مشروع تهويد الحرم الإبراهيمي في الخليل: القصة أكبر من مصعد كهربائي وطريق خاص بالمستوطنين!

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

 الخليل ـ «القدس العربي»: تنظر مديرية الأوقاف في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية، إلى الإجراءات الإسرائيلية بحق الحرم الإبراهيمي على أنها “أخطر عملية تواجه هذا المكان المقدس”، فهي تًعتبر الإجراءات التي بدأت صباح أمس عبر قدوم آليات ثقيلة بهدف الحفر والتمديد “بداية لعملية كبيرة هدفها تغيير معالم المكان كليا وتهويده في نهاية المطاف”.
وتخوض جهات فلسطينية كثيرة صراعا قانونيا بين تقديم التماس ورده، منذ أكثر من عام ونصف في المحاكم الإسرائيلية بشأن وقف أمرين عسكريين لشق طريق ملتوٍ يصل المسجد الإبراهيمي عبر ساحاته الخارجية، وبناء مصعد للمستوطنين يصلهم بالمسجد أيضا.
واستغلت حكومة المستوطنين رفض المحكمة العليا الإسرائيلية استئنافا تقدمت به جهات فلسطينية بتاريخ 9 مارس/ آذار ضد قرار المحكمة المركزية القاضي بالمصادقة على رخصة بناء الممر والمصعد ويطالب بتجميد ووقف رخصة البناء، وهو طلب رفضته المحكمة ابريل/ نيسان الماضي.
ورغم أن القضية ما زالت أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بحسب محامي لجنة إعمار الخليل توفيق جحشن، إلا أن حكومة المستوطنين استغلت ذلك القرار الأخير الذي صدر قبل أقل من أربعة أشهر للمباشرة بأعمال البناء عبر توفير ميزانية قدرها مليونا شيكل.
واعتبر جحشن رفض المحكمة الطلب الفلسطيني بتجميد رخصة البناء بمثابة منح مبرر للمستوطنين للشروع في تنفيذ رخصة بناء المصعد والطريق. وأكد أن القاضي الذي رفض أمر التجميد هو مستوطن يقطن إحدى المستوطنات المقامة عنوة على أراضي المواطنين في الضفة الغربية.

إعمار الحرم بالمصلين

الشيخ جمال أبو عرام، مدير أوقاف الخليل يقف أمام الجرافات وبجواره مجموعة من فعاليات مدينة الخليل وقواها الوطنية والإسلامية ليبعث رسالة رفض لكل ما يجري بحق المسجد الإبراهيمي الذي يسيطر المستوطنون على 67 % من مساحته الأصلية منذ سنوات.
ويقول في تصريحات لـ القدس العربي” :”رسالتنا اليوم ردا على ما يجري تتمثل بدعوة الفلسطينيين للقدوم للخليل، ودعوة أهل الخليل للقدوم للمسجد الإبراهيمي للصلاة فيه، نريد إعماره بأنفسنا وحضورنا والصلاة فيه”.
وتابع: “في الحقيقة لا ينقطع حضور المستوطنين للمسجد الإبراهيمي، إنهم يقتحمون المسجد في كل الأوقات، والأولى أن نعمره بأجسادنا ودعائنا والصلاة فيه”.
ومنذ ساعات الصباح الأولى (الثلاثاء) بدأت الجرافات بالعمل بعد أن جلبت المعدات والمواد الخام من اجل تشييد المشروع الاستيطاني الجديد.
الأوقاف وعبر مديرها الشيخ أبو عرام، طرقت باب رئيس الوزراء الفلسطيني، وكذلك الرئاسة الفلسطينية من أجل العمل على رفع الاعتداءات ومخاطبة اليونسكو للحفاظ على التراث الفلسطيني والديني، ومن أجل مخاطبة المنظمات الحقوقية الدولية.
وأضاف الشيخ أبو عرام: “المساحة المحيطة بالمسجد الإبراهيمي تقدر بـ 10 دونمات، وهذا المشروع الاستيطاني سيسيطر على الأقل على مساحة قدرها 3 دونمات من أجل حماية المسار ومنطقة المصعد إضافة إلى مساحة المشروع التي تقدر بحوالى 359 مترا مربعا”.

تصفية المسجد ودور البلدية

وحسب رئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة فإن “قضية رخصة البناء ومطالبتنا بتجميدها ما زالت منظورة في المحاكم الإسرائيلية، نحن ننتظر المحكمة في شهر اكتوبر/ تشرين الأول المقبل إلا أننا نعلم أن الاحتلال ومستوطنيه لا يعترفون بالقانون، ولا يحترمون أحدا، ويريدون السير في مشروع تصفية المسجد الإبراهيمي”.
وعن تبعات البدء بهذا المشروع قال أبو سنينة في تصريحات لـ”القدس العربي”: “هذا المشروع يسحب صلاحية بلدية الخليل عن المكان، فالمسجد ومحيطة يتبعان البلدية، والإجراء الإسرائيلي يفرض وقائع جديدة، كما أنه يغير فعليا من معالم الحرم الإبراهيمي”.
وأضاف: “المشروع اعتداء أيضا على قرار لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة “اليونسكو”، التي أدرجت عام 2017 البلدة القديمة في الخليل (بما فيها المسجد) على لائحة التراث العالمي”.
وكان الفلسطينيون قد اعتبروا قرار اليونسكو بمثابة دليل يدحض الادعاءات الإسرائيلية المطالبة بضم الحرم الإبراهيمي إلى الموروث اليهودي، ويؤكد هوية الخليل الفلسطينية. وكانت سلطات الاحتلال عام 2010 قد ضمت المسجد الإبراهيمي لقائمة التراث اليهودي، وشملت موقع المسجد في الخطة الوطنية لحماية وإعادة تأهيل مواقع التراث اليهودي، وهو ما أثار احتجاجات أممية وعربية، حيث صوتت “اليونسكو” لاحقا بأغلبية أعضائها باعتبار المسجد الإبراهيمي جزأ أصيلا من التراث الفلسطيني الإنساني.
وأشار الى “أن المستوطنين بسلوكهم هذا يستبقون قرار المحكمة، إنهم ينكرون حقوقنا حتى حسب قوانينهم الاحتلالية”. وأكد: “الاحتلال لا يحتمل أن يعترف العالم بروايتنا، وهو يستبق الزمن من أجل تغيير المعالم وتبديل الهويات وفرض الأمر الواقع”.
وطالب أبو سنينة الرئيس الفلسطيني بالقيام بدوره من خلال التواصل مع اليونسكو، كما طالب هيئة الشؤون المدنية بالقيام بواجباتها في هذا الملف التهويدي الخطير.
وعن تفعيل التحرك الشعبي في الخليل لوقف العدوان قال إنهم فعلوا ذلك الخيار، وطالبوا الفلسطينيين بالزحف والاحتشاد في البلدة القديمة.
وتابع: “غير أن واقع البلدة القديمة معقد وصعب للغاية، حيث يمنع الفلسطيني من الدخول للمسجد إلا من خلال 5 بوابات إلكترونية، كما أن البلدة محاطة بأكثر من 15 حاجزا عسكريا، وهناك أكثر من 90 إغلاقا بالإسمنت المسلح، إنها سيطرة كاملة على البلدة القديمة وبداخلها المسجد الإبراهيمي”. وأضاف: “الإجراءات الإسرائيلية تعزل المسجد وتقسم البلدة القديمة وهو ما يعيق الوصول للمكان إلا بالموافقة الإسرائيلية”.

تاريخ من الاعتداءات

ومنذ نفذ الإرهابي الصهيوني باروخ غولدشتاين مجزرة في المسجد الإبراهيمي، في يوم الجمعة الدامي الموافق 25 شباط/ فبراير 1994، استشهد على الفور 29 فلسطينيا، وأصاب أكثر من 150 آخرين بجروح، قامت قوات الاحتلال بتقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين واليهود، حيث حول الاحتلال جزءا من المسجد إلى كنيس يهودي بمساحة 67 في المائة، وهو ما ترتبت عليه إجراءات أمنية خنقت الحضور الفلسطيني في المسجد والبلدة القديمة عبر الحواجز والبوابات الحديدية المحكمة وثكنات المراقبة.
وكانت السلطة الفلسطينية قد وقعت في عام 1997 على اتفاق ملحق بشأن مدينة الخليل قسمها إلى قسمين(H1) التي تخضع للسيطرة الفلسطينية، و(H2) تحت السيطرة الإسرائيلية، وهو ما عمق السيطرة الإسرائيلية على قلب المدينة وبموافقة فلسطينية.
ودعا المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، خطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ محمد أحمد حسين، إلى رفض مشاريع سلطات الاحتلال الإسرائيلي التهويدية في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.
وقال المفتي في بيان وصلت “القدس العربي” نسخة منه، إن سلطات الاحتلال تنوي الشروع بعمل ممرات وساحات ومصعد لتسهيل اقتحام المستوطنين للمسجد الإبراهيمي في الخليل، ما يعني الاستيلاء على ما يقرب من (300) متر مربع من ساحات المسجد ومرافقه، ما يشكِّل اعتداءً صارخا جديداً على ملكيَّة المسلمين الخالصة للمسجد الإبراهيمي، وانتهاكا واضحا للاتفاقات الدولية التي تكفل حماية الأماكن المقدسة، وحرية العبادة”.
وجاء في البيان أن هذه السياسة من شأنها أن تجرَّ المنطقة إلى مزيد من التوتُّر والتصعيد، مع التأكيد على أن مثل هذه المخططات الخبيثة لن تغيِّر من الحقِّ الثابت للمسلمين في مساجدهم وأوقافهم.
ونبه إلى أن سلطات الاحتلال ماضية في تنفيذ خطط التوسع الاستعمارية والتهويدية على الأرض الفلسطينية بالقوة والطغيان، على درب حربها الشاملة التي تشنها على المقدسات الإسلامية في فلسطين، في إطار سعيها لفرض أوامر تهويدية وواقعية على الأرض المحتلة، داعياً إلى رفض هكذا واقع مأسوي ومرير بكل السبل المشروعة، وعلى مختلف الأصعدة.
وطالب المجتمع الدولي والمنظمات الأممية ذات الصلة بتحرك جاد وفاعل لضمان حماية أماكن العبادة بعامة، والمسجدين الأقصى المبارك والإبراهيمي خاصة.
وتمارس قوات الاحتلال انتهاكات يومية تجاه الحرم الإبراهيمي، والبلدة القديمة في الخليل، حيث تقوم بمنع رفع الأذان فيه، ومنع وصول الفلسطينيين إليه والصلاة فيه في أغلب الأيام، وتفتحه للمستوطنين بشكل يومي، كما قامت بطرد بعثة المراقبة الدولية في الخليل بداية عام 2019.
وحذر وكيل الوزارة حسام أبو الرب في تصريحات صحافية من التبعات الخطيرة لمثل هذه الخطوة، ودعا المؤسسات الدولية والحقوقية ومؤسسات حفظ التراث الإنساني إلى ضرورة العمل على إيقاف هذا التعدي السافر والواضح.
وأكد أن الإدارة العامة لأوقاف الخليل قامت اليوم(أمس) بتعليق دوام موظفيها في الإدارة ودعتهم للتوجه للمسجد الإبراهيمي للمرابطة فيه في محاولة لصدِّ الاحتلال عن تنفيذ مخططاته، كما تمت دعوة مؤسسات الخليل قاطبة للتوجه للمسجد.
كما ناشد أبو الرب أبناء محافظة الخليل بشكل خاص وأبناء شعبنا الفلسطيني بالتوجه للمسجد الإبراهيمي، والمرابطة فيه، وتكثيف الوجود سواء خلال الصلوات المفروضة، أو فيما بينها لمنع الاحتلال من تنفيذ جرائمه وانتهاكاته.
ويسمى المسجد الإبراهيمي، أو الحرم الإبراهيمي الشريف نسبة إلى النبي إبراهيم “خليل الرحمن”، الذي يعتبر أقدم بناء مقدس مستخدم بلا انقطاع، وهو رابع الأماكن المقدسة عند المسلمين بعد الحرمين المكي والمدني والمسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين عامة، والثاني في فلسطين.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية