«مانيدو» رواية السوري تيسير خلف: الحبّ بين احتمالَي الموت والحياة

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

 ليست قليلةً وربّما لا تُعَدُّ الأعمالُ الروائية والسينمائية والفنية التي عالجت تَنازُعَ كفَّيِّ الموت والحياة، بحدث العُلوق الذي يُظهِر صراع الإنسان، ويختلفُ في أشكال حدوثه وتصويره ودرجات عمقه وأبعاد فلسفته لهذا الصراع.
ولا تأتي رواية أرنست هيمنغواي «الشيخ والبحر»، وإن فازت بجائزة نوبل، على رأس قائمة هذه الأعمال، وإن أشار الروائيّ السوري الفلسطيني تيسير خلف في روايته الجديدة «مانيدو/ قصة حبّ جليدية»، إلى مطعمٍ باسم صاحبها، يعيدها للذهن، ولا شرط بوعيه لذلك إذ يفعل لا وعي المبدعين ذلك؛ حيث لا تغيب عن صراع الإنسان الأزليّ بين الموت والحياة، قصّتا حصار الرسولين العظيمين المسيح ومحمد، وإن حوّلهما المتعصّبون على مدى تاريخِهما إلى أدواتٍ للحرب في الوقت الذي ولدتا فيه أداتان للسلام.
مثلما لا تغيب تحت ظلال طبقتيهما،من بين آلاف الأعمال، روايةُ غابرييل غارسيا ماركيز «قصة بحار غريق»، أو رواية زهران القاسمي «تغريبة القافر»، أو فيلم «127 ساعة» الذي صوّر قصة متسلّق الجبال أرون لي رالستون، كأمثلةٍ للتنويع بين عديد قصص البشرية، عن قصص العلوق بين احتماليّ الموت والحياة، إلى درجة صعوبة الإبداع في إنتاج عملٍ يختلف، وينجو، ويضيف…
وفي هذا الحد، يُطرح التساؤل: ماذا قدّم خلف في روايته «مانيدو» عن هذا العلوق، ليس لأمثولة خروج أو لا خروجِ أو كليهما في ذات الوقت، بطلِه يونس ناجي منه، وإنما أيضاً لخروجه هو نفسه في ذات الوقت من فخّ تكرار حكايات العلوق التي يمكن أن تُوْقِع الروايات في خواء التكرار؟ حيث وسْط فخّ بحيرة «لِيلي باد» المتجمّدة التي تَكسّر سطحها تحت قدمي بطله وسط الثلج المتراكم:

«رنّ جوالُه من بعيدٍ، رنّاتٌ متواليةٌ، ثم صمتٌ. أغمض عينيه، وراح يصغي للصمت الأبيض المديد، الصمت الذي يتخفّى الآن خلف ضجيجٍ مزخرفٍ بمختلف الألوان الدافئة والباردة، الصمت الذي همس له بأن حياته باتت معلّقة بميقاتٍ، لا تتجاوز مدّتُه ثلاث ساعاتٍ!!!»/ فجأةً انبعثت طرقات قويةٌ أعادته إلى وهدة الثلج، إلى حقيقة كونه الآن أشبه بـ«قِطَّة شرودنجر»؛ ميتٌ بنسبة خمسين بالمائة، وحيٌّ بنسبةٍ مماثلة./ رأى نقّار خشبٍ بعرف أحمر يطرق بمنقاره جذع الشجرة الميتة».

تجلّيات إبداع النجاة والاختلاف:

لتجنيب موضوعات رواياتهم فِخاخَ التكرار، يلجأ الروائيون في الغالب إلى مداخلتها بعناصر تشويق من مثل البوليسية، السرقة والتحقيق في الجرائم، تمنحها الاختلافَ في خضم التشابه، مع التميّزِ، والبصمةِ التي لا تأتي إلا من تشابك عنصرين قابلين للتآلف وإنتاج عنصر واحد منهما، كما مواليد الطبيعة.
ومسبقاً، ممّا يتكشف في متابعة قراءة «مانيدو»؛ ومنذ بداية استشهاده بأمثولة قطة شرودنجر في تصوير حالة بطله العالق بين الموت والحياة، ويعتبر حيّاً وميتاً في ذات الوقت بالاحتمالين؛ يبدو أنّ خلف لا ينسج هذه الأمثولة مع خلايا الرواية عبثاً، أو يُوْرِدها تشبيهاً أو مجازاً خارجاً عن سياق طبيعة وحبكة الرواية. فبطله «يونس ناجي» الذي يبدو اسمه مركباً من علوق النبي يونس ونجاته، كشرط أول في مشابكات التآلف الناجح الذي يصنع الروايات المتفرّدة وسط فخاخ تكرار المواضيع؛ أستاذٌ متخصص في الآثار، لاجئ إلى كندا هرباً من المقتلة السورية التي كادت أن تطاله على أيدي المخابرات الجوية لنظام الأسد، ويحمل مشروعاً يتعلق ببحثه الماضي حول قبور الـ«دولمن» في جنوب وطنه، مع التداخل بنهب الآثار وتهريبها من جهة؛ وباكتشافه من جهة ثانية علاقة هذه القبور بوجودها كذلك في بلدة أونتاريو بكندا، وفي معظم بقاع العالم. ليتوصل إلى نظرية مخالفة لنظريات ما يعرفه الآثاريون عن حقبة هذه القبور، تتعلق بوجود الإنسان على الأرض، وبرؤية فيزياء الكم لهذا الوجود، والأهم، التشابك مع الرؤية الكمومية للسكان الأصليين، شعوب الأنيشنابي، الذي اهتم يونس باستكمال بحثه وإثبات نظريته من خلال شعب أوجيبْوِِي بينها.
والأكثر أهمية، الذي يدفع الرواية بجانب التفرد والمتعة إلى الريادة في موضوعها، مشابكةُ خلف العميقة، في أحداث وواقعات الرواية السحرية، وفي محاضرتين مهمتين ليونس في جريان الرواية، لرؤية السكان الأصليين، مع رؤية المعتزليِّ الإسلامي «إبراهيم بن سيّار النّظَّام»، الذي عاش في زمن هارون الرشيد، لولادة الكون المتوافقة مع إثباتات فيزياء الكم، قبْلها بثمانية قرون، وبما يمكن أن يُطلَق عليه «الصوفية الكمومية»، مع الأعمال الجديدة المهتمة بالرؤى الجديدة للصوفية، ومشابكتها بشطح هذه الفيزياء.
وفي ذلك يزوّد خلف قارئه، بالكثير من مشابَكات رؤية «النّظَّام» التي تصقل رؤية بطله وتدفعه إلى كسر غطرسة اليقين في داخله، حيث: «تعلّم من النّظَّام أنّ الأشياء كامنةٌ في بعضها، أنّ العقل يسكن في المادة، كما تسكن القصيدة لغةً لا تتقنها الشفاه، وأنّ المعرفة، في نهايتها، ليست علماً ولا ديناً، بل حضوراً كاملاً في احتمالية أن نكون».
وفي مشابكة رؤى فيزياء الكم بـ«مانيدو الرواية» التي بَلوَر خلف اسمها، من خلال محاضرة إحدى بطلاته، بما يتجاوز مفهوم الروح «The spirit» بالإنكليزية، إلى ما يعني الطبيعة ذاتها بكل ما فيها من كائنات وموجودات»، ووسّع أفق معناها عند ربطها بالإنسان إلى توافقها مع رؤية الغنّوصيين المسيحيين والصابئة المندائيين، إلى «الطاقة الأصيلة التي لا تفارق العالم، بل تعود إليه، تتجدّد، وتعيد تشكيل حضورها عبر الأزمنة»، وربما يمكننا أن نبلور معناها في التساؤل إن لم تكن هي»الطاقة المظلمة» التي تُشكل نبض الكون في فيزياء الكم.
في هذه المشابكة كأمثلة، يضع خلف في وعي ولاوعي قارئه مفاتيح فعّالةً لعوالم جديدة تكمن كاحتمالات، وتتشكل ما أن توضع المفاتيح على فم الأقفال، لكنها تشير لحواسه في كل الاحتمالات أن تقلب كلمة «جليدية» في ملحق عنوان الرواية إلى «كمومية». إذ يورد قبل بدء شعور يونس في فم حفرته أنه أصبح مثل قطة شرودنجر، تفكيرَه بسلسلة المصادفات التي «يستحيل التنبؤ بها، يستحيل تغييرها، يستحيل التراجع عنها، يستحيل رفضها، يستحيل صنعها، ويستحيل توقعها». بعد خياره الذهاب لإحضار مُسَيّرة التصوير العالقة. ووقوعه الغريب في حفرة الثلج.
مثلما يخلق خلف بأسلوب الواقعية السحرية المتحوّلة إلى «نهاية الواقع» في خصوصية فلسفة الرواية الكمومية، لقاءَ يونس بالعجوزتين المعبّرتين عن اتصال يونس بالأموات، حيث لا موت، وحيث لا يراهما غيره، واللتين تفتحان له طرق النجاة: البدوية السورية المتماثلة مع الأم العظيمة السورية عشتار ما قبل عصر الكتابة مع ثوْرَيها الأسودين، والعجوز نُوكومِيس الأوجيبْوِيتية الكندية مع غليونها، وقدرات تفوّقها على الأرصاد الجوية في التنبؤ بالطقس. واللتان تقفان في النهاية مع أمه وحبيبته لين فوق رأسه عند مصارعته احتمالات الموت والحياة.
مثلما يفتح عوالم مواجهات الموت، ضمن البحث السحري عن كنوز الأولين، ومعالجة سرقة كنوز الآثار السورية، بالكنز الذي يجده في سرداب قبر الدولمين، ويبث الحكمة المستخلصة من مواجهة الموت بعيش جمال الحياة، وبالأخص في مواجهات الموت خلال الثورة السورية التي يكشف خلف انحيازه غير الموارب لها، ضمن كشفه عن أبعادها في حقل جرائم النظام بنهب الآثار وتهريبها للبيع إلى من لا يقدّر آثارها وتأثيرات معانيها على الإنسان وبحوثه لاكتشافات معاني وجوده.
ومثلما يسرد حالة يونس، بما يشبه وصفها بالكمومية، إذ» لم يكنْ نائماً، وأيضاً لم يعد مستيقظاً. لم يكن واعياً، وأيضاًلم يكن غائبا.ً».ومثلما كذلك، يُحضر لبطله أمّه المتوفاة التي يطمئنه قولها إنها معه، بما يعيده إلى «يوم كان في إربد وسمع محاضرة أستاذ متخصص في علم فيزياء الكم، عن فلسفة الطبيعة وعلم الكلام الإسلامي».

ملحقات إبداعية للاختلاف:

ولأن الروايات المتألقة هي روايات الحياة لا الأفكار رغم حملها وبثها بطرق الإبداع للأفكار، مثلما هي روايات الأشكال المنسوجة بحِرَفية الإبداع كذلك، ينسج خلف لروايته بنيةً سلسلة تبدأ بعنوان فصلٍ تمهيدي قصير هو: «قبل الرواية وبعدها»، يتضمن أسطورة الخلق عند شعب أُوجيبْوِي، يليه ستة عشر فصلاُ، تبدأ بالفصل الأول «كأنها نهاية»، وتنتهي بالفصل الأخير «كأنها بداية». وبينهما توقيعاتٌ متتاليةٌ بتواترالفصل لكلٍّ من بطلي الرواية يوسف ناجي ولين مارتن، تتضمن سبع لقاءات بينهما، تتكشف فيها قصة حب مشوّقة، نبيلة، غريبة من نسج الكون، وحزينةٍ بنهاية مفجعة لكنها شفيفة في كل الأحوال. وهذه تربط الماضي بالحاضر، وتعكس ضمن ترابطهما في مرايا وجوهها فلسفة الرواية التي تُشكل تميّزها والجِدّة التي تنقذها من تكرار محور موضوعات ما جرى تناوله في محورها، وتضعُها بين أهم الروايات التي تتناول اكتشافات العصر المذهلة وما تطرحه من تساؤلات حول وجودنا، من أين أتينا، وماذا نفعل، وإلى أين نمضي؟ مع إضافة تسعة فصول بين فصول اللقاءات السبعة، تتكشف فيها أبعاد الرواية.
ويجد خلفُ التوفيق في هذه البنية البسيطة وغير البسيطة في ذات الوقت، بما لا يُفقدها الإحكام رغم اعتمادها تداخل الأزمنة في وقت الرواية الذي لا يستغرق سوى خمس ساعات تشمل معانقة يونس لمصيره، واعتمادها بمنظومة سرد الراوي العليم، سردَ جانب هائل من الثورة السورية بتداعي الذكريات خلال هذه الساعات، مع سردها بذات الصيغة، في تصوير حيّ وشاعري بسيط وأخاذ، رؤى وأفكار الشعوب الأصلية ما قبل الكتابة من خلال آثارها، وما بعد الكتابة من خلال التداخل بأساطيرها ورموزها. وبالأخص شعوب الأنيشنابي، وشامانتهم اللذين تعود أصولهم إلى كونهم رواة قصص، مع تتبع أصول أسلافهم المباشرين الذين يعودون إلى شامانات سيبيريا وحوض الأمازون، وتتبع أصل الملوك والأباطرة والرؤساء الذين يحكمون البشر بسلطةٍ مستمدة من الآلهة، ضمن فلسفة وحدة الإنسان في الرواية.
بالإضافة إلى دراسة أصل الفلسطيني ناجي الجينية العائدة إلى النطوفيين الذين وجدوا في فلسطين القديمة قبل اثنتي عشر ألف عام، ومقاومة محاولة إسرائيل تزييف الحقائق حول هذه الأصول، بقصص شيّقة مبرًرة بدقة الترابط المحكَم، وتُغْنيها البحوث بغرابتها، وتزيدها متعة بدل إغراقها في الملل.
وفي النهاية التي لا تنتهي في هذه البنية، ينسج خلف روايته بقصة الحبّ الشفافة التي تجري في بنية الرواية، كأبسط ما يقال، بدفء الجمال الذي يجرح عين القارئ في نهايتها ويُسيل دمعَها، بشفافية الحزن التي لا توقف الأمل بتوقفه، ضمن فلسفة الموت الذي يحيل نفسه إلى حياة بعودته إلى حضن أمه الكوني.
وفي هذا الحبّ، تتألّق شخصية الكندية السورية الأصل لين الأسعد، التي تتخلى عن هذه الكنية كرهاً لنطق الكنديين لها «الأسد»، مدروسةً بكل ما تحتاجه دراسة الشخصية من أبعادٍ نفسية وثقافية واجتماعية وتاريخية تُجَلّيها سيّدةً لا تُنسى في سجلّ الروايات، وتحافظ على مكانتها وسط بقية الشخصيات المدروسة كذلك، بدقة تليق برواية متفرّدة، لروائي عُرفت عنه خشيته على الأغلب ألّا يتغلّب على نجاح روايته التي تسبقها، ولا تزول خشيته في إعداده للرواية التي بعدها.
تيسير خلف: «مانيدو»
منشورات المتوسط، ميلانو 2026
256 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية