استهللنا القرن الماضي بحرب عالمية كانت الأولى في تاريخ البشرية، وخرجنا نحن العرب عامة، ونحن السوريين خاصة «منتصرين». كيف لا ونحن حلفاء الحلفاء ضد السلطنة العثمانية والمحور، ونحن لم نعلم أننا سنكون أول المهزومين والمخدوعين، وباختصار أول الخاسرين على جميع الأصعدة: خسرنا تركيا لأننا خنا الخلافة الإسلامية بتحالفنا مع الغرب «المسيحي» لإسقاط الخلافة، (هل تصور احدكم أن تتحالف فرنسا مثلا مع العرب المسلمين لإسقاط البابا)، ولو أن سياسة العثمانيين في البلاد العربية كانت سياسة استعمارية وهيمنة مبطنة بالدين. ولكن ماذا ربحنا من الحلفاء بتحالفنا معهم؟ ثلاث طعنات نجلاء في الظهر على غفلة من أمرنا: سايكس ـ بيكو، وعد بلفور، سان ريمو بدل المملكة العربية المستقلة الموعودة بقيادة الشريف حسين، الذي مات منفيا وفي جيبه رسائل مكماهون الخبيثة ذات الوعود الخلبية.
وجراء هذه الطعنات النجلاء الثلاث، مازال الجسد العربي ينزف دما وقيحا، ويذرف دمعا سخيا حتى اليوم، فقسمت سوريا الكبرى على مائدة الكبار، حسب اتفاق الدولتين العظميين آنئذ، فرنسا وبريطانيا بالشوكة والسكين، والتهمت كل منهما، بمباركة عصبة الأمم، قطعا لذيذة من عسل ولبن الجسد العربي الجريح. وبدأت هاتان الدولتان عمليات حقن مستعمراتهما في الشرق الأوسط، بأمصال التفرقة الطائفية والعرقية، وإنشاء دولتين على أساس ديني، لبنان المسيحي تحكمه طائفة الموارنة، مع جوائز ترضية للسنة والشيعة، وإسرائيل اليهودية على أرض فلسطين وتشريد شعبها في أركان الأرض الأربعة، ونشأت المملكة الأردنية كدولة مسلمة» بشحطة قلم» يوم أحد، كما ذكر ونستون تشرشل في مذكراته، بعد تدخين سيجار كوبي وكأس من كونياك نابليون الفرنسي.
أنظمة العرب لم تفلح بوضع بلدانها على طريق التقدم والديمقراطية، ولم تجد حلولا لأزماتها بسبب سياسات الفساد والمحسوبيات
وهكذا أغلق ملف الاستقلال العربي وختم بالشمع الأحمر إلى حين، في حين قامت تركيا المهزومة من رمادها، بعد انتصار مصطفى كمال في معركة غاليبولي وإنقاذه إسطنبول من دخول جيش الحلفاء، وردها إلى ما كانت عليه قبل محمد الفاتح، القسطنطينية. وعاد بعض العرب بالاستنجاد بتركيا بعد قرن كامل من سياساتهم الخاطئة، بعد أن باتت لاعبا رئيسيا في المنطقة يحسب لها كل حساب. العرب وخلال هذا القرن أثبتوا بجدارة أنهم يجلبون بلواهم بأيديهم، ويوغلون بجراح بعضهم بعضا، حسب المثل العربي الشهير «يداك أوكتا وفوك نفخ». وسلكوا مسلكا ينفي ببراهين دامغة كل الأخلاقيات التي تبجحوا بها منذ الجاهلية، وكل الشعارات الثورجية، التي فرضوها على شعوبهم بعد انقلابات عسكرية دموية، ترأسها ضباط بمستوى شهادة ثانوية، وكأنها كلام مقدس لا يمس، وستخرج بفضل تطبيقها الذئب الصهيوني اللعين المغتصب لأرضنا ومقدساتنا من ذيله من جحره. فإذا بالشعوب التي آمنت بهم، تكتشفت بعد مرارات وتضحيات ونكبات ونكسات، أن الذئب الصهيوني اللعين المغتصب، هو الذي يخرجنا من ديارنا، وأن أنظمة الانقلابات (انقلاب حسني الزعيم في سوريا وما تبعه من انقلابات، انقلاب جمال عبد الناصر في مصر وما تبعه من انقلابات، انقلاب عبد الله السلال في اليمن وما تبعه من انقلابات، انقلاب عبد الكريم قاسم في العراق وما تلاه من انقلابات، انقلاب معمر القذافي في ليبيا وما تبعه من انقلاب، انقلاب إبراهيم عبود في السودان وما تبعه من انقلابات، انقلاب هواري بومدين وما تبعه من حكم الجنرالات، انقلاب المصطفى ولد السالك في موريتانيا وما تلاه من انقلابات..) لم تكن سوى مغامرات سياسية بائسة لضباط لم يفلحوا في الحرب، ولا في السلام، بل جروا الويلات على بلادهم وشعوبهم بشنهم حروبا غير محسوبة العواقب (حرب يونيو/حزيران التي اطمأن عبد الناصر لكلام السوفييت بأن إسرائيل لن تهاجم مصر، فإذا بها صبيحة هذه التطمينات تدمر الجيش المصري وتحتل سيناء، والجولان بعد ان انسحب الجيش السوري منه من دون قتال بأمر من حافظ الأسد، والضفة الغربية بعد هزيمة الجيش الأردني، حرب تشرين «التحريكية» للوصول إلى مفاوضات مع إسرائيل، لاسترداد سيناء مقابل التطبيع، وجزء بسيط من الجولان مقابل عدم الاعتداء) وحروب بينية جلبت أجلهم بعد أن باتت هذه الأنظمة تدافع عن سايكس ـ بيكو أكثر من سايكس وأكثر من بيكو نفسيهما ( الحرب المصرية في اليمن، الحرب الفلسطينية الأردنية ( أيلول الأسود)، حرب لبنان الطائفية وتفرعاتها من معارك جانبية (معارك الجيش السوري ضد المقاومة الفلسطينية، ثم طردها من لبنان إلى تونس واليمن، غزو إسرائيل لبيروت ومجازر صبرا وشاتيلا، جيش لحد واللجوء إلى إسرائيل، معارك حزب الله وطرد إسرائيل من جنوب لبنان وما تلاها)، قادسية صدام، غزو الكويت، أم المعارك. وسقوط بغداد، حرب اليمنين، وحرب الشمال والجنوب في السودان التي انتهت بانفصال الجنوب، حرب الصحراء والعداوة بين المغرب والجزائر، الحرب المصرية الليبية والضربة الأمريكية لليبيا.
وبالطبع المعارك الفلسطينية ـ الفلسطينية، أما تحرير فلسطين فبات من ذكريات الماضي، بل بات التطبيع مع العدو هو المطلوب. هذا عدا عن المجازر التي ارتكبتها بعض الأنظمة العربية بحق شعوبها (انتفاضة الخبز في مصر في عهد السادات، انتفاضة الخبز في تونس في عهد محمد مزالي، مجزرة سجن تدمر، ومجزرة حماة في عهد حافظ الأسد، الحرب ضد الشيعة والأكراد في عهد صدام حسين، واستخدام السلاح الكيماوي في حلبجة، ومجازر سجن أبو غريب، مجزرة سجن بوسليم في ليبيا، وتزمامارت في المغرب، العشرية السوداء في الجزائر)، بالإضافة إلى قمع المعارضات العربية في كافة الأقطار العربية، من دون استثناء واللجوء إلى الاغتيالات السياسية من أشهرها (صالح بن يوسف في تونس، المهدي بن بركة في المغرب، منصور الكيخيا في ليبيا، صلاح الدين البيطار في سوريا، موسى الصدر ثم رفيق الحريري في لبنان، محمد بوضياف في الجزائر) وكل الاغتيالات الأخرى.
أنظمة العرب لم تفلح بوضع بلدانها على طريق التقدم والديمقراطية، كما فعلت معظم البلدان التي انطلقت منذ قرن في هذا المضمار، بل عمقت الشروخ في ما بين شعوبها ومكونات مجتمعاتها، ولم تجد حلولا لأزماتها بسبب سياسات الفساد والمحسوبيات، وهذه كانت الأسباب الحقيقية لاندلاع شرارات الربيع العربي، التي مازالت مستمرة إلى الآن، وستبقى مستمرة. ولم تستسلم هذه الأنظمة فقامت بخراب بلدانها كما في سوريا واليمن والعراق وليبيا، وجلبت إليها مستعمرين جددا لحمايتها وكأننا عدنا إلى المربع الأول بعد قرن من الزمن.
كاتب سوري
الوضع أصبح أسوء مما تركه سايكس بيكو… فهناك دول يحوم الشك حول عودتها إلى ماكانت عليه قبل الربيع العربي