ماذا تريد الجزائر من وراء اجتماع الفصائل الفلسطينية؟

لأول مرة، تحاول الجزائر أن تدخل ملف الخلافات التي تخترق البيت الفلسطيني، من خلال دعوتها الفصائل الفلسطينية إلى مؤتمر جامع لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
المبادرة التي أطلقها الرئيس الجزائري في بداية شهر ديسمبر الماضي، جاءت بعد استقباله الرئيس الفلسطيني عباس أبو مازن، وتقديمه للسلطة الفلسطينية في إطار الجامعة العربية دعما ماليا، فضلا عن تقديم 300 منحة لفائدة الطلبة الفلسطينيين.
التوقيت جاء متزامنا مع سياقين اثنين: عربي وإقليمي، الأول هو الإعداد لمؤتمر القمة العربية الذي سيعقد بالجزائر في مارس المقبل، والثاني، هو الرد على المغرب الذي انخرط في التطبيع مع إسرائيل بقصد كسب قضيته في الصحراء.
فعلى المستوى الأول (العربي) تدرك الجزائر أن أجندة القمة، ستكون خالية من أي شيء يمكن أن يعطيها ألقا سياسيا، فالملفات الشائكة التي كان ينتظر أن تطرح في هذه القمة، لاسيما ما يتعلق بالمصالحة العربية، وإصلاح الجامعة العربية، لا توجد على الطاولة أي مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن قمة الجزائر ستحقق نتائج واعدة على هذا المستوى، فالوضع العربي، زاد تعقيدا وانقساما، فالخلاف حول اليمن، وليبيا، وسوريا، بل وحتى حول لبنان والعراق وتونس هي الأخرى، فضلا عن الخلاف الجزائري المغربي، يرسم صورة قاتمة عن العلاقات العربية العربية، ويؤكد بأن مسار المصالحة لا يزال بعيدا، وأن الديناميات السابقة عن قمة الجزائر، لم تبرز معها أي مؤشرات يمكن البناء عليها لتوقع إمكان حلحلة الوضع.
النقطة الوحيدة، التي تسعى الجزائر أن تحققها في هذه القمة، هي عودة سوريا إلى الحضن العربي، وهي نقطة لايزال الخلاف حولها مستمرا، على الرغم من تغير مواقف بعض الدول العربية لاعتبارات استراتيجية.
الجزائر تدرك أن القمة العربية التي ستحتضنها، ستكون بدون نتائج على مستوى هاتين الأجندتين أي تحقيق المصالحة العربية وإصلاح الجامعة العربية، وتدرك أن تحقيق هدف عودة سوريا إلى الحضن العربي، مع ما يكتنفه من صعوبة، لن يكون مقنعا لحكام المرادية، وتدرك قبل هذا وذاك، صعوبة جر القمة العربية في اتجاه استصدار تستفيد منه في صراعها الإقليمي مع المغرب، ولذلك اتجهت إلى انتاج مبادرة دبلوماسية جديدة، تحاول من خلالها إحداث تفوق في الصورة فقط على غريمها المغرب، من خلال توظيف الملف الفلسطيني.
تهدف دينامية الجزائر الدبلوماسية، بجمع الفصائل الفلسطينية، حسب تصريح الرئيس الجزائري إلى تشجيع الفصائل الفلسطينية إلى الاتفاق على برنامج قابل للتطبيق، لمواجهة العدوان الإسرائيلي، ومن ثمة، مفاجأة القمة العربية بحصيلة هذه الدينامية، ووضع الدول العربية أمام مسؤوليتها لدعم مخرجات هذا المؤتمر، وإحراج الدول العربية التي طبعت مع إسرائيل.
المنهجية التي اعتمدتها دبلوماسية الجزائر، أنها أولا استقبلت الرئيس الفلسطيني عباس أبو مازن، وقدمت للسلطة الفلسطينية دعما، وذلك حتى تضمن قبوله للدعوة وانخراطه فيها، قبل أن توجه أي دعوة للفصائل الفلسطينية، ثم اتجهت بعد تأمين هذه الخطوة إلى توجيه دعوة لها.
منهجية تدبير الحوار داخل البيت الفلسطيني، كما أعلنت عنها الجزائر، ستعتمد تدخل جهات سيادية جزائرية للحوار مع كل طرف على حدة، وبشكل منفصل، حتى تتهيأ أرضية الاتفاق، ولو في الحدود الدنيا، ثم تتداعى الأطراف إلى جلسة جامعة، للحوار ثم المصادقة على الاتفاق.
معنى ذلك، أن الجزائر لم تختر الإشراف على الحوار، وتشجيع الفصائل الفلسطينية على الحوار داخل أرضها، بل اعتمدت منهجية الوساطة لتقريب وجهة النظر، بحيث ستتكلف الجهات السيادية، بإقناع كل طرف على حدة، باتفاق الحد الأدنى الذي عليه ستتأسس المصالحة التي سيتم الإعلان عنها.

أقصى ما يمكن أن تصل إليه الجزائر في هذا الاجتماع، أن يتم الاستثمار فيه إعلاميا، بالشكل الذي يبرر أهمية القمة العربية القادمة، ويسمح لحكام المرادية بالحديث عن دور جزائري مركزي في القضية الفلسطينية

عمليا، تتطلب الوساطة ثلاثة شروط أساسية، أولها تأمين تمثيلية وازنة للفصائل داخل هذا الاجتماع، حتى تختصر الوقت، ولا تلجأ إلى طلب رأي هيئاتها. وثانيها، حدوث تطورات تشير إلى أن شروط تحقق المصالحة ممكنة، بل واعدة. والثالث، هو محورية الدولة الراعية للحوار، وتوفرها على ثقل استراتيجي يعينها على تحقيق المصالحة.
في الشرط الأول، وحسب المعلن عنه إلى اليوم، تبقى تمثيلية الوفود الفلسطينية دون المتطلع إليه، فلم تنجح الجزائر في إقناع المسؤولين السياسيين عن هذه الفصائل للحضور، بل إن هذه الوفود اختارت أن تنزل من حجم تمثيلتها بإحضار ممثلين عن مكاتبها السياسية أو المركزية، وهو ما يعني أن وجودها في الجزائر هو لمجرد الاستكشاف، ومعرفة مرامات الدولة الجزائرية من هذا الحوار.
أما الشرط الثاني، فالخبرة المصرية في إدارة الحوار بين الفصائل الفلسطينية، تبين بأن الخلافات عميقة، وأن العدوان الأخير على غزة، وتنكر إسرائيل لالتزاماتها الدولية غداة إعلان وقف إطلاق النار، لم يوفر أرضية صلبة لإنجاز هذه المصالحة، علما أن خبرة القاهرة في إدارة الحوار بين الفصائل الفلسطينية، لا يمكن أن تقارن بخبرة الجزائر التي تعتبر جديدة في هذا المجال، فملف المصالحة، قدمت بشأنه في القاهرة، رؤى مختلفة من قبل الفصائل الفلسطينية لاسيما حماس، وتم فيها تقديم تصورات عن بناء القيادة الفلسطينية الموحدة، وترتيب مؤسسات الحكم داخل الضفة وغزة، والاتفاق على برنامج سياسي للمرحلة، فضلا عن استراتيجية مقاومة لمواجهة الاحتلال. لكن مع ذلك، لم يحصل أي تقدم في هذا المسار، وذلك لسبب بسيط، لأن بعض الفصائل الفلسطينية، وصل مداها السياسي، ورؤيتها الاستراتيجية، إلى قناعة راسخة، بأن رفع الحصار عن غزة أو إعادة إعمارها أو أي صفقة من صفقات تبادل الأسرى، لا يمكن أن تقايض بأي ثمن سياسي.
أما الشرط الثالث، فالنظر فيه في التجارب السابقة للمصالحة. فقد نجحت بوساطة ثلاث فقط، هي مصر، والسعودية، وقطر. وهي دول وازنة، وذات ثقل استراتيجي في المنطقة، وتحتفظ كلها بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية. في حين، لا يشجع الموقع الجغرافي، ولا الثقل الاستراتيجي، ولا محور العلاقات الدبلوماسية، الجزائر على إنجاح هذه المبادرة.
مهمة الجزائر ستكون جد معقدة، فقد اختارت أن تراهن في محاولة إنجاح القمة، وفي تدبير صراعها الإقليمي مع المغرب، على ملف لا تمتلك فيه أوراقا كثيرة، بل لا تعتمد فيه وسائل تمكنها من تحقيق النجاح.
واضح من الخطوة الأولى للدبلوماسية الجزائرية، أي استقبال السيد عباس أبو مازن، ومن لجوئها إلى تقديم منحة بـ 100 مليون دولار، أنها تراهن على آلتين اثنتين: الأولى، هي الدعم المالي، والثانية، هي محاولة إقناع السلطة الفلسطينية، بضرورة التوجه نحو حلفاء الجزائر الاستراتيجيين، أي روسيا والصين، وأن بإمكان المصالحة الفلسطينية، مع الانعطافة إلى محور الشرق (موسكو بكين) أن يحدث زخما مهما للقضية، ويكسر مسار التطبيع.
والحقيقة بعض الفصائل الفلسطينية، لاسيما منها التي تتبنى خط المقاومة، ما عدا حركة الجهاد الإسلامي، جربت هذه المنهجية مع إيران، لكنها خرجت منها بغير طائل، وانتهت منها إلى دروس مهمة، عنوانها الرئيسي، تأمين استقلالية خط المقاومة عن أي أجندة أخرى، وأن الدعم المالي لا يمكن بأي حال أن يبرر التدخل لتكييف الخط وجعله في خدمة أجندة قوة إقليمية معينة.
أما السلطة الفلسطينية، فثمة ملفات كثيرة، تجعل حصول هذه الانعطافة أمرا بعيدا، فتركيبة السلطة الفلسطينية ومكوناتها، وارتباطات أصحابها وشبكات مصالحهم، تجعل القاهرة الوسيط المفضل بالنسبة إليهم، وتجعل المحور الأمريكي والأوربي هو الوجهة المفضلة.
حاصل كل ذلك، أن أقصى ما يمكن أن تصل إليه الجزائر في هذا الاجتماع، أن يتم الاستثمار فيه إعلاميا، بالشكل الذي يبرر أهمية القمة العربية القادمة، ويسمح لحكام المرادية بالحديث عن دور جزائري مركزي في القضية الفلسطينية، ويتم توظيف ذلك ضد الغريم التقليدي (المغرب).

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عزيز:

    يتساءل كاتب المقال عمٌ تريد الجزائر من وراء إجتماع الفصائل الفلسظينية ، ثم يجيب ، أقصى ما يمكن أن تصل إليه الجزائر في هذا الإجتماع ، أن يتم الإستثمار فيه إعلاميا . هل يعني هذا أن وفود الفصائل الستة التي قبلت بالمبادرة أغبياء لهذه الدرجة ليكونوا أداة ( أو سلعة ) للأستثمار ؟

    1. يقول زهارا:

      اخي عزيز لو قرات المقال جيدا لفهمت المعنى الكاتب عدد اسباب قد لا تنجح القمة منها عدم اتفاق الفصاءل الفلسطينية او الاجماع على عودة سورية والخلافات العربية هده اسباب معروفة قبل القمة يعني ما الهدف اصلا من انعقادها الا لاحراج المغرب والدول المطبعة لان طرح الامر عربيا يحتاج اجماع والاستتناء سكون الدول المطبعة منهم المغرب طبعا وهدا اقصى ما ستربحه الجزاير من قمة لن تحقق شيء سوى احراج الجار اتمنى ان تكون الفكرة وصلتك اما الفصاءل لاغباء ولا دكاء فيهم القطيعة مستمرة بقمة او غيرها

  2. يقول روابح:

    أنا جزائري واحب الشعب المغربي يجب علينا جميعا عدم النفخ في النار كشعوب مغاربية وترك الأنظمة الحكم تتقاتل فيما بينها

  3. يقول M..H ......النرويج:

    حرية فلسطين الحبيبة بحرية الشعوب وحرية الشعوب بحرية فلسطين الحبيبة . ما دون هذا فلا حرية ولا هم يحزنون .

  4. يقول M..H ......النرويج:

    كيف للسجين أن يحرر فلسطين الحبيبة ؟ على الشعوب عتق رقبتها الأول ثم التفكير في تحرير فلسطين الحبيبة ؟ أعداء الربيع العربي يراقبون كل شيء والله تعالى اللذين لا تنام عينه يراقبهم جل جلاله . إن بعد العسر اليسر والنصر طال الزمن او قصر

  5. يقول بلا إسم:

    للجزائر شرف السعي لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد السياسي العربي يعد أن كاد يكتسح الصهيوني كل الحدود العربية ويجعل من فلسطين تاريخا مضى لأيد..
    وللجزائر شرع السعي لتوحيد الصف الفلسطيني سواء نجحت في ذلك أو لم تنجح.. فالمهم هو المحاولة أما النتيجة فهي نتاج عوامل كثيرة أهمها على الإطلاق هم الفلسطينيون أنفسهم..
    يقيني أن غالبية لشعب المغربي مع كل مسعى بعبد للقضية الفلسطينية قيمتها المحورية في الوجدان العربي سواء جاء ذلك من الجزائر او من غيرها اما التحليلات الضيقة المبنية على المناكفات البينية فهي تحليلات عمياء لا ترى من الحبة سوى قشورها ومن العسل سوى سواده.

  6. يقول M..H ......النرويج:

    فلسطين الحبيبة والشعوب بقلب واحد في واد والحكام في واد . فلسطين الحبيبة المباركة ليست للبيع , للمساومة او للتجميل . فلسطين الحبيبة أكبر بكثير قضية الشعوب قضيتنا حتى النصر حسم امرها لا نحتاج فيها لا قاضي ولا محامي . مسألة وقت لا غير فالله سبحانه وتعالى يفضح المستور ويزيل عباءات القدسية عنهم . اين النمرود الذي طغى وتمرد وعاد وفرعون وثمود؟

  7. يقول Salah chaouchi:

    الحل بعيد المطبعين حين يقنعون اسرائيل بكف يدخل عن قتل اطفال فلسطين

  8. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل
    لمن مازال لم يعلم !!!؟؟؟
    كل العالم وأوله الفلسطينيون يعلم أن الجزائر هي البلد الوحيد الذي لم ولن يتاجر بالقضية الفلسطينية.
    وكل العالم وأوله الفلسطينيون يعلم أن الجزائر هي الحضن الوحيد الذي بقي للفلسطينيين.
    وكل العالم وأوله الفلسطينيون يعلم أن الجزائر هي البلد الوحيد الذي لن يطعن الفلسطينيين في ظهورهم.
    وكل العلم وأوله العرب يعلم أن الجزائر تتحمل لن تدخر جهدا في تحمل مسؤولياتها اتجاه أشقائها العرب، لذلك لن تتهرب من احتضان أي قمة عربية.

  9. يقول ااحمد:

    القمة العربية بالجزائر ستزيد من تعميق الخلافات العربية العربية بالنسبة لي كمواطن عربي انعقاد القمة بالجزائر خطأ كبير فكر مليا

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية