ما خلف موت الحبكة

ظهر في القرن العشرين نزوعٌ روائيٌّ نحو تجاوز الحبكة، وما زال إلى اليوم، وإن على نحو خافت. ولا بأس – قبل بسط الخفايا التي كانت وراء هذا التجاوز- من التمييز بين الحبكة والحكاية، حتّى لا يقع الخلط بينهما؛ فالأولى تُشير إلى تتابع أحداث في حكاية ما، وتَحْدُث في قلب هذا التتابع أزمة ما تُهدِّد مسيرها نحو تحقيق هدف (و/ أو مهمّة) مرسوم على نحو قَبْلِيٍّ. بينما يُراد بالحكاية الإشارة إلى مُحتوى الحكي (و/ أو الحدوث) التامّ في زمان ماضٍ، ولا يُفترض فيها أن تخضع بالضرورة للحبكة، خاصّة تمثيل مُعاناة هدف ما من التحقُّق؛ إذ قد لا تتجاوز كونها مُجرَّد سيرورة تقوم على تتالي الأحداث دون خضوعها للتحوّل، كما هو حاصل في الصيرورة. وينجم عن هذا التمييز تلافي الخلط السائد بينهما في النقد، الذي تترتّب عليه نتائج غير دقيقة؛ فقد تتأسّس الرواية على غياب الحبكة، لكنّها لا تنفلت من قيامها على حكاية ما أو عدد من الحكايات الصغرى.
وتقتضي كلّ حبكة تحبيكًا مُعيَّنًا، والمقصود بهذا الأخير الكيفية التي تُصاغ بها من قِبَل كاتب مُعيَّن. وتكمن في قلب التحبيك صياغةُ التجربة الزمنيَّة، لكنّ هذا الأمر لا يقتضي بالضرورة أن تصير هذه التجربة الزمنيّة مُتطابقة مع الحبكة في تمثيل الهوية، كما يذهب إلى هذا بول ريكور؛ فما نستخلصه من الرواية في نماذجها المُمثِّلة هو العكس؛ أي انتفاء التطابق التامّ بينهما (الحبكة والتجربة الزمنيّة) إذ تُعاني الذات السرديّة من الزمان بما يتضمّنه في بنيته من صوّر مُختلفة للموت (الفقدان- الزوال- الفوت) ومن عدم مُلائمة التحقّقات (الخيبات) للتطلّعات، وما تتأسّس عليه هذه الأخيرة من مُفكَّر فيه (نوايا- أفكار- قصود)؛ إذ يُعَدُّ الزمن غير مُطاوع للفعل في الرواية. كما أنّ استمرار السيولة الزمنيّة الذي يعكس استمرار الهوية تامٌّ على مُستوى الذات المُتطابقة مع نفسها وواقعها، لكنّ الرواية تعكس في أغلب نصوصها المُعاناة من هذا الاستمرار الذي يتجلّى في الشكّ الذي يطول تعرّف الذات إلى نفسها في ما تفعله، وفي ما ينجم عن فعلها من تحقّقات.
يرتبط موت الحبكة بعدم تمثيلها هذا الإشكال الأساسي الذي يقوم على صيرورة هدف يُعاني من تحقّقه، ومن عدم مُطاوعة الزمان للفعل؛ حيث يصير الخارج بوصفه مكانَ التحقّق- بما يستدعيه من واقع- مشكوكًا في طواعيته للسريرة، بل مشكوكًا في قابلية كُلِّه لأن يكُون مُدركًا. ولعلّ أوّل من قوّض أركان الحبكة هو مارسيل بروست في عمله الروائيّ الشهير «البحث عن الزمان المفقود»؛ حيث تُعاد صياغة الحقيقة الروائيّة بسحبها من الخارج- الواقعيّ (ومن الاستهداف المُتّجه صوب المُستقبل) نحو الداخل السيكولوجيّ الذي تضطلع الذاكرة بصياغته. ومن ثمّة تصير الحقيقة ماثلةً في المُعاناة من الزمان واستمراره، ومساويةً للسيولة السيكولوجيّة. ويتّصل هذا التحوّل – الذي سيمهِّد للكتابة الروائيّة المُتحرِّرة من القالب التقليديّ الذي يحتفي بالحبكة – بما نتج عن ويلات الحرب العالميّة الأولى (كما لمّح إليها عديد من الكتّاب) من يأس من المُستقبل الإنسانيّ، ومن قلق تجاه الوعود التي بشَّر بها عصر الأنوار، وما ترتّب على الإحساس بكون التاريخ قد فقد وجهته من شكٍّ في نزاهة العقل وقدرته على ضمان سير الإنسان صوب تصالحه مع نفسه. وينبغي فهم ضمور الحبكة أو الإعداد لموتها في هذا النطاق، لا في غيره. ومُبرِّر هذا القول كونها تُوفِّر المعقولية السرديّة؛ أي ما يصير به الفعل في نصٍّ سرديٍّ مفهومًا؛ ولا يُمْكِن تحقيق هذه المعقولية من دون وجود كُلٍّ لاحم للفعل السرديّ؛ وما هذا الكلّ سوى الحبكة التي لا يمْثُل دورها في أيّ سرد كيفما كانت طبيعته في ضمان وحدة الفعل وتماسكه بتمثيل هدف ما فحسب، بل أيضًا في ما تُوفِّره من إمكان لفهم العالم الأَنطولوجيّ؛ حيث تنقذه من مظهره المُشتَّت الواقعيّ من طريق لحمه تخييلًا بوساطة كُلِّها المُجسَّم بالفعل المُستهدِف.
لا يرتبط موت الحبكة بما ميّز القرن العشرين من ويلات الحروب المُدمِّرة فحسب، بل أيضًا بضمور السرديات الكبرى التي تُعطي الإنسان أطرًا فكرية مبنية ومنظَّمة تُمكِّنه من فهم العالم وتفسيره؛ إذ تُعَدُّ بدورها حبكات ذهنيّة لا تقلّ عن الحبكة التخييليّة قوّة، خاصّة منها السرديات الكبرى التي تحمل في طيّاتها اليوتوبيا المُبشِّرة بزمان إنسانيّ مستقبليّ. ومن ثمّة يُعَدُّ ضمور السرديات الكبرى ضمورًا لكلّ يوتوبيا، الشيء الذي يُوازيه على صعيد التخييل الروائيّ توجّه جماليّ لافت للنظر نحو التخلّي عن مبدإ الحبكة نظرًا لانتفاء ما يُبرِّر الحاجة لها؛ ويتمثَّل هذا التبرير فنّيًّا في تجسيم فعل استهدافيّ مُؤسَّس على إمكان تحويل الواقع، أو جعله مُستجيبًا للفكرة. وتُضاعف من هذا الأمر هيمنةُ الوسائط البصريّة التي تُعمِّم ثقافة الكتلة (ماكدونالد- ملاعب كرة القدم- شرائط الفيديو- الصرعات المُختلفة… الخ) ضدًّا على ثقافة التميّز في توازٍ مع ضمور المُجتمع الموسّع التقليديّ، وظهور مُجتمعات صغرى مُقلَّصة؛ فلم يَعُد الروائي يتعرّف في فعله إمكانَ أن يكُون صانع أحلام، لأنّ هذه الأخيرة صارت مُوجَّهة من خلال ثقافة الاستهلاك التي تكاد تُهيكل الشعور الإنسانيّ، وتحدّد العلاقة بالعالم.
لا يترتَّب على موت الحبكة أو ضمورها تخلّي الروائي عن التفكير في ما يُضفي الانسجام على العالم التخييليّ الذي يُنتجه على مُجزَّأ ومٌفكَّك، بل تغيير طريقة عمله في هذا الصدد بوساطة البحث عن وسيلة أخرى في ضمان هذا الانسجام؛ حيث يتحوّل من الاعتماد على الحبكة إلى طرائق أخرى، ومن ضمنها الانكفاء على الداخل بوصفه سيولة تستند إلى ضمير الأنا؛ حيث يصير هذا الأخير بحمولته الظاهراتيّة نقطة استناد مرجعيّة في تبرير الانتقالات عبر الأزمنة، ومن موضوع سرديّ إلى آخر. لكن ينبغي التفكير- هنا- في النصوص الروائيّة المُتشظِّيّة المكتوبة بضمير الغائب- كما في رواية «مدن السكر» لسعيد علوش، ورواية «قوس الرمل» للولوة المنصوري-؛ فما الذي يضمن لحمتها؟ لا تخرج الإجابة في هذا الصدد عمّا قرّره جان ريكاردو حين أشار إلى كون مُغامرة الكتابة صارت بديلًا لمُغامرة الحكاية التقليديّة. وأُفضِّل الحديث في هذا الصدد عن فعل الكتابة بدلًا من مُغامرة الكتابة؛ فهذا الأخير يقوم بدور مهم في لحم المُجزَّأ الناجم عن غياب الحبكة.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

ما خلف موت الحبكة

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتورجمال البدري:

    أستاذي الكريم الدكتورعبدالرحيم جيران تحية الودّ الخالص : نعم الحبكة ؛ وما أدراك ما الحبكة ؟ إضافة لما تفضلت به.أقول إنّ موضع الحبكة ( The plat poit ) كالعجلة الداخلية لتسييرالماكنة من خلال حركة الحكايات الداخلية في النصّ الكبيرالذي هوالرّواية.فهي أشبه بالعجلات الصغيرة في داخل السّاعة السويسرية ؛ كلّ عجلة تحرّك الأخرى حتى يتمّ ضبط الزمن والإيقاع معاً.لكن المشكلة اليوم أنّ السّاعات استبدلت عجلاتها ببطاريات ( يابانية وصينية ) مستوردة فضاعت علينا ( صناعة الحبكة ).إنّ أهمية الحبكة في الرّواية أنها جامعة لمعالم وأطراف ( القصّة ) من شتاتها لتدفعها إلى الأمام.ولهذا تراها تحضربعد الدخول في متن السرد ؛ لتعطي له حركة داخلية رشيقة ؛ باعدة عنه الترّهل في الزمن..بتتابع إيقاعي جذاب.وحيثما حصل ترّهل نجد الحبكة الرياضة التي تبعث في النصّ حرارة النشاط والحيوية الذاتية في البناء الرّوائي.وهنا لابدّ من تأكيد أنّ الحبكة هي العنصرالحاسم لخلق التجانس بين السياق : ( Context ) وبين المضمون : ( Content ) الرّوائي.ومن المفيد الإشارة إلى أنّ السرد الرّوائي في الغرب قد أصبح ( علماً منهجياً ) لهذا تجدهم يتفوّقون في الإنتاج الرّوائي المكتوب ؛ مع قدرة سريعة على توظيفه درامياً مرئياً ؛ مما خلق لهم إمبراطورية عالمية في الفنّ والإعلام والثقافة والسياسة ؛ وسيادة لغتهم بين الكباروالصغار.أما لدينا فما يزال ( المزاج الشخصي ) المحدد لهذا السرد…فنحن نكتب الرّواية لكن على طريقة شعراء الجاهلية…كانوا ينظمون القصيد من دون معرفتهم ببحورالشعرووزن القول.وياليتنا أنتجنا مثلهم المعلقات أوحتى الرجزوالحداء المتلومع القوافل.وبالتالي تهافت النقد وسادت لغة ركيكة بعيدة عن البلاغة ؛ بحجة ضرورات العصر؛ حتى أصيبت الثقافة بالوشل ؛ ونقول : لماذا وكيف ومتى؟ فنقع بتبريرات بلهاء كبهلول ؛ من دون أيّة حلول للحاضروالمستقبل.

  2. يقول عبد الرحيم جيران:

    شكرا صديقي العزيز جمال على جميل التعليق، ولطيف التفاعل، وكريم التقدير.. أعجبني كثيرا المقارنة بين الحبكة والساعة.. لكن السؤال يظل إشكاليا في هذا الصدد؛ فالأمر لا يتعلق بما نتمناه، وما يعجبنا، وما الفناه، بل بصيرورة تارخية تتحكم في إنتاج التخييل، ورسم المجاري التي ينبغي له أن يتبع دفقها نحو مصب ما.. ولهذا كان على الرواية في الغرب أن تتجه الوجهة التي اتجهت إليها، وكان عليها أن تفكر في تحبيك مختلف، وفي وضع الحبكة حيث لا توضع أصلا، لأن تضافر تسارع الزمان مع المجتمع المنفجر- وظهور تنظيم جديد للاجتماع قائم على جماعات مقلصة، واستبدال أشكال الفعل الأفقية بالعمودية – أدى إلى ضرورة إنتاج شكل جديد من الحكي يتناسب معه. ولم يكن أمام المقال موضوع النقاش غير الإشارة الطفيفة والسريعة إلى توصيف معين لما حدث، فالحيز لا يسمح بالاستفاضة، وذكر جميع العناصر المتصلةه به.. كما أحب الإشارة في هذا الصدد إلى أن الحبكة ليست واحدة، فهي أنماط مختلفة، ولا بد من تصنيفها.. فلا يكفي التصنيف الثنائي الذي وضعه لها أرسطو، لأن العصر ليس هو العصر، والإنتاج ليس هو الانتاج.. كما ينبغي أن نفكر بجدية في ما إذا كان من الممكن أن تكون الحبكة واردة في موضع آخر غير موضعها التقليدي.. وأن نفكر في علاقتها بالارتباط الجدلي بين التخييل الروائي وما يستحدث من نظر في مجال المعرفة العلمية والفلسفية.. شكرا مرة أخرى

  3. يقول الدكتورجمال البدري:

    أشكرك يا سيدي المحترم : رؤيتي للرّواية / وأنا تلميذ في عالمها الواسع / تنطلق من اعجابي بالرّواية الأمريكية الحديثة ( بعد الحرب العالمية الثانية ) فبقدرما السياسة الأمريكية الرسمية سلبية إزاء (الخارج) أجد في الرّواية الأمريكية البديل الأدبي الإيجابي.وبناءاً على الإبداع الرّوائي الأمريكي الرائع ؛ نجد نهضة فنية كبرى تجسدت في هوليوود ؛ ولعلّ أروع كتاب الفنّ الرّوائي ( السيناريو) عالمياً هوسيد فيلد ؛ الذي نجح بتقنية عالية الجمع بين حبكة الرّواية المكتوبة وحبكة السيناريوالمرئي..( لينتج ) لنا أعمالاً خالدة في السينما ؛ فقد كانت لديه قدرة على خلق قصّة تروى بالصور..فجعل الحبكة متعددة وبرشاقة بدل الثنائية بين فصل وآخر…وكلما زادت حبك النصّ ؛ زاد النسج الرشيق المتقن للعمل الرّوائي.وبذلك تحررالأدب والفنّ الأمريكي معاً عن ثنائية أرسطوالتقليدية ؛ مما أتاح لهم القدرة على الإبداع والتألق والعالمية.وكأنّ لسان حالهم يقول :
    ومنْ لا يحبّ صعود الجبال
    يعش أبـــد الدهــــــــــــربين الحفر
    سأكتفي بهذه الشذرات ؛ لأنّ الموضوع متعدد الرؤوس كالهيدرا ؛ والمساحة هنا لا تكفي إلا للقليل بين ( الحبايب ).

اشترك في قائمتنا البريدية