بادئ ذي بدء نتضامن مع الشاب الفرنسي مدرس التاريخ صامويل باتي وعائلته، ونستنكر الجريمة التي أودت بحياته فالقتل فعل منبوذ في كل الشرائع، وعند كل الشعوب، ينأى عنه الخلق والفطرة الإنسانية، ناهيك من التمثيل أو قطع الأعضاء، وقد توالت الأحداث الجسام في السنوات الأخيرة في فرنسا من اعتداء على مقر جريدة «شارلي إيبدو» إلى الهجوم على الباتكلان، ثم هذا الحادث الذي أودى بحياة المدرس الفرنسي.
كثير من أفعال العنف على التراب الفرنسي، التي ندينها، يردد ساسة فرنسا وإعلامها المفتقد للموضوعية، أنها جراء عدوانية الإسلام ورجعيته بصفة عامة، وأن الأصوليين نتيجة للتربية الإسلامية الظلامية القروسطية، ولكنهم لا يذهبون في التحليل والمكاشفة، إلى أن بعض هذه الأفعال والمشاعر الغاضبة، هي أحيانا ردات أفعال سياسية لبست لبوس الدين، على فرنسا لتدخلها في البلاد الإسلامية والعربية خاصة، وروحها الاستعمارية التي ترفض بصلف التخلي عنها، وسياستها العنصرية في التعامل مع المهاجرين، وتصنيفهم ضمنيا مواطنين من درجات دنيا، ووصمهم بكافة أشكال التخلف والتردي والعنف.
الأستاذ الفرنسي ضحية لخطاب الكراهية والاستفزاز، قبل أن يكون ضحية لسكين ذلك المتطرف، الذي ذبحه وقطع رأسه، فهو يعرف فقط حرية النقد والسخرية، ولا يعرف أن مس مشاعر الآخرين فعل فظ أيضا، فما فائدة السخرية من نبي لمجرد الإضحاك والتسلية، في حين أن ذلك النبي يقدسه مليارا مسلم أليست هذه أيضا جريمة؟ الشاب القاتل والشاب المقتول كلاهما ضحيتان لخطاب التطرف والتجهيل الممنهج، ولو أن صامويل تعلم في مدارس «الأنوار» مبدأ الاحترام والنقد البناء، لأمسك نفسه عن مجرد الإضحاك والتسلية، ولو أن ساسة فرنسا عقدوا ندوة وطنية واستشاروا خبراء بعد حادثة «شارلي إيبدو» لتم تدارك الأمر قبل استفحاله، ولما وصلت الحال إلى جريمة قتل المدرس، ولكنهم ظلوا يطنطنون بالإرهاب الإسلامي، حتى وقعت هذه الحادثة، التي هي مؤشر على تصاعد الأعمال مستقبلا، في حالة ما لم يتم حل المشكل من جذوره، بتجريم الاعتداء على الديانات لمجرد السخرية، وبث خطابات الكراهية والحقد والاستعلاء العنصري.
المقاطعة سلوك حضاري يقول بلغة اقتصادية لا نريد بضائعكم، فلسنا مجرد أفواه وبطون مستهلكة، ولكننا أصحاب شرف وتاريخ وعرض
كما أن القاتل، ارتكب خطأ في حق المسلمين والإسلام، فهو ليس موكلا بالرد، وإنصاف النبي محمد عليه السلام، فدفاعه بهذا الشكل سيعقد من وضعية المسلمين في فرنسا، ويفتح مزيدا من ردات الفعل العنيفة من الطرف الآخر، ومزيدا من مشاعر الاستخفاف والكراهية، فالمسألة موكلة برجالات الفكر والإسلام والساسة في فرنسا والمنظمات الإسلامية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، عبر الحوار والاحترام المتبادل، وسن التشريعات التي تمنع تكرر الإساءة لمجرد الإساءة، وبث خطابات الكراهية والحقد والاستعلاء العنصري. إن العقاب مثلا – ولو أنه موقوت وغير دائم، ولا يمكن له أن يستمر في مقاطعة البضائع الفرنسية – سلوك حضاري من قبل الشعوب العربية والمسلمة، وهو يقول بلغة اقتصادية لا نريد بضائعكم، فلسنا مجرد أفواه وبطون مستهلكة، ولكننا أصحاب شرف وتاريخ وعرض، نأبى أن تدنسوه بهذيانكم . فهل كان هذا الأمر بالمفاجئ لهم، وهم الذين يملكون مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية، ولم يأخذوا العبرة من قضية الرسوم المسيئة في الدنمارك وما حدث من مقاطعة حتى اضطرت الدنمارك إلى الاعتذار فلم تكرر فرنسا الخطأ نفسه؟
يبدو أنه من كثرة الأحداث الدموية في فرنسا في الفترة الأخيرة، أن هذا البلد لديه مشكلة مع الإسلام وأنه لا يحسن التعاطي مع المغتربين ولا مع الإسلام كحقيقة موجودة على التراب الفرنسي، ولا الإسلام كديانة عالمية أغنت التجارب الروحية الإنسانية، ناهيك من العطاء الإسلامي في حقول المعرفة والتحضر والتشريع. كثير من الدول الأوروبية لديها مسلمون، ولم تحدث فيها هذه المشاكل، ألمانيا مثلا أو إسبانيا أو السويد، فالتعاطي الألماني مع الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية جدير بالاحتذاء في أوروبا برمتها، فهناك فرق بين الحكمة والوقار، والرزانة والعلم عند ميركل وطاقمها، والرعونة عند ماكرون وطاقمه، وإلا فما الداعي إلى هذه التصريحات العدوانية والأقوال الاستفزازية من قبل الرئيس الفرنسي في حق الإسلام؟ هل يريد صب الزيت على النار؟ إنه بهذه التصرفات والتصريحات يؤجج مشاعر الكراهية والحقد داخل الجمهورية الفرنسية.
فرنسا التي فيها آلاف الأطباء من المسلمين ومئات الباحثين في المعاهد العلمية الفرنسية، والمركز الوطني للبحث العلمي، وفي كافة الجامعات والمراكز العلمية المرموقة، مسلمون يساهمون في صناعة مجد فرنسا العلمي والثقافي والفني والصناعي، ولا داعي لذكر الأرقام، فهل يريد ماكرون أن يتوقف كل شيء؟ إن هؤلاء الذين يطعن ساسة فرنسا في دينهم بالسخرية، بحجة النقد والفكر الحر المستلهم من ديدرو ومونتيسكو وفولتير وفلاسفة الأنوار، هم الذين يصنعون مجد هذا البلد، ولو أنهم وجدوا الحريات والبنى التحتية للمعرفة والصناعة والحرية والديمقراطية في بلدانهم ما لجأوا إلى فرنسا، وهم لا يعيشون عالة على الفرنسيين، حتى أباؤهم من الجيل الأول، هم الذين اشتغلوا في أحلك الظروف وساهموا في رخاء فرنسا الاقتصادي باعتراف الفرنسيين أنفسهم.
قد يقول قائل إنها حرية الفكر وحرية السخرية من الدين، وفرنسا بلد الحريات، ولكن نذكّر الجميع، أن فرنسا نفسها التي تتغنى بالحرية يقول فيلسوفها فولتير «حرية أصابعك تنتهي عند عيون الآخرين»، فهناك فرق بين نقد الفكر ونقد الدين، من حيث هو نقد يراد به البحث عن الحقيقة، والنقد الذي يراد به بث الكراهية والسخرية كما فعلت «شارلي إيبدو» وهذا المدرس. كان المستشرقون الفرنسيون ينتقدون الإسلام في مؤلفاتهم ومحاضراتهم وندواتهم الجامعية والتلفزيونية، فما تعرض لهم أحد بشيء بل كانوا يأتون إلى العالم الإسلامي مرحبا بهم، وبعضهم يكتب بشيء قليل أو كثير من الموضوعية والآخر بشيء من الاستعلاء العنصري أو التبعية لوزارة الخارجية الفرنسية، ومع ذلك فإن كتبهم مترجمة إلى العربية هل نذكر ساسة فرنسا، بسلفستر دي ساسي ولويس ماسينيون وبلاشير وجاك بيرك ومكسيم رودنسون وغيرهم؟ كما أن اتخاذ الهجوم على الإسلام حصان طروادة للفوز بالانتخابات مرة ثانية، من قبل الرئيس ماكرون والتغطية على مشاكل فرنسا الاقتصادية والاجتماعية باتخاذ الإسلام كبش فداء، فمسألة غير أخلاقية وغير ناجعة، لان السحر سينقلب على الساحر.
فرنسا التي تعلم الناس معنى العقد الاجتماعي في فلسفة روسو وفضيلة الدين في الحياة الاجتماعية، عند دوركايم وأهمية التجربة الروحية بغض النظر عن صلتها بالواقع العلمي والخبر ة الحياتية، كما عند لوسيان غولدمان ومدرسة الحوليات، مجبرة على سن تشريعات توقف خطابات السخرية والكراهية والاستعلاء، ضمانا لديمومة السلم الاجتماعي.
إن الدين مسألة شخصية داخل المجتمع الفرنسي، وهو غير قابل للنقاش، ولكل شخص الحق في ممارسة اعتقاده وطقوسه في إطار فضاء المواطنة وعلى كل شخص أن يحترم غيره، وأن لا يسخر من عقيدته وطقوسه ورموزه الدينية، وإلا عدنا إلى القروسطية ونحن ندعي الحداثة والمدنية والتقدم.. ولا يخفى على الحصيف الفرق بين النقد البريء الباحث عن الحقيقة والسخرية والكراهية والعنصرية.
كاتب جزائري