مأزق تركيا في إدلب

حجم الخط
12

مع تسرب أنباء عن أن تركيا أبلغت فعلا الفصائل المعارضة القريبة منها، أن اتفاقيات سوتشي واستانة مع روسيا وايران، تعتبر لاغية، تضع تركيا نفسها في موضع محرج مجددا، كونها قدّمت نفسها في آخر نسخة من اتفاقات المناطق الآمنة، كدولة ضامنة في اتفاقية مناطق خفض التصعيد، التي شملت أربع مناطق للمعارضة، وفشلت في ضمان أي حماية لتلك المناطق من هجمات النظام وحليفتيها في أستانة روسيا وإيران.
فبعد سقوط المناطق التي ضمنتها تركيا في الغوطة ودرعا وريف حمص، عادت إدلب لتشكل اختبارا جديدا لمدى قدرة تركيا على فرض وزنها الإقليمي في الملف السوري، والإيفاء بتعهداتها كدولة ضامنة، وتنفست المعارضة السورية الصعداء عندما قاومت تركيا مساعي روسيا والنظام لبدء هجوم لاستعادة إدلب، وأنجزت اتفاقا جديدا لشريط عازل، ووقف مؤقت لإطلاق النار، لكن المسؤولين الروس والسوريين أكدوا أن الاتفاق مؤقت، ولم يكن معرفة ذلك يتطلب تصريحا من لافروف، لأن المتابع لمسار النزاع في سوريا، يدرك أن النظام السوري وحليفتيه روسيا وايران، لن يتركوا منطقة في سوريا خارج سيطرة النظام، وأن طريق التفاهمات السابقة في أستانة وسوتشي كان مجرد جهد سياسي من حلفاء النظام في طهران وموسكو، لتأجيل معارك ثانوية مقابل المعارك الأهم في كل مرحلة، فأقنعوا فصائل المعارضة المرتبطة بتركيا بتهدئة جبهة الغوطة وحمص ودرعا، بينما كان النظام منشغلا في حملة كبرى في السخنة ودير الزور، لمسابقة النفوذ الامريكي في منطقة الحدود، ثم استفرد النظام بتلك المناطق واحدة تلو الاخرى، وكأنها كانت تنتظر مصيرها مستسلمة، وسارعت القوى الثورية للانخراط السريع بالمصالحات والتسويات، ليصبح مقاتلو دوما عناصر في جيش النظام اليوم في إدلب، بل يلقى 14 عنصرا منهم حتفهم بصفوف النظام! هذا التخبط لعب عدد من الدول الداعمة دورا في تعزيزه لدى الفصائل، المهيئة أصلا له، فحتى المناطق التي تسيطر عليها تركيا اليوم في عفرين ودرع الفرات، باتت مناطق خضراء للنظام غير مسموح لفصائل تركيا فيها بمهاجمة النظام، ومن يفعل ذلك ككتيبة الشرقية بقيادة أبوخولة الموحسن، الذي هاجم تادف، تتم معاقبته، ليقوم بالانشقاق مؤخرا عن درع الفرات وينضم لجيش العزة، بينما أصبحت ساحة إدلب الخاضعة لتحرير الشام هي الساحة الوحيدة التي يمكن للثورة أن تقاتل فيها النظام، فانتقلت بعض فصائل تركيا لإدلب للقتال هناك، بدون أن تستطيع فتح معركة واحدة من مناطق درع الفرات التركية باتجاه تل رفعت أو تادف.
وهكذا كان من المفترض منذ البداية التموضع التركي الجديد لجانب روسيا وإيران في الملف السوري، وأن أي مشاركة لتركيا في أي اتفاقات ضمان، محكوم عليهم بالدوران في حلقة السياسة الروسية الداعمة للأسد، مع منح أنقرة أولوية للتهديد الكردي والتطبيع مع النظام السوري، واتضح ألا قوة اقليمية أو دولية قادرة على معادلة النفوذ الإيراني والروسي في سوريا، فهما بالتالي وما داما خاضا حربا لسنوات لتعزير سلطة الأسد، واجها فيها قوى دولية وإقليمية، مؤيدة للمعارضة، فلن يقبلا أن تشكل أنقرة أي عائق أمامهما لإكمال مشروعهما لدعم الاسد، وصولا للسيطرة على إدلب في الشهور المقبلة، رغم الثمن الباهظ الذي سيدفعه النظام، بسبب المقاومة الشرسة للجهاديين في تحرير الشام والتركستان وجيش المهاجرين والانصار وانصار الدين وحليفها جيش العزة، وما بعد إدلب، سيكون على تركيا في العام المقبل ربما، إخلاء جنودها من درع الفرات وعفرين لتعود سيطرة الاسد، التزاما بالتفاهمات مع روسيا، التي سمحت أصلا لتركيا بدخول هاتين المنطقتين، دخلت وهذا ما لا يستوعبه الكثير من منظري المعارضة السورية، الذين يعتقدون أن تلك المناطق ستكون آمنة مستقبلا للمعارضة السورية والنازحين.

أحد أسباب انحسار الثورة السورية هو ضعف فعالية حلفائها، مقارنة بحلفاء الأسد، إيران وروسيا

الامر نفسه ينطبق على توقعات «المظلة الآمنة التركية في إدلب»، ورغم أننا أشرنا منذ تسعة شهور، في هذه الزاوية إلى أن تركيا لن تستطيع فعل شيء لمواجهة الهجوم المرتقب منذ شهور على إدلب، بل توقعنا أن نقاط المراقبة التركية «ستكتفي بالمراقبة» عند بدء الهجوم، لكن وكعادة المحللين المتعاطفين مع تركيا، انطلقوا في تصورات خلبية، تضخم من القدرة التركية على تشكيل «مظلة آمنة» لإدلب، واستبعدوا تنازل تركيا عن موقفها المعاند والحامي لإدلب، قبل أن يتبين أن المظلة التركية «مثقوبة»، فالوزن السياسي والعسكري لتركيا في سوريا اليوم لا يؤهلها للعب هذا الدور، بل إن انقرة تحدثت وعلى لسان كبار مسؤوليها أنها لا تمانع بعودة سيطرة النظام على أراضيه، إذ إن تركيا باتت تنظر للأسد على انه تهديد ثانوي مقابل التهديد الكردي المتنامي، لكن ولسوء التقديرات والإمكانيات التركية، لا هي واجهت التهديد الثانوي، الأسد، ولا هي استطاعت إكمال مهمتها التي طالما وعدت وتوعدت بها، بتطهير شرق الفرات من القوى الكردية المناوئة لها، إذ إن القيود الامريكية الروسية منعتها هذه المرة من التوغل مجددا في الاراضي السورية، على عكس ايران التي تتوغل في أربع دول عربية وترسل ميليشياتها بدون انتظار إذن من أحد، وهذا يقودنا ربما لطبيعة السياسات والنفوذ الخارجي الهش لتركيا في دول الجوار العربي، خصوصا العراق وسوريا، اللذين تعرضا لهجمة طائفية كبيرة، تأمل فيهما المكون السني أن يلعب الاتراك دورا في معادلة الدور الايراني، لكن هذه الأمنيات لم تكن خاضعة لأي قراءة تحليلية تقيس موازين القوى وفرق النفوذ الاقليمي بين البلدين، وطبيعة سياساتهما الخارجية.
لا شك أن تركيا لا ترغب برؤية حمام الدم في إدلب، وسبق أن أعلنت رسميا أن الهجوم على ادلب سيسبب لها ازمة جديدة متمثلة بنزوح الالاف لتركيا، ولكن تركيا وضعت نفسها في موقف لا تحسد عليه، فلا هي تمكنت من احترام تعهداتها كدولة ضامنة، ولا أرغمت روسيا وايران على وقف هجومهم على ادلب، ولذلك ارتفعت أصوات النقد والاتهام لتركيا، بأنها شريك لروسيا في الهجوم، وانها تنسق معها لإنهاء المعارضة، وهذا اتهام غير موضوعي وقفز لاستنتاجات غير صحيحة، فإن تكون تركيا «غير قادرة» على دعم المعارضة لا يعني أنها «متآمرة عليها»! السياسة التركية في الملف السوري قد توصف بأنها محدودة التأثير وسيئة التقديرات، لكن هذا لا يعني انها متآمرة مع روسيا لمحاربة المعارضة.
ما يحصل من تراجع تركي في إدلب، يذكرنا ايضا، بإحدى الحقائق الماثلة في مسار الثورة السورية، وهي أن أحد أسباب انحسار الثورة السورية هو ضعف فعالية حلفائها، مقارنة بحلفاء الأسد، ايران وروسيا.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أبو حمزة الشامي:

    منذ بداية الثورة سمح لإيران و ميليشياتها بدعم نظام سوريا الطائفي البغيض و في المقابل تم الضغط على كل من حاول دعم الثورة السورية، كلنا يعلم ما حصل لتركيا و إيران و الرئيس مرسي بسبب موقفهم من الثورة السورية.
    كانت أمريكا العدو الخفي للثورة

  2. يقول أبو حمزة الشامي:

    منذ بداية الثورة سمح لإيران و ميليشياتها بدعم نظام سوريا الطائفي البغيض و في المقابل تم الضغط على كل من حاول دعم الثورة السورية، كلنا يعلم ما حصل لتركيا و إيران و الرئيس مرسي بسبب موقفهم من الثورة السورية.
    كانت أمريكا و اعوانها العدو الخفي للثورة

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    بمقدور تركيا تزويد الثوار بصواريخ أرض جو للدفاع عن عائلاتهم من قصف النظام وأسياده! إنها السياسة البراغماتية التركية!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول علي حسين أبو طالب / السويد:

    ” ما يحصل من تراجع تركي في إدلب، يذكرنا ايضا، بإحدى الحقائق الماثلة في مسار الثورة السورية، وهي أن أحد أسباب انحسار الثورة السورية هو ضعف فعالية حلفائها، مقارنة بحلفاء الأسد، ايران وروسيا ” إهـ .
    حلفاء ” الثورة السورية ” لم يبخلوا بشيء في دعمها ماليا و سياسيا و عسكريا و منها المباشر , و لم تلق جهة سياسية مثل ما تلقته من دعم دولي سوى كيانيين هما إسرائيل و السعودية , إن أسباب إنحسار و الأولى إندحار هذه ” الثورة ” هو إرتهانها إلى أعداءسوريا و هما إسرائيل و أمريكا و حلفائهما الأوروبيون و العرب , و العامل الأهم في هذا الإندحار هو صمود الشعب السوري بقيادة جيشه الوطني و قيادته المخلصة و الحلفاء الطيبين , و لا يمكن للحق إلا أن ينتصر .

    1. يقول الكروي داود النرويج:

      قيادة مخلصة؟ لمن يا جاري العزيز؟ وماذا عن البراميل, المعتقلين, المعذبين, المقتلين, اللاجئين, قليل من الإنصاف هدانا وهداكم الله!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  5. يقول محمد السوري:

    كل ماجاء في المقال هو الحقيقة نحن نعرف ان تركية لاتزيد ان تتخلى عن أهل السنة في سورية ولكن أيديها مكبلة ليس فقط من قبل الروس ولكن من قبل الحلف الصهيوصليبي وحلف حثالة العرب عملاء الحلف الصليبي اللذين يديرون الصورة المضادة ضد الربيع العربي ولكن لنا أمل كبير بحدوث معجزة وهي اما حرب خليجية إيرانية للتلقي ولاتذر

  6. يقول سوري:

    الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه تركيا أنها بدلت حليفها الأمريكي بحليف مزيف روسي فروسيا هي عدوة تركيا التاريخي وكانت تلعب دور السد المنيع في توسع الاتحاد السوفييتي لذا فإن الروس لا يرون في تركيا سوى حليف تكتيكي كي يصلوا إلى أهدافهم ومن ثم سينهون هذا التحالف، من الأفضل لتركيا اليوم ان تعيد حساباتها والمعارضة السورية وقعت ضحية حسابات خاطئة وظنت ان انظمة الأعاريب الداعمة لها ستظل داعمة لها حتى النهاية

  7. يقول تيسير خرما:

    حل مشاكل تركيا بانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة تنتج إدارة جديدة للسياسة والاقتصاد ومعاملة العرب والعالم وإلغاء دولة فوق الدولة وإلغاء تعديلات دستورية وقوانين وتفكيك أجهزة أمن تضطهد شعوب تركيا وخفض موازنة حكومة وجيش للربع لوقف تراكم مديونية فلكية ووقف تدريب وتمرير إرهابيين وغسيل أموال وسحب قواتها من الوطن العربي وترك مياه فرات ودجلة تنساب بلا عوائق لسوريا والعراق واعتماد ثقافة أول دولة مدنية بالعالم أنشاها محمد (ص) بوثيقة المدينة تحترم مكونات وحقوق إنسان ومرأة وطفل وتحمي نفس ومال وعرض وعدالة

    1. يقول محمد السوري:

      اللذي اثار لدي الضحك في تعليقك هو ان على تركية ان تحل اجهزة امن تضطهد ( شعوب) تركية لكي تعم الحرية والديمقراطية فهل تعني حرية القتل وديمقراطية البي كاكا المجرمة ام ديمقراطية الصليبيين حماة المجرمين من البي كاكا لقد غاب عن بالك ان الشعب التركي هو من افشل انقلاب الصليبيين ضد الحكومة التركية وأفشل كل الحروب الإقتصادية والمخابراتية

  8. يقول سامح //الأردن:

    *يا أخ (وائل عصام) حياك الله والجميع.
    القاصي والداني يعرف أن تركيا مشكلتها
    الأساسية هي (اكراد سوريا)..؟؟؟
    لا تتساهل ولا تنحي ولا تتراجع في
    هذا الملف مهما كلفها الأمر.
    *باقي الملفات (تركيا) تتعاطى معها
    بواقعية وحسب الظروف..

  9. يقول سلام عادل(المانيا):

    انه غباء الحكومة السورية والمعارضة فالمؤامرة على سوريا واضحة جدا كدولة وشعب فالهدف معروف كما حدث في العراق وهو دولة بدون اي تاثير اقليمي وهذا هو هدف اسرائيل وامريكا ودول الخليج وتركيا وروسيا وايران ولكل هؤلاء اهداف محددة فدول الخليج حققت هدفها بان انهت من يزاحمها بزعامة الجامعة العربية والقضايا العربية كما فعلت مع ليبيا ولذلك انسحبت جميعا وتركوا المعارضة كاليتامى

  10. يقول سعدون الباهلي:

    (أحد أسباب انحسار الثورة السورية هو ضعف فعالية حلفائها، مقارنة بحلفاء الأسد، إيران وروسيا).كل ثورة أو حركة تحرر تربط نضالها بجهة خارجية من الحلفاء تفشل.وكل ثورة أو حركة تحرر تحقق النصر تسارع لاحتضانها القوى الخارجية لتوحي للآخرين أنها وراء ذلك النصر.الحركة والثورة الحرة الواعية لا تدع لفكي المقص أن ينالا منها : لا عند الانطلاق ولا عند الانتصار.وقليل ما هم.وحين
    تفشل القوى الخارجية النيل من تلك الثورة أو الحركة المنتصرة ( تغزل ) حولها الأكاذيب والحرب النفسية الرمادية لتشويهها وزعزعة
    انتصارها.لذلك عند ارتباط الثورة السورية بقوى خارجية مجاورة أو بعيدة ، حملت معها تابوتها ولحدها الجنائزي.

اشترك في قائمتنا البريدية