المُفرطة منهاجًا محببًا يمكن اتباعه بطريقة غير مباشرة، تخلو من التجهُّم والسلوك الذي قد يُصبح منفِّرًا ومبالغًا فيه، تمامًا كما فعل «موريس لوبلان» عندما بدل مسار أسلوبه الجاد المُعقَّد في الكتابة وبدَّله بآخر شائق خفيف الظل، لكن أيضًا لا يحيد عن الجدِّية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول وجيه:

    طريقة السرد واختيار هذه الروايه وإيصال الفكره كانت موفقه ومشوقه في آن.

  2. يقول أسامة كلٌيٌَة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أختي نعيمة عبد الجواد. بالفعل المقال مكتوب بسرد مشوق كما قال الأخ وجيه، لكن مع ذلك لاتعني لي كثيراً هذه القصص أو الروايات ولا أهتم كثيراً بالأبطال الشعبية. أذكر أنه يوجد فيلم بعنوان “لصوص لكن ظرفاء” وكلمة ظرفاء تم انتقاءها بدقة لتعطي المعنى المطلوب كما ورد في المقال وهكذا وجدتها أيضاً. لكن لا أذكر أنني حضرت الفيلم رغم أني يومها كنت كباقي الناس في مرحلة الشباب من متابعي الأفلام السينمائية لدرجة أني ذات مرة في أحد الأعياد ذهبت إلى مدينة اللاذقية التي تبعد حوالي ٢٠ كم من قريتنا وحضرت ثلاث أفلام في يوم واحد.

اشترك في قائمتنا البريدية