طرابلس – «القدس العربي» : الرابع والعشرون من كانون الأول / ديسمبر هو اليوم الذي ينتظره الليبيون جميعاً بعد سنوات من الصراعات والنزاعات المسلحة التي راح ضحيتها شباب في مقتبل العمر وشياب وأطفال ونساء، لما سيمثله من نقلة تاريخية لليبيا، وقد شهد الثلاثاء إتمام أولى الخطوات والإجراءات لهذا الاستحقاق المنتظر، بل عمودها الفقري .
القاعدة الدستورية التي ستبنى عليها الانتخابات المنتظرة أحيلت رسمياً لملتقى الحوار السياسي، حسب بيان أصدره المبعوث الخاص إلى ليبيا، يان كوبيتش، وقد جاءت هذه الإحالة عقب اجتماعات تضمنت نقاشات وخلافات حادة حول بنود مهمة ومصيرية في المرحلة المقبلة.
ورغم إحالة الصيغة النهائية للقاعدة الدستورية إلا أن نقاطاً هي الأهم لم تستطع اللجنة المشكلة من الأمم المتحدة حسمها بل كانت سبباً في تأجيل صياغة القاعدة وتأخيرها، أهمها وأبرزها آلية الانتخاب التي ستكون إما من البرلمان أو من الشعب بشكل مباشر، وكل مسار محفوف بمخاطر مختلفة .
«القدس العربي» تحصلت وبشكل حصري على نسخة من القاعدة المحالة للملتقى، وقد تضمنت الخريطة بشكل رئيسي كبداية تعديل الفقرة 12 من المادة 30 في الإعلان الدستوري، بحيث تتضمن تأجيل طرح الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد انتخابات كانون الأول/ ديسمبر وحتى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة على أن تعمل السلطة على تعجيل الاستفتاء على الدستور.
القاعدة تضمنت في بندها الثاني أن ينتخب مجلس النواب من خلال الانتخاب الحر من الشعب، بتمثيل بنسبة 30% للمرأة وبضمان تمثيل عادل للأقليات لدى الشعب الليبي، وأن يتخد من مدينة بنغازي مقراً رسمياً له، على أن يعقد أول اجتماعاته برئاسة الأكبر سناً، ويكون الأصغر مقرراً له، وتكون أول جلسة عقب أسبوعين من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات .
الصلاحية الأكبر لمجلس النواب في القاعدة الدستورية منحت لأغلبية أعضائه، إقرار بالإجراءات الدستورية وإعلان حالات السلم والحرب، ومنح الامتيازات للاستثمار الأجنبي، وقد وضعت القاعدة الدستورية حداً زمنياً لولاية مجلس النواب المنتخب بأربع سنوات فقط ، وينتخب آخر من خلال الدستور الدائم الذي يجب على مجلس النواب إتمام استحقاقه في أجل وقدره ستة أشهر فقط، أما في حال تعذر الاستفتاء عليه فتتم الانتخابات من خلال ذات القاعدة.
رئيس مجلس النواب، وكما حددت القاعدة الدستورية، يجب أن ينتخب بالإضافة إلى نائبيه خلال أسبوعين فقط، وتكون ولاية كل منهم سنة واحدة غير قابلة للتجديد، على أن يضمن وضع لائحة داخلية وعقد جلسات علنية بشكل كامل، وعلى أن لا يجمع أي عضو بين عضويته في مجلس النواب ووظيفة أخرى في إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية.
واشترطت القاعدة الدستورية المحالة أن يكون إسقاط عضوية النائب من البرلمان بثلثي أعضائه، أما عن الإجراءات المتخدة عند شغور المقعد النيابي فهي اختيار مرشح بديل وفقاً للقانون الانتخابي، وإشعار المفوضية الوطنية للانتخابات في مدة أقصاها عشرة أيام، أما عن أهم مهام المجلس فتمثلت في الإشراف على عمل السلطة التنفيذية ومنح الثقة وسحبها من الحكومة وإقرار الميزانية العامة للدولة، على أن يكون قرار سحب الثقة من الحكومة بأغلبية مطلقة، وتستمر في تسيير أعمالها حتى تكليف أخرى .
السلطة التنفيذية
ومع الخلاف الدائر بين أعضاء اللجنة القانونية حول آلية انتخاب الرئيس بشكل مباشر من الشعب أو من البرلمان، قدمت القاعدة الدستورية مقترحين بالخصوص، حتى يتولى ملتقى الحوار السياسي النظر فيها وحسمها، ورغم أهمية هذه النقطة إلا أن حساسيتها تشفع لأعضاء اللجنة مقترنة بالوضع الحرج الذي تمر به البلاد.
حيث إن كل مسار من انتخاب الرئيس تحوم حوله مخاطر عديدة فإن انتخب الرئيس من البرلمان سيظل تابعاً له وحكراً عليه وسيسيره، وسيرتبط به في القرارات والإجراءات، أما إن انتخب من الشعب وسط الانقسام في المؤسسة العسكرية وسيطرة حفتر على الشرق الليبي فلن تضمن نزاهة التصويت في المناطق الواقعة في إطار نفوذه، ولن يخرج منهم إلا من يبارك له حفتر وأبناؤه .
القاعدة الدستورية وفي حالة انتخاب الرئيس من البرلمان اشترطت أن يحصل كل مترشح على تزكيتين من كل دائرة انتخابية، وأن يحصل على ثلثي أصوات الأعضاء، وإن لم يحصل أحد على الثلثين تنظم جلسة أخرى خلال أسبوع يشارك فيها المرشحان الحاصلان على أكبر عدد من الأصوات، ويفوز صاحب أكبر عدد من الأصوات على أن تضم نصف النواب على الأقل .
أما عن خيار الانتخاب من الشعب مباشرة، فقد جاء في الخريطة أن ينتخب بالاقتراع الحر المباشر وبالأغلبية المطلقة للأصوات، على أن تنظم جولة أخرى خلال أسبوعين في حال لم يتحصل أي من المترشحين على غالبية الأصوات .
شروط الترشح والاختصاصات
حملت القاعدة الدستورية أيضاً شروطاً لترشح الرئيس أبرزها أن لا يحمل جنسية أخرى، وأن لا يكون قد أدين في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، وأن يحصل على تزكية 5000 مواطن من الشعب الليبي.
أما عن اختصاصات الرئيس، فقد منح صلاحية اختيار رئيس الوزراء أو إعفائه من مهامه وتكليفه بتشكيل حكومته، وتمثيل الدولة دبلوماسياً، فضلاً عن مهام القائد الأعلى للجيش الليبي، وتعيين السفراء وكبار الموظفين، وإعلان حالة الطوارئ.
إقالة الرئيس أو اتهامه بالخيانة العظمى، وضع تحت يدي أغلبية أعضاء البرلمان الليبي بأغلبية تلثي الأعضاء على أن يحاكم أمام المحكمة العليا .
أما عن اختصاصات مجلس الوزراء فهي تنفيذية تتمثل في سياسة الحكومة والميزانية، واقتراح مشروعات القوانين، وإصدار اللوائح والقرارات والتفاوض حول المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وأيضاً اشترط أن يكون متقلد أي منصب في مجلس الوزراء ليبياً لا يحمل أي جنسية أخرى ولا متهم في قضايا .
القاعدة الدستورية حاولت أن تعالج مسألة التفرد في القرار فأعطت معظم الصلاحيات لمجلس الوزراء، أما عن رئيس الوزراء فصلاحياته تقتصر على الدعوة للاجتماعات والتشاور حول حكومته مع رئيس الحكومة، وتعيين وكلاء الوزارات.
وفي ختام القاعدة الدستورية جاء فيها أن تحتكر الدولة حيازة السلاح ومؤسسات الجيش والشرطة، وعلى صعيد المسار الدستوري فنصت على تكوين لجنة فنية في فترة لا تتجاوز السنتين لإيجاد حلول للاعتراضات حول الدستور.
ومع إصدار هذه القاعدة الدستورية وتأكيد المبعوث الخاص على رغبته في إحالتها لمجلس النواب لاعتمادها، تبقى الأنظار تحوم حول الأخير وقدرته على إقرارها في الوقت المحدد وهو الذي تشتعل الخلافات بين أعضائه منذ فترة لأسباب عدة.