إن افتقارنا إلى ثقافة الأرشفة سبب مهم وأساس في نسيان كثير من الأسماء العلمية والفكرية والشخصيات الأدبية والفنية التي لها في العالم المعاصر أهمية ومكانة تستحق منا أن نحتفي بها ونفتخر بنسبتها إلينا. وكم في العربية اليوم من علماء مرموقين من ذوي العقول المميزة إبداعاً والمكانة الراقية؛ بيد أنّ أهل العربية يجهلونهم ويجهلون عطاءاتهم ولا يعرفون المنجزات القيّمة والمهمة التي حققوها من أجل الإنسانية جمعاء.
ولو كنا على دراية بأهمية التراجم لمبدعي ثقافتنا العربية لما غاب ذكر هؤلاء الأفذاذ عنا، ولما كان الطمر في غياهب النسيان مصيرهم، ولما صار التنقيب عنهم وكشف بعض من انجازاتهم صعباً نظراً لما يحتاجه هذا التنقيب من جهود مضنية وحثيثة.
ولقد تنبه العرب الأقدمون إلى أهمية هذا النوع من التأليف الأرشيفي أي التراجم فوضعوا المجلدات وعملوا الخزائن والمذاخر وأقاموا صروحا شامخة أودعوا فيها ما كانوا يفخرون بحفظه للأجيال القادمة مصنفين ذخائرهم ومدخراتهم في خانات، فيها لكل حقل من حقول المعرفة موضع، ولكل صنف من صنوف الأدب والفن مكان. حتى إذا جاء عصر النهضة ونفضنا الغبار عما طمرته العصور المظلمة من كنوزنا اكتشفنا هذا الأرث المجيد الذي به نباهي الأمم من حولنا معتزين بأسلافنا.
فما الذي تنتظره الأجيال من بعدنا ونحن لا نؤرشف لانجازات علمائنا ومفكرينا؟ أتراها ستلومنا لأننا فرطنا في ما لدينا، وكان واجباً علينا أن نحفظه ولا نفرط فيه أم تراها تعتذر لنا لأن لا أسماء أو أعمال أو أشياء أبدعناها ولا انجازات حققناها تقتضي منا أن نقوم بخزنها؟
لا عجب أن الأجيال القادمة ستوجه لومها لنا إنْ نحن لم نقم بمثل هذه التراجم لمبدعينا وروادنا ونحفظ منجزات أناس عملوا واجتهدوا فاصابوا وغلبوا وأحرزوا مواقع يفخر العالم بها؛ ونحن أولى أن نفخر بها.
فما الذي يحول دون أن تكون لدينا نزعة توثيقية إن كانت ثقافة الارشفة مشاعة بيننا وبالشكل الذي يدلل على أهمية حفظ ذواكرنا التي ينبغي أن نحفر فيها كي نقع على ما يمكن حفظه منها.
ولا تعني ترجمة المبدعين وأعمالهم كتابة المجلدات وإيداعها الخزائن والمتاحف حسب وإنما أيضا حيوية الاستذكار بالمداومة الثقافية على إشاعة الإنجازات التي بها تعاد الحياة لما هو مخزون وبالصورة التي تنعش فينا عطاءات من سبقونا فتدفعنا إلى العمل والبذل نافضين عنا الكسل ومزيلين روح التشاؤم من مستقبلنا.
ولعل هذا العزم الذي تحققه الأرشفة في نفوس الناس هو الذي به نغير مسار كثير من الأجندات المريبة التي تريدنا أن ننظر بضعة وهوان لأنفسنا مستصغرين حالنا غير واثقين من إمكانياتنا ولا عارفين حقيقة تميزنا وتفردنا.
ولا عجب أن يكون في غياب مثل هذه التراجم المؤرشفة للمبدعين الحقيقيين فرصة لبعض وسائل الإعلام من تحقيق أغراضها المريبة في توجيه أنظار الجمهور نحو أسماء بعينها لكن مع تضخيم إنجازاتها، نافخة فيها نفخا يشعل الجمر حتى في ما ليس له أن يكون جمرا أصلا.
لتظل هذه الأسماء المضخمة المنفوخة هي وحدها في الساحة تُحمَّد وتُمجَّد، مروجة في أذهاننا أن لا إبداع ولا فكر ولا معرفة إلا عند هذه الأسماء وحدها وليس هناك سواها يسد فراغها؛ بل إن كل الذي بعدها مقطوع عنها لا نسل له حتى لا خير في عمل ولا أمل في عطاء وكل شيء عقيم بلا خلفاء والسلام.
إن وجود ثقافة التراجم هي الكفيلة بأن تقلب هذا الواقع رأسا على عقب، مؤكدة أن لدينا ما هو جدير بأن نتركه للاجيال من بعدنا.
وقد يقول قائل إن هناك منظمات ودوائر وكيانات وقرارات وجوائز عربية غايتها أن ترصد هذه الأسماء وتكافئها لكن ذلك أمر لا يعول عليه ولا هو بالبديل عن التراجم التي عليها يكون التعويل تاما وكاملا.
ومما نمثل به على عطاءات عقولنا العربية التي طواها الطمر وأصابها النسيان بينما هي جديرة بكل احتفاء وتقدير عطاء العلاّمة العراقي محسن مهدي (1924 ــ 2007) الباحث والمفكر الفيلسوف والأكاديمي المرموق الذي عمل عقودا في دراسة الفلسفة الوسطوية العربية، والباحث المتمرس الذي عرفته أهم مراكز البحث العالمية والذي كرس حياته التي نافت على الثمانين في البحث عن المخطوطات وتحقيقها بدءا من اطروحته «فلسفة ابن خلدون التاريخية» عام 1954 إلى أن احتل كرسي دراسات اللغة العربية في جامعة هارفارد، وهو المحقق الجليل الذي حقق أكبر مصنفات أبي نصر الفارابي ومنها كتابه «الحروف» الذي يعد الأهم بين مصنفات الفارابي وأكثرها غناء للمهتمين بدراسة الفكر العربي عامة والفلسفة الإسلامية وفقه اللغة العربية خاصة، فضلا عن الإنجاز الكبير المتمثل بتحقيق نسخ مجهولة من ألف ليلة وليلة.
وقد مكّن تبحّر محسن مهدي في اللغة العربية وتخصصه الشامل في الفلسفة الإغريقية والإسلامية واليهودية فضلا عن طول باعه في التاريخ من أن يكون عالما كبيرا متخصصا في مناهج تحقيق النصوص التي بسببها حظي بصيت عالمي مرموق، ناله بصمت وتواضع كبيرين.
ولم يقتصر علمه على الفلسفة واللغة والتاريخ والتحقيق حسب؛ بل تعداها إلى الترجمة والتأويل الإسلاميين ليكون المتخصص رقم واحد عالميا في الفلسفة الإسلامية عامة وفلسفة المعلم الثاني خاصة وهو الذي اكتشف بعض كتب الفارابي ورسائله المجهولة وغير المعروفة في عالم الدرس الفلسفي الحديث والمعاصر.
أما لماذا كرّس محسن مهدي علمه لدراسة الفيلسوف الفارابي فلأنه الوحيد بين الفلاسفة المسلمين الذين ركز جهوده على العقل والسياسة وطور فلسفة الملة التي تعتمد في أساسها على فلسفتي أفلاطون وأرسطو بعامة وعلى الفلسفة المدنية الأفلاطونية بخاصة.
وليس مصادفة أن يقع خطو هذا العالم على أثر الفيلسوف الفارابي الذي لم تكن أعماله الفلسفية معروفة ولا محققة فكان أن ترأس ابن سينا تلميذ الفارابي اتجاهات الفلسفة الإسلامية، وصارت هذه الفلسفة في نظر كثيرين من مفكري الغرب تعني ابن سينا ناسين الفارابي مؤسس هذه الفلسفة ومشيد بنيانها بيديه.
من هنا جاء اهتمام العلّامة محسن مهدي بالفارابي فحقق ونشر كثيرا من كتبه التي لم تعرف إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، واضعا أساسات دراسة الفلسفة الفارابية السياسية والفلسفة المدنية الأفلاطونية. ومن أهم كتبه في فلسفة الفارابي كتابه «الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية الإسلامية» الذي أنجزه بعد عقود طويلة من البحث الأكاديمي وفيه قدّم قراءة فلسفية تأويلية، وعنه قال شارلز بتروورث: «إنه لا يوازيه كتاب في تاريخ الدراسات عن الفارابي وأن اشتهار محسن مهدي بالبحث العلمي المضني والشامل جعله يتجنب التقيد بالعرف العلمي المتمثل بالإحالة الى الأدبيات الثانوية التي تمت بصلة إلى موضوعه الخاص من قريب أو بعيد».
وصحيح أن أول دراسة شاملة كرست لمكانة الفارابي في الفلسفة الإسلامية نشرها إبراهيم مدكور في العام 1934، بيد أن الظن العام عند مؤرخي الفلسفة الفارابية كان يقوم على اعتبار أن الفارابي اتبع التراث الأفلاطوني المحدث الذي سيطر في مدرستي الإسكندرية وأثينا وهو ما فنّده العلامة محسن مهدي، مدللا على حقيقة أن الغياب الكامل للمذاهب الفلسفية الأفلاطونية المحدثة كمذهب الواحد والعقل والنفس كاف لتوجيه الاختصاصين وطلاب الفلسفة الإسلامية إلى أنهم أمام فيلسوف كبير جمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ووضع أول نظرية في إحصاء العلوم وعرّف بأهل المدينة الفاضلة.
ومن آراء محسن مهدي القيّمة في الفلسفة المدنية أن الإنسان هو القضية المركزية للفلسفة وللشريعة على حد سواء. وأن الفيلسوف لا يعيش بين موجودات عديمة الحيوية أو حيوانات أخرى يجادلها أو يبرر لها موقفه إنما هو يتحادث مع بشر آخرين، بشر مثله سبقوه في الانتماء إلى جماعة سياسية كأعضاء أو كمواطنين.
وهو القائل أيضا: «إذا كان ثمة موقف تميزت به الأمة المسلمة جمعاء عبر العصور فهو العرفان بالجميل للوحي وللشريعة الإلهية. وأن الفلسفة تدعو الإنسان إلى معرفة الكون المرئي وقوانينه بواسطة عقله أو ذكائه بينما الشريعة تلزمه بالامتثال مخلصا إلى وصايا الله. ولا فرق بين المدنية التي يبنيها الفيلسوف والمدنية التي وضعتها الشريعة لأنهما معنيتان بالفضيلة ومن ثم هما مدينتان فاضلتان».
هذا إلى جانب تبحّر العلامة محسن مهدي باللغة العربية كمناقشته لأصل مسميات الطبيعة والمطبوع والعقل والحكمة. وهو صاحب عقلية نقدية تتضح في تحقيقاته وتأويلاته ومنها تحليله لألف ليلة وليلة، وما اكتشفه في طريقة بنائها من وجود مؤلف ذي معرفة واسعة ودقيقة بأساليب الحكاية وأشكالها وضروب تراكيبها وخصائص كل صنف منها مما سماه «الحكاية التمثيلية».
* كاتبة عراقية
ست نادية جزيل الشكر على ما كتبتيه عن محسن مهدي
السؤال بالنسبة لي ما معنى أن تكون ملكي أكثر من الملك، في دولة جمهورية، أو ما الفرق بين الأرشفة مثل الأرشيف العثماني، وبين التدوين اللغوي، أو الترجمة في بيت الحكمة، منذ العصر العباسي، وحتى عام 2021؟!
هو أول ما خطر لي عند قراءة بداية ما ورد تحت عنوان (محسن مهدي العالِم العراقي المنسي) الذي نشرته الأكاديمية (نادية هناوي) لمناهج تعليم دولة الحداثة الأوربية، في العدد الأسبوعي من جريدة القدس العربي،
خصوصاً بعد قرار وقف الدولة الفرنسية إيقاف تمويل مجلة (ديبا) بعد تمويل لها منذ عام 1980، فلماذا قامت برصد الأموال من أجل الإصدار في عام 1980، ولماذا منعت التمويل في عام 2021؟!
لأن العراق كدولة، تعامل عند تكوين دولة الحداثة (دولة سايكس وبيكو)، بعد سقوط الدولة العثمانية،
مع من كان يحمل الأوراق الرسمية العثمانية، أو غير العثمانية مثل الفارسية،
(نوري السعيد) وتشريع قانون خدمة العلم في الجيش العراقي، فرضها على من يحمل الأوراق الرسمية العثمانية (فقط)،
ولذلك أكثر أصحاب المال، وحتى لا يجعل أولاده يخدم خدمة العلم، قام بتغيير معلوماته في سجلات الدولة، من العثمانية إلى غيرها، مثل الفارسية،
أثر أوربا والاتحاد السوفييتي، من تأثيرات تمويل (معمر القذافي)، بواسطة أموال (البترودولار)، الثورة وحتى عودة (الخميني) على طائرة ونزل وهو يستند على يد الطيّار الفرنسي، لخصت ذلك بشكل رائع،
الحرب العراقية الإيرانية، وتفجيرات حزب الدعوة حتى في العاصمة بغداد، ما بين 1980-1988، دفعت (صدام حسين) إلى تهجير، كل من كان في سجلات الدولة ليس من أصل (عثماني)،
هذه الحركة، أدت إلى استفحال مفهوم التزوير، في سجلات (أرشيف الدولة) بواسطة عقلية لوتي سوق مريدي،
وبعد 9/4/2003 أصبحت مأساة الدولة بشكل عام،
وأصبح لا يتم الاعتراف، حتى عند طلب منك أربعة مستمسكات، حيث من حق الموظف، أن يطلب منك إثبات صِحّة صدور، فوق ذلك؟!
ومن هنا أهمية الأتمتة، بأن يكون مبني على الأرشيف العثماني، كنقطة انطلاق لتكوين الجيل الثاني من Blockchain and e-Currency الحالية، فهي بالصيغة وزاوية الرؤية، تؤدي إلى اللا دولة أو اللا إقتصاد، أو اللا مرجعية،
وهو ما نعرضه من خلال حلنا، مشروع صالح التايواني، فنخلق من جمع ومنافسة المنتج الصيني والمنتج التايواني والمنتج المحلي، سوق صالح (الحلال)، من خلال دائرة البريد التابعة لوزارة الاتصالات في أي دولة، كمنافس مع فلسفة سوق أميركا (أمازون)، ومع حكمة سوق الصين (علي بابا).??
??????
رحم الله الأستاذ محسن مهدي…كنا في تونس سنة 2014، كلية الاداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم الفلسفة، قد أقمنا ندوة تكريمية، عنوانها السنن والمعارف في الحضارة الإسلامية، أعمالها مهداة إلى روحه.
عرفت الراحل محسن مهدي في اواسط تسعينات القرن الماضي حتى وفاته . عرفني به المكتبي السوري احمد شليلات ، الذي كان يعمل في مكتبة ابن سينا في باريس . منذ اللقاء الأول ولدت بيننا صداقة عميقة . كان يأتي للمكتبة الواقعة بين معهد العالم العربي وجامعة جوسيو مرة في الأسبوع . نتجاذب الحديث ، معظم الوقت عن عراق كنا بعيدين عنه . كان وديعا ، هادئا ، صوته واطيء ومبتسم معظم الوقت . خجله كان واضحا ينم عن رقة وحزن دفين . في مقهى “ النجمة الذهبية “ القريب كنا نشرب قهوتنا سويا و احيانا مع زوجته الأمريكية . عاش محسن مهدي سنواته الأخيرة في باريس التي كان يحبها . قبلها دعي لمجموعة من المحاضرات في معهد العالم العربي بما كان يسمى حينذاك كرسي المعهد . المشكلة ان الوسط العراقي ، الثقافي والعام ، لم يهتم به مطلقا . كانت السياسة هي الغالبة حينذاك ولم يكن الرجل سياسيا ، قدر ماكان فيلسوفا مكتظ بالحنين لبلده الأم ومدينة مسقط رأسه كربلاء .
عرفته على البعض من المثقفين العراقيين لكن احدا لم يتصل به يوما . نشرت ترجمات كثيرة لكتبه بالفرنسية عن دار “ البا ميشيل “ ولم تهتم به حتى ذلك الوقت دار نشر عربية ، للأسف . اذكر اني يوما اهديته كتابي “ سماء حالكة بالنجوم “ والذي يروي كربلاء في اوائل سبعينات القرن الماضي . تصفحه وقرأ الصفحة الأولى ، فقد كان يجيد الفرنسية ، ثم اجهش في بكاء مرير . مسح دوعه و اعتذر وفي جلسات لاحقة روى لي كربلاء كما شهدها في الثلاثينات والأربهعنات من القرن. روى لي رحلته الطويلة من العراق الى الولايات المتحدة عبر نقليات نيرن حتى دمشق ثم بيروت ثم عبر الباخرة الى الأسكندرية ومن هناك الى قبرص ثم مرسيليا في الجنوب الفرنسي ثم القطار حتى باريس والباخرة من جديد حتى شمال الجزر البريطانية ثم الطائرة ، على مراحل حتى نيورك . كان يضحك وهو يقص خوفه خلال رحلة الطائرة ، فقد كان جسم الطائرة من خشب و قماش وترتجف في الفضاء .
بذلت جهودا لتكريمه في الأوساط الثقافية في لندن لكن احدا من قادة المعارضة حينذاك استجاب للأمر . ثم بعد سنوات حكموا العراق ولم يذكروه . الكثير من العراقيين ينكرون ما يجهلونه ، في السياسة وفي الثقافة وفي اللغات ايضا .