غزة – «القدس العربي»: في المستشفى الميداني التابع لمستشفى أبو يوسف النجار المدمّر، يتنقّل الدكتور مروان الهمص بين الأسرّة كما لو أنه في حقل حرب لا مستشفى. سحنته شاحبة، وعيناه مثقلتان بالسهر والتفتيش في العتمة عن جرعة أكسجين أو شريط دواء مفقود. لكن ما أثقل كاهله حقًا لم يكن نقص الإمكانيات فحسب، بل شعوره أن العالم يتفرّج على شعب يُذبح بالحصار كما يُذبح بالقنابل.
في هذا الحوار، يفتح الهمص كل الأبواب المغلقة التي نخشى رؤيتها: من غرف العناية التي نفد فيها الأكسجين، إلى قاعات العمليات التي باتت تُدار بلا كهرباء، ومن المراكز التي أصبحت عاجزة عن استقبال جرحى العدوان المتواصل، إلى أقسام الأطفال التي تصدح فيها صرخات الجوع بدلًا من بكاء المواليد الجدد.
يتحدث مدير المستشفيات الميدانية في غزة عن كارثة صحية مركّبة، لا تبدأ بنفاد المضادات الحيوية ولا تنتهي بانقطاع لقاحات شلل الأطفال، بل تشمل انهيارًا شاملًا في سلسلة الحياة، بداية من الطعام، وانتهاء بالدم الذي لا يكفي لإنقاذ الأرواح.
يكشف الهمص عن حجم الجوع المتوحش الذي يفتك بأجساد الأطفال والمرضى وكبار السن. عن أمّ لا تجد مصاصة لطفلها، عن رضيع فقد القدرة على البكاء، وعن عائلات تُقتل أمام مراكز توزيع المساعدات «الأمريكية – الإسرائيلية». لا سرد في هذا الحديث إلا للكارثة، ولا لغة إلا لغة الصرخة التي يطلقها طبيب لم تعد في يده إلا المناشدة.
من خلال شهادته، نرى كيف يتشارك الأطباء وجرحاهم الجوع ونقص المناعة، وكيف يتحول التبرع بالدم إلى مسرح للعجز العام. حوار يعكس ما بعد الانهيار، ما بعد الصدمة، حيث يصبح الموت حدثًا يوميًا عاديًا، لا يلفت أحدًا، ولا حتى كاميرا.
د. مروان الهمص لـ»القدس العربي»: 75 في المئة من الشهداء نساء وأطفال…
ما الذي يمثّله الحصار اليومي المفروض على قطاع غزة على الواقع الصحي والإنساني؟
الحصار ليس مجرد منع للسلع، بل هو سياسة قتل بطيء وشامل. اليوم، نحن تحت قبضة حصار شامل يخنق كل تفاصيل الحياة. تخيّل أن يُمنع إدخال لقاحات الأطفال الأساسية مثل لقاح شلل الأطفال، لأكثر من 602 ألف طفل دون سن العاشرة. هؤلاء يحتاجون إلى الجرعة الثالثة في المرحلة الأخيرة من التطعيم، والاحتلال يمنع إدخالها منذ أكثر من شهر، في وقت بالغ الحساسية.
ما يحدث ليس فقط حرمانًا من اللقاح، بل هو تعمّد في خلق جيل من المعاقين، من الأطفال الذين قد يُصابون بالشلل مدى الحياة. الاحتلال لا يستهدف فقط أرواحنا بالقصف، بل بأمراض يمكن تفاديها بلقاح بسيط لا تتجاوز كلفته دولارات قليلة. هذا الحصار أداة لإبادة جماعية صامتة، لا يُسمع فيها صوت الطائرات، بل صدى صراخ الأمهات في أروقة العيادات حين يُقال لهن: «لا يوجد لقاح».
هل لهذا الحصار تبعات قد تمتد خارج حدود القطاع؟
نعم، والناس لا تدرك مدى الخطر. مرض شلل الأطفال مرض شديد العدوى، لا يعرف الحدود، وينتقل عبر المياه الملوثة والبراز، ولا يوقفه حاجز. إذا تفشّى في غزة، فسرعان ما سينتقل إلى دول الجوار: مصر، الأردن، لبنان، وحتى داخل الخط الأخضر والضفة الغربية. نحن لا نُحذّر فقط من كارثة داخلية، بل من تفجر وبائي إقليمي إن لم يتم إدخال اللقاحات فورًا.
ما مطالبكم في ظل هذا الانهيار الصحي؟
مطالبنا بسيطة: أن تُدخل الأدوية، أن تصل اللقاحات، أن يُسمح للطعام والماء بالدخول. نطالب بوقف هذه الحرب المجنونة التي أنهكت المستشفيات وأغرقتها في الدم. نحن في مواجهة يومية مع الموت. أكثر من 120 يومًا من الحصار القاتل، وفي كل يوم يصل إلينا في المستشفيات ما لا يقل عن 40 شهيدًا، وغالبًا يصل العدد إلى 100. أما المصابون، فنتحدث عن أعداد مضاعفة، لا يمكن السيطرة عليها طبيًا في ظل هذا النقص.
كيف تتعامل المستشفيات مع هذا الضغط في ظل نقص الإمدادات؟
الوضع كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. نحن نُمارس الطب بنمط التقنين، لا الطب الوقائي ولا العلاجي. المريض الذي يحتاج إلى 3 قطع شاش، نمنحه واحدة فقط. الجريح الذي يحتاج إلى عملية عاجلة، ننتظر أن يتوفّر التيار الكهربائي لنُجريها. نحن نعاني من انعدام الأكسجين بعد تدمير محطات التوليد، ولا نستطيع تزويد مرضى الحالات المزمنة بأسطوانات الأكسجين في منازلهم.
هل المستشفيات مهددة بالتوقف التام؟
نعم، خلال أيام قليلة. نقص الوقود يعني توقف المولدات، وبالتالي توقف المستشفيات عن العمل. نحن نعيش على ما تبقى من ديزل، وكل لحظة تمرّ تُقرّبنا من لحظة الانطفاء الكامل. لن نتمكن من تشغيل أجهزة التنفس ولا الحاضنات ولا حتى المصاعد لنقل الحالات الخطرة.
«أوجّه نداء عاجلًا لكل أحرار العالم العربي والإسلامي… كفى صمتًا»
ما حجم المعاناة الناتجة عن الجوع في القطاع؟
الجوع ضرب غزة بالكامل. لا استثناءات. من الطفل الرضيع إلى المسن، الجميع يعاني. أكثر من 60 ألف إنسان يعيشون في حالة جوع مطلق، لا يجدون ما يسدّ الرمق. أكثر من مليوني مواطن لا يستطيعون الحصول على رغيف خبز. أطفالنا لا يجدون حتى مصاصة صغيرة لرفع السكر في دمائهم.
حتى من كانوا يحاولون الحفاظ على وزنهم قبل الحرب، فقدوا الآن ما معدله 10 كيلوغرامات من أوزانهم قسرًا. إنه «رجيم الحرب»، فرضه الاحتلال بقطع الغذاء. وهناك 1600 طفل يعانون من سوء تغذية حاد، كثيرون منهم باتوا أقرب إلى الموت. الأمر ليس في أرقام فقط، بل في مشاهد يومية لأطفال نحيلين، جلد على عظم، يتنفسون بصعوبة.
وماذا عن الأطفال؟ هل هناك أرقام واضحة لسوء التغذية بينهم؟
نعم، والأرقام موجعة. منذ بدء حظر المساعدات في 2 آذار/ مارس 2025 وحتى 13 أيار/ مايو، توفي 57 طفلًا بسبب الجوع وسوء التغذية، داخل المستشفيات فقط. أما الذين ماتوا في البيوت أو أماكن النزوح ولم يتمكنوا من الوصول إلينا، فلا نعلم عددهم. وهناك 311 طفلًا وُلدوا ثم استشهدوا في هذه الحرب. والمجمل الكارثي 18 ألف طفل استشهدوا منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، أي ما يزيد عن 31% من مجموع الشهداء.
هل هناك حالات لا تصل أصلًا إلى المستشفيات؟
كثير من الحالات تموت بصمت. كبار السن ينهارون من الضعف وسوء التغذية والمناعة المنخفضة، ويموتون في بيوتهم، دون أن تُسجّل وفاتهم في سجلات المستشفيات. الناس باتت تؤمن أن لا فائدة من الحضور إلى المراكز الصحية، لأن العلاج ببساطة غير موجود. الحالات التي تصل إلينا تكون في مراحل متأخرة، فنفقدها على أبواب الطوارئ.
كيف أثّر إغلاق المعابر على خدمات الأمراض المزمنة؟
أثّر بشكل مدمّر. مرضى السكري لا يجدون أدويتهم المركبة الحديثة. أي نغزة في أقدامهم، نضطر بسبب الغرغرينا إلى بتر أصابعهم أو أطرافهم. أما مرضى الضغط، فنراهم يوميًا في الطوارئ بعد جلطات دماغية وشلل وفقدان بصر. ومرضى الفشل الكلوي يموتون يوميًا، لأن 45% منهم حاليًا قد فقدوا حياتهم، بسبب غياب العلاج والغذاء المناسب.
وماذا عن المرضى الذين يحتاجون للعلاج خارج غزة؟
لدينا أكثر من 25 ألف مريض ينتظرون التحويل إلى مستشفيات خارجية، لكن لا أحد يُسمح له بالخروج. هؤلاء أصبحوا اليوم على ما نُسميه «لائحة الموت». لا أمل لهم بالبقاء أحياء، إلا بمعجزة.
كيف أثّر الجوع على قدرة الشباب على التبرع بالدم؟
عندما أطلقنا حملات للتبرع بالدم، فوجئنا أن 80% من الشباب المتبرعين لا تصلح دماؤهم. نحن نحصل على 20 وحدة فقط من أصل 100 متبرع. المناعة منهارة، نسبة الهيموغلوبين منخفضة، وأجساد الشباب صارت ضعيفة كالأطفال.
ما أثر استهداف الاحتلال لمراكز توزيع المساعدات على المدنيين؟
الاستهداف المباشر للمواطنين الذين ينتظرون المساعدات كارثة فوق الكارثة. أطفال، نساء، شيوخ، يُقتلون وهم ينتظرون طعامًا لا يأتي. أمام مراكز توزيع المساعدات «الأمريكية – الإسرائيلية»، سالت الدماء. الطفل لا يجد قطعة بسكويت، لا مصاصة، لا شيء. والنتيجة أن كثيرين منهم ماتوا واقفين في طوابير الانتظار، جوعًا أو قصفًا.
ماذا تقول الأرقام عن نسبة استهداف النساء والأطفال؟
من كل الإصابات التي تصلنا، 75% هي من الأطفال والنساء. تخيّل أن الحرب حدّدت هدفها الأساسي: الطفولة. عدد الأطفال الشهداء بلغ 18 ألفًا، وهي نسبة صادمة من مجموع الشهداء. وكأن الاحتلال قرر أن يقتل الجيل القادم بكل الوسائل: إما بالصاروخ، أو بالجوع، أو بالمرض.
ما رسالتكم للمجتمع العربي والدولي في ظل هذا المشهد القاتم؟
أوجّه نداء عاجلًا لكل أحرار العالم العربي والإسلامي. كفى صمتًا. اضغطوا بكل الوسائل على دولة الاحتلال. أوقفوا هذه الحرب. نحتاج إلى إدخال الطعام، الدواء، اللقاحات، الماء. نحتاج إلى وفود طبية، مستشفيات ميدانية، نحتاج إلى أن يعيش أطفالنا لا أن يُدفنوا قبل أن ينطقوا بكلماتهم الأولى.
هل يعقل يالله أن تموت الأطفال جوعاً في حرب إبادة وإجرام وحشي قل مثيله في التاريخ والدول العربية صامته! لكم الله ياشعب فلسطين.