ماذا بعد «الطوفان»؟

حجم الخط
15

السبت، السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كُسرت جدران السجن الكبير، الذين خرجوا ليسوا مجرد مقاتلين يبحثون عن عدوهم، بل سجناء حُكم عليهم بالسجن المؤبد، خرجوا بحثاً عن سجانيهم.
خرج السجناء بعد سنوات طويلة من الحبس، كانوا خلالها يتصورون شكل العالم الخارجي، دون أن يروه، لسنوات طويلة داخل جدران السجن، حيث كانوا يسمعون عن عالم آخر، فيه حياة وحرية وسفر، فيما هم محرومون، داخل الجدران، لا يتمتعون بأبسط حقوق الحياة التي يتمتع بها الناس خارج جدران أكبر سجن في العالم.
فجأة هدموا الجدار وخرجوا بمشاعر فيها مزيج من الفرحة التي تجسدت بالسجود على تراب طال اشتياقهم إليه، كطول اشتياقهم للحظات الحرية، مع رغبة في الانتقام من السجان، والحرص على أخذ السجان إلى السجن، ليذوق بعض ما ذاق السجناء خلال سنوات طويلة من العزلة عن العالم الخارجي الذي ما كانوا يعرفون عنه شيئاً إلا عبر شاشات التلفزة.
سميت العملية «طوفان الأقصى» ويبدو أنها حاولت استلهام روح حرب أكتوبر التي بدأت يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 الذي صادف يوم السبت، العطلة اليهودية التي فاجأ فيها المصريون والسوريون ومن قاتل معهم من العرب، فاجأوا الإسرائيليين بعبور خط بارليف وحدود الجولان المحتل، ولأن يوم السادس من أكتوبر عام 2023 لم يصادف السبت، فإن مقتضيات المفاجأة حتمت تأجيل «طوفان الأقصى» إلى السابع من أكتوبر، لتصادف يوم السبت، لتفاجأ إسرائيل بعبور المقاومة الفلسطينية «بارليف غزة» أو «جدار الفصل العنصري» وهي المفاجأة التي قالت عنها الصحافة الإسرائيلية إنها «باغتت الجيش وأجهزة الاستخبارات» حيث ساعد تكثيف قوات الاحتلال تواجدها في القدس والضفة الغربية بعيداً عن غزة، واعتمادها على تقنيات التكنولوجيا لمراقبة القطاع، والاستهانة بقدرات المقاومة، كل ذلك ساعد على تنفيذ العملية التي لم يستطع أحد رصدها، حسب كثير من المراقبين.
ولأن الإهانة كانت مذلة للاحتلال، ولأن صداها وصل واشنطن، ولأن العواقب وخيمة على إسرائيل، كطليعة للغرب في المنطقة، كان لا بد من «تدفيع الثمن» وعدم السكوت على مقتل ألف إسرائيلي، وجرح أكثر من ضعفهم، وأسر أعداد غير معلومة، في هزيمة لم تحصل لإسرائيل منذ عام 1973.
ونظراً لكل تلك الاعتبارات كان لا بد من كسر إرادة المقاومة، وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، كي لا يتشكل نموذج مقاوم يحقق النصر، وكي يستمر الحفاظ على مجموعة الأساطير التي بنتها إسرائيل حول قوتها، خلال العقود الماضية.
ما حصل من قبل المقاومة الفلسطينية لم يكن سهلاً على إسرائيل: «الجيش الذي لا يهزم» و«المخابرات الأقوى» وغير تلك من الكليشيهات التي تهاوت في صفعة مدوية تلقاها الاحتلال، ووصل دويها إلى زوايا العالم الأربع، صفعة لا يمكن احتمالها، لا من قبل إسرائيل، ولا من طرف الغرب، الذي صنع إسرائيل على صورته، وخدمة لمصالحه، زاعماً بأنها دولة يهودية، فيما هي دولة غربية استعمارية بامتياز، ولا علاقة لها، لا بالتوراة، ولا بالعهد القديم، لا من قريب ولا من بعيد.

يعتقد نتنياهو أن تنفيذ خطة «الترانسفير» أصبح على الأبواب، وأن اللحظة التاريخية لتهجير سكان غزة منها قد أصبحت مواتية وأن مخططات تهجير 1948 قابلة للتكرار اليوم

ولأن الصفعة كانت قوية فإن الرد كان جريمة حرب: حصار كامل من الماء والغذاء والدواء والطاقة، وحتى معبر رفح على الحدود مع مصر، ممنوع استعماله لجلب مواد الإغاثة، ناهيك على أبواب الجحيم التي فتحتها إسرائيل على أكثر من مليونين يتلقون أمواج النار التي ذوبت الحديد وعظام الأطفال، حيث نفذ الإسرائيليون عملية «شواء أو محرقة» جديدة بحق غزة، بغرض دفع سكانها للنزوح إلى مصر في سياسة معلنة، تدخل بموجبها أمريكا على الخط، لمناقشة فتح ممرات آمنة للغزاويين إلى سيناء.
يعتقد نتنياهو أن تنفيذ خطة «الترانسفير» أصبح على الأبواب، وأن اللحظة التاريخية لتهجير سكان غزة منها قد أصبحت مواتية، والخطة التي كانت تطرح من قبل على استحياء أصبحت تناقش على مستويات قيادية، على أساس أن مخططات تهجير 1948 قابلة للتكرار اليوم، الأمر الذي دفع مصر إلى التصريح عن رفض تهجير سكان غزة، وإنشاء وطن بديل لهم على الأراضي المصرية.
وعند الحديث عن غزة وفلسطين يرد ذكر إيران التي وجهت لها ولأذرعها دعوة صريحة بالمساعدة، ولكنها – وهي التي ما فتئت تتحين الفرصة لـ«محو إسرائيل من الخارطة» – صرحت بأنه لا علاقة لها بما يجري في غزة، وأنها لم تشارك في المعركة، ولم تخطط لها، وأن المقاومة لم تشركها بشيء من ذلك.
تتعامل إيران وأذرعها في اليمن ولبنان وسوريا والعراق مع القضية الفلسطينية بطريقة نفعية، فمن جهة ترفع الشعارات، وترسل العبارات الرنانة، وتتوعد بمحو إسرائيل من الخارطة، فيما يقول وكلاؤها في اليمن إنهم يريدون قطعة أرض إلى جوار فلسطين ليقاتلوا فيها، مع أنهم حسب تصريحاتهم يمتلكون صواريخ يصل مداها إلى قلب إسرائيل، وأما وكلاء طهران في لبنان الذين لديهم حدود مع فلسطين فيلتزمون الصمت، عدا بعض الرشقات النارية المتفق على ألا تتعدى حداً معيناً بين إسرائيل وحزب الله، رفعاً للعتب.
وخلال الأيام الماضية تحول الخطاب الثوري الإيراني إلى خطاب ناعم، أشبه ما يكون ببيانات نشطاء حقوق الإنسان، وتحول «محور المقاومة» إلى «حرب كلام» وتنديد وإدانات ودعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما توجه البعض للصلاة من أجل غزة، وهذا أضعف الإيمان، مع حرص شديد على ممارسة سياسات «النأي بالنفس» عن غزة وفلسطين التي
ترى فيها إيران مجرد صفقة تشارك في أرباحها، لكنها تنأى بنفسها عن الخسائر.
على الجانب الآخر، هناك عالم عربي لا حيلة له، بعض دوله مرتبطة بمعاهدات سلام مع إسرائيل، والبعض أقام علاقات طبيعية مع دولة الاحتلال، ودول أخرى تدور حول جراحها الداخلية التي صرفت عيونها عن «القضية المركزية» وسط حالة ضعف وتفكك سياسياً وأمنياً واقتصادياً، الأمر الذي مكّن إسرائيل من تنفيذ جرائمها المتواصلة ضد الفلسطينيين خلال العقود الماضية، وإلى اليوم.
والآن توازن إسرائيل بين خياراتها في غزة، حيث حشدت مئات آلاف جنود الاحتياط، فيما ينفذ سلاح الجو الإسرائيلي سياسة «الأرض المحروقة» في غزة، تمهيداً لدخولها، حيث يبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مصمم على تنفيذ مخطط التهجير الذي سيكون بعد تقطيع أوصال غزة والقضاء على حكم حماس فيها، حسبما يتصور الإسرائيليون.
ومع ذلك فإن تنفيذ هذا المخطط يبدو في غاية الصعوبة، نظراً للمعارضة المصرية، ولأن دخول غزة لن يكون نزهة بالنسبة للإسرائيليين، ولأن عالم اليوم غير عالم 1948، ولاعتبارات كثيرة تجعل خيارات نتنياهو تبدو صعبة، لأنه إنْ أقدم على تنفيذ مخططاته ضد غزة فإن ذلك لن يكون سهلاً، ولأنه إذا لم يقض على حكم حماس فإن ذلك يعني ضياع مستقبله السياسي.
من هنا يصعب التنبؤ بمرحلة ما بعد «طوفان الأقصى» داخلياً وإقليمياً ودولياً، مع التأكيد على أن الخطط وضعت لكي يجرف هذا الطوفان الكثير من القواعد والأساطير والأرض والبشر، ضمن سياقات يصعب التكهن بمآلاتها النهائية.

كاتب يمني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    طوفان سيقتلع عصابة بني صهيون من أرض فلسطين إلى أبد الآبدين بإذن رب العالمين وعد رب العالمين وكان وعد الله مفعولا 🇩🇿🇵🇸🤕✌️🚀

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    شعار حزب حسن كان وحدة الساحات , أو وحدة الجبهات !
    ننتظر تطبيق هذا الشعار بفلسطين الآن !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول الكروي داود النرويج:

    يمتلك حزب حسن , أكثر من مائة ألف صاروخ !
    و المئآت من الطائرات المسيرة !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. يقول علاء:

    “وخلال الأيام الماضية تحول الخطاب الثوري الإيراني إلى خطاب ناعم، أشبه ما يكون ببيانات نشطاء حقوق الإنسان، وتحول «محور المقاومة» إلى «حرب كلام» وتنديد وإدانات ودعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما توجه البعض للصلاة من أجل غزة، وهذا أضعف الإيمان، مع حرص شديد على ممارسة سياسات «النأي بالنفس» عن غزة وفلسطين”
    هذي هي الحقيقة ولا سواها

  5. يقول مُو تَابِع:

    تقول ان ايران صرحت بأنه لا علاقة لها بما يجري في غزة، وأنها لم تشارك في المعركة، ولم تخطط لها، وأن المقاومة لم تشركها بشيء من ذلك كما لو كانت ايران تتبرأ من المقاومة
    الحقيقة ان خامنئي قال نحن نقبّل جباه وأذرع المصممين ذوي الخبرة والأذكياء والشباب الفلسطيني، لكن من يقول إن الملحمة الأخيرة هي من صنع غير الفلسطينيين فقد أخطأ في حساباته.
    وشتان ما بينهما.

  6. يقول تيسير خرما:

    اعتبر العالم الحر منظمة التحرير حركة إرهاب لعقود حتى التزمت بشرعية دولية فتركتها إسرائيل تعود لفلسطين من تونس وتقيم حكم معتدل معترف به دوليا بالضفة وغزة وتحصل مليارات من دول الخليج ومجموعة السبع واتحاد أوروبي لإقامة بنية تحتية ومطار وميناء واقتصاد دولة وتطوير صحة وتعليم وبرلمان منتخب، لكن دول عرب ومسلمين فضلت تعامل مع حركة تمرد مسلحة بدعوى المقاومة فأضعفت دولة فلسطين وعمت فوضى أتاحت لإسرائيل تدمير ما تم بناؤه وإقناع العالم بتصنيف المقاومة حركة إرهاب تتخذ سكان رهائن والحل العودة لدعم دولة فلسطين.

  7. يقول رواية من أغمات:

    سيدي الفاضل ، أظن انه ليس من اكتر شعوب حبا حقيقيا لنصرة الفلسطينيين كالتي في أمتنا العربية قاطبة ولا ابخس في هدا الاعتقاد المقدس من احد ، انا متأكد بان هدا هو شعور كل عربي تسري في دمه عاطفة القرابة واللغة والدين . سوى اني لا ارى كما يرى العاقلون اننا لا ننكر خفية او جهارا بان دماءنا لا زالت تخفي في جيناتها طفرات من الغل والعصبية يستحيل تصفيتها وتنقيتها ولو بأعتى المرشحات ، امريكا تعرف دلك لقد قرأوا تاريخنا المشوب بالتخادل والنزاعات لدلك يتعجبون كيف ينتهي بالانقضاض والتمكن !! فداك الخلاف هو الدي خلق بني امية و بعدها بنو عباس وهرب الخلاف من بلدان الشام الى الاندلس ومن ورائها أمراء المغرب وبعدها ساد بنو عتمان وقبلها اجتمعوا لنصرة القدس ونصروها وقد كان قبلهم رجال من قضوا على حكم التتار تم تخادلو تم طردوا الاسبان والبرتغال في مكان أخر ….تم سقطت الاندلس وبعدها بدا عصر الانكماش الكبير فنهضت اوروبا واستعمرت أمريكا وأصبح ما يسمى بالغرب المهيمن والمهيمن هو الله ، الان العرب محاصرون من اكبر قوى الارض سطوة جبروت الغرب ، قوة روسيا ، زحف ادمغة الصين ، ولاية فقهاء “الفرس”، اين نحن من كل هولاء ؟ فما بال غزتنا المنكوبة !

  8. يقول Majid:

    لا أتفق مع الكاتب في أن إيران و أنصارها يتعاملون مع القضية الفلسطينية بشكل نفعي، فجميع الكوادر العسكرية في حماس و الجهاد الإسلامي أنفسهم اعترفوا مرارًا و تكرارًا بدور إيران الجوهري في تطوير منظوماتهم الصاروخية و نقل تكنولوجيا المسيرات و الطائرات الشراعية و تصنيع الاسلحة محليًا، و نقل وسائل التدريب و إنشاء شبكات أستخباراتية و معلوماتية ضرورية جدًا في مواجهة عدو شرس مثل إسرائيل، هذا فضلًا عن إنشاء منصات و منابر إعلامية لهم في طهران من خلال موءتمرات و منتديات رسمية الهدف منها إيصال صوتهم و إسماع قضيتهم إلى العالم. أما عن ممارسة الدبلوماسية في الوقت الحالي فيبدو ان الكاتب ليس على دراية بتحرك أكبر حاملة طائرات في العالم فورد الامريكية إلى مياه المتوسط، إذن فهي لعبة ذكاء بارع من القيادة الايرانية، و هي ان يوجه للعدو صفعة قوية موجعة ثم يقول له أنني مستعد للإتصال بالاسعاف من اجلك

    1. يقول مها:

      إيران تعطي لغزة السلاح الذي يثير رد فعل إسرائيلي عنيف، ولكنها لا تعطيها السلاح الذي يمنع عدوان اسرائيل عليها.
      وبالتالي فإن ما تقدمه طهران لغزة مجرد طعم لحماس لتقع في الشرك وإيران حينها ستقول لا دخل لي.

  9. يقول سنتيك اليونان:

    مع الاسف الشديد والحزن العميق ما يزال الناس ضحية عواطفهم ومعتقداتهم وبعيدين عن الواقع هناك اليوم ومنذ زمن طويل تعاطف وتأييد لاسرئيل من القوى الفاعلة بالعالم لذالك لن يكون بالامكان فرض اي امر على اسرائيل بل العكس فكلما زاد بطش المقاومة المسلحة زاد العطف والتأييد لاسرائيل لا حل الا بالمقاومة السلمية التي يتوجب على الناس تعلمها

    1. يقول حنظلة فلسطين:

      إبقى أسير تجلياتك
      قالوا الكبار من الفلسطينيين سيموتون والصغار سينسون
      وهاهم الصغار على ابواب تل أبيب( تل الربيع)

  10. يقول سامر حسام:

    لا يقول بالمقاومة السلمية مع الكيان الصهيوني الا الجبناء اسراءيل تقتل كل يوم بالتقسيط بدون نتاءج لفلسطين اليوم تقتل بالجملة لكن تحققت نتاءج عظيمة لفلسطين.

    1. يقول سنتيك اليونان:

      ما زال البعض يعيش في عالم الاوهام هناك شيء اسمه الواقع انظر الى العرب الذين يعيشون في اسرائيل لماذا لا يثورون لماذا لا ينتفضون الجواب لان قياداتهم حكيمة وواقعية ويودون العيش بسلام مع مغتصبي بلادهم ويجاهدون بالطرق السلمية في سبيل المساواة ……مع الاسف الشديد لن يكون هناك اي نتيجة ايجابية للفلسطينيين الا بالطرق السلمية رسوف ترى ومع الاسف الثمن الفادح الذي سوف يدفعه الفلسطينيون قريبا لهذه العنتريات

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية