مصر: الجيش هو الحل؟

عندما يوجّه الجيش المصري تهديدا، وليس انذارا فقط، للنخبة السياسية، في الحكم والمعارضة معا، بأنه سيتدخل لإنقاذ البلاد من الانزلاق الى نفق مظلم، فإن علينا الا نستبعد حدوث هذا التدخل في غضون الايام القليلة القادمة، وربما قبل مظاهرات التمرد في الثلاثين من الشهر الحالي، لحسم الأمور امنيا والسيطرة على الشارع، والحيلولة دون صدامات دموية.
مصر تعيش حالة من الغليان اختلطت فيها الاوراق، وتصاعدت فيها حدة الخصومات، وبات الاحتكام الى الشارع، وليس الى صناديق الاقتراع، هو عنوان المرحلة الحالية، ولا غرابة ان تقول صحيفة ‘التايمز’ البريطانية انها، اي مصر، اكثر بلدان العالم من حيث عدد الاعتصامات.
كان ميدان التحرير في السابق هو العنوان الوحيد للاعتصامات والاحتجاجات، الآن هناك ميدان رابعة العدوية الذي بات عنوانا لتجمع الاخوان المسلمين، وهناك قصر الاتحادية الرئاسي، وميدان العباسية كوجهة لمعارضيهم ومناصري جبهة الانقاذ الوطني المعارضة.
بالأمس شهدت مصر حادثا مروعا عندما هاجم اسلاميون متشددون منزلا في قرية ابو مسلم في مركز ابو النمرس بالجيزة كان يتجمع فيه مسلمون من معتنقي المذهب الشيعي، وقتلوا اربعة منهم من بينهم زعيمهم حسن شحادة وسحلوهم في الشوارع والدماء تطفح من اجسادهم، وسط ترديد شعارات طائفية غريبة على مصر التسامح والاعتدال والوسطية، على حد وصف بيان الرئاسة الذي ادان هذا الاعتداء بأقسى العبارات.
مصر تشهد اعتداءات طائفية عديدة، ولكن بشاعة هذه الجريمة صدمت الملايين الذين شاهدوها حية بأدق تفاصيلها على ‘اليوتيوب’، وشاشات بعض الفضائيات المصرية. والسؤال البديهي من المسؤول عن ايصال مصر الى هذه الحالة؟ ومن قدم غطاء سياسيا لهذا التطرف الطائفي؟
‘ ‘ ‘
الشارع المصري منقسم افقيا، والتوتر يتصاعد، والاحتقانات تتضخم، هناك احتقان سياسي بين الاخوان المسلمين وخصومهم، وهناك احتقان طائفي بين المسلمين والمسيحيين، وثالث بين الشيعة والسنة، وجميع هذه الاحتقانات تنتظر عود الثقاب الذي قد يؤدي حتما الى الانفجار الدموي الاكبر لا قدر الله.
الاسلاميون قرروا النزول الى ميدان رابعة العدوية يوم الجمعة المقبل، لعرض عضلاتهم واظهار قوتهم، تحت عنوان دعم الشرعية، اي شرعية الحكم، اي قبل يومين من المظاهرة الكبرى التي يعدّ لها شباب ‘التمرّد’ امام قصر الاتحادية يوم الاحد المقبل، لمطالبة الرئيس محمد مرسي بالرحيل.
هذه المظاهرات والمظاهرات المضادة، خلقت وتخلق حالة من الفوضى في البلاد، وتضعها امام مجهول مرعب لا يستطيع احد التنبؤ بما يمكن ان يترتب عليه من سفك دماء.
شخصيا حضرت مناسبتين اجتماعيتين سياسيتين اثناء وجودي في القاهرة قبل اسبوعين، الاولى للمعارضة وسمعت رئيس تحرير احدى الصحف المصرية الواسعة الانتشار يتحدث عن انباء مؤكدة بلجوء بعض المشاركين في مظاهرة الاحد القادم الى السلاح، والثانية لأعضاء في المجلس الاعلى للقوات المسلحة، اكدوا لي ان الجيش لن يسمح بانهيار ‘الدولة المصرية’، ولن يتساهل مع اي تحرك يهدد بانفجار صراع تصعب السيطرة عليه. فولاء المؤسسة العسكرية اولا واخيرا لمصر وشعبها.
اعضاء المجلس العسكري اشتكوا بمرارة من الإهانات التي تعرضوا لها اثناء استلامهم الحكم من الرئيس المخلوع حسني مبارك، واعربوا عن كراهيتهم المطلقة للاتهامات التي انهالت عليهم خاصة جملة ‘حكم العسكر’ ومن الليبراليين واليساريين على وجه الخصوص، وهم الذين يطالبون الآن بتدخلهم لانهاء حكم الرئيس مرسي.
المؤسسة العسكرية اذا تدخلت هذه المرة فسيكون تدخلها مختلفا عن المرة السابقة، ولن تسلم الحكم بسرعة وسهولة، بعد ان بات لديها انطباع راسخ بأن النخبة السياسية بمختلف الوانها واطيافها غير ناضجة، وغير مؤهلة لحكم البلاد.
‘ ‘ ‘
الفريق اول عبدالفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع اعطى في بيانه الاخير هذه النخبة فرصة اخيرة لانقاذ نفسها، واظهار قدرتها على تحمل المسؤولية، عندما دعا الجميع ‘لايجاد صيغة تفاهم وتوافق، ومصالحة حقيقية، لحماية مصر وشعبها’، ولكنني شخصيا لست متفائلا في امكانية تجاوب هذه النخبة مع هذه الدعوة.
طريق الحوار والتفاهم بين الرئيس مرسي والتيار الاسلامي الذي يدعمه وبين المعارضة مسدود، فحجم الكراهية بين الجانبين وصل الى مستويات غير مسبوقة، ولا نبالغ اذا قلنا ان معظم احزاب المعارضة تكره الرئيس مرسي وحكمه اكثر مما كانت تكره الرئيس حسني مبارك، الذي اجمع الشعب المصري تقريبا على فساده وديكتاتوريته واهانته له ولمصر العظمى.
الرئيس محمد مرسي سيوجه خطابا يوم غد للتحدث الى الشعب المصري بصراحته المعهودة، ولعله يطرح حلولا تنفس الاحتقانات الحالية، وتضيّق هوة الخلافات، وتعيد البلاد الى حالة الهدوء ولو مؤقتا، لتهيئة الاجواء لحوار جدي، ولكننا مرة اخرى لا نشعر بالتفاؤل، لان الرئيس مرسي في خطابات سابقة لم يقدم افكارا او تنازلات كبيرة، ولان المعارضة لا تريد ان تسمع منه غير كلمة ‘التنحي’، وهو لن يقولها حتما، ولن يخلع قفازاته ويغادر حلبة الحكم.
نحن امام وضع متفجّر لا يمكن تجنبه الا بمعجزة، وزمان المعجزات في مصر انتهى منذ آلاف السنوات.
مصر على حافة ‘انقلاب عسكري’ سيعلن فشل الديمقراطية، والنخبة السياسية، ويزجّ بالجيش مجددا في السياسة، ولا ابالغ اذا قلت ان الشعب المصري سيرحب بهذا الانقلاب كملاذ اخير، خاصة ان الازمة الاقتصادية تتفاقم وشريان الحياة الوحيد، اي مياه النيل، مهدد بالانقطاع.
Twitter:@abdelbariatwan

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول علاء ::

    مرسي والإخوان وحلفائهم و”علمائهم” أشبعونا بالفتاوي الطائفية وفي الآخر نسأل من هو المسؤول عن هذا الإحتقان الطائفي الذي يدمر العالم الإسلامي؟
    أوليس الشيخ الجليل ,أب مرسي الروحي, من أفتى قبل أيام بقتال الشيعة؟!!
    ملعونة تلك الديموقراطية التي تدمر الأوطان……

  2. يقول البشير بوكثير الجزائر:

    لقد خيّب الإسلاميون كما العلمانيون أمل المصريين .

    1. يقول البشير بوكثير الجزائر:

      الويل لأمّة تتنكر لتاريخها وهويتها، وتبيع شرفها للأمريكان والعربان.

    2. يقول البصري:

      لا بد للدميمقراطيه ان تحل وتستمر لكي يعرف الحق من الزيف ولكي يعرف الحق من الباطل بالامس صوت المصريون للاسلاميين ، في اعتقاداتهم سينصفونهم ، وللاسف نسوا حالهم في افغانستان وباكستان ، لعدم قرائتهم التاريخيه والسياسيه، بعتبار ان الشعوب العربيه محتاجه لثقافه سياسيه اجتماعيه قبل الاسلاميه .

    3. يقول MANSOUR:

      احترموا الشرعية إخواني لا نريد أن يحدث لمصر الحبيبة مثل ما حدث للجزائر عهدة شرعية ديمقراطية أحسن من عشر سنوات فتنة و عشرين سنة بؤس و مازال ندفع الثمن

  3. يقول البشير بوكثير الجزائر:

    ربما حكم العسكر هو الحلّ، لأننا شعوب لاتحسن فهم الديمقراطية ومكاسبها ولاحتى ممارستها .

    1. يقول SAIED:

      اوافقك على هدزا التحليل و كدلك تونس

  4. يقول [email protected]:

    لن يقبل شعب محترم بحكم العسكر

    شارل ديغول

  5. يقول ياسر الكيلاني:

    ليعلم الجميع القصي والداني،انه لو حصلت انتخابات في مصر كل شهر لفاز بها الاخوان المسلمين،فلندع جانبا الاوهام والطرهات،فالحقيقه التي لا تقبل النقاش الا وهي انه لا يوجد ايا من الاحزاب يقوى على حكم مصر ولو ليوم واحد،حتى الجيش فلولا دعم الاخوان له لما تمكن من ادارة البلاد ليوم واحد اثناء الفتره الانتقاليه،،

  6. يقول wael:

    الوضع في مصر وحتى في كل بلاد الثورات العربيه اثبت ان العرب غير مهيئين وغير لائقين بالديمقراطيه ويحتاجو الى جيل اخر يكون مهيئ من صغره ابتداء من روضات الاطفال الى الجامعات ليعلم معنى الديمقراطيه وحب الوطن .اما ما نراه الان فالجماعه التي لا تحصل على ما تريد بالديمقراطيه تريد ان تنتزعه بالقوه مهما كلف الثمن ولو على خراب البلد كلها0 .الشئ الثاني نرجو من جريده القدس العربي التي ان نحترمها ان تجد اسم ثاني للجماعات الاسلاميه المتشدده لان هؤلاء ليس لهم صله بالاسلام بل هم وصمه عار على الاسلام والمسلمين ويجب ان نلقبهم باوباش ابي جهل وابو لهب وابو صهيون حتى ينفر الناس منهم ومن اعمالهم

    1. يقول البصري:

      أشكرك شكرا جزيلا على كلامك

    2. يقول AZIZ:

      ن مايشهده العالم العربي من تطاحنات و صراعات طائفية كانت متوقعة لسبب بسيط أن هناك أنظمة لم ترد للدول التي شهدت الثورات أن تتنجح فيها الديمقراطية فلجؤاإلى التجييش الطائفي والتحريض على القتل فتناسوالعدو الحقيقي

  7. يقول Salah:

    الله يحمي مصر من جبهة الافلاس والبلطجه وكن علي يقين ان الله غالب علي امره

  8. يقول أبو النعم:

    اعملها يا سيسي و ريخنا من هاته النخب السياسية المتخلفة التي لا تراعي لمواطن المصري البسيط بل تبحث عن السلطة

  9. يقول رضوان بن الشيخ عبدالصمد:

    أستاذناالفاضل عبدالبارى
    حياك الله
    من المسؤول عن مايحدث في مصر؟ طبعا المسؤول هو التيارات السياسية بشقيهاالمعارضة والحاكمة متمثلة بجماعة الإخوان أيضاهناك القضاة في مصر الذين أصبحوا طرفا من المشكلة
    ولذالك لا أستطيع ان أقول ان الجيش هوالحل لماذا الجيش إذا قام بالإنقلاب هذا يعني نهاية الديمقراطية التي حصلت بعد الثورة.وأرجوامن الحكومة والمعارضة في مصر تحكيم العقل والبدء بحوار جاد .وشكرا

  10. يقول محمد أحمد المصري:

    أستاذنا العزيز عبد الباري عطوان
    كالعادة أنت محب لمصر وأظنك مخلصًا، لكن اسمح لي وليتسع صدركم لي أنك أكثر من مرة لم تصل إلى عمق المشهد المصري كما في مظاهرات الاتحادية واستفتاء الدستور.

    الجيش في مصر لا يستطيع أن يحكم بغض النظر عن رغبته، ولو حاول أن يحكم مرة أخرى فسوف ينهار في أسابيع قليلة والكل يعلم ذلك، وليس هذا ما أتمناه ولكن ما أستقرؤه من الواقع، سوف ينهار لأنه ببساطة سوف يعلن الإسلاميون ثورة مسلحة ويستطيعون الاستيلاء على الصعيد كله حتى الجيزة والصحراء الشرقية والغربية وسيناء وسوف يتمزق الجيش لو حاول أن يقمعهم.

    لذلك فالطريق الوحيد الذي يعرفه قادة المؤسسة الأمنية بما فيها الجيش هو أن يقفوا مع الشرعية وفقط وهذا ما اضطرهم لتسليم السلطة السنة الماضية.

    هناك أيضًا زاوية أخرى للنظر للأمور لو كانوا سلموا من سنة وهم مضطرون فهم لا يقدرون، ولو سلموا وهم لا يفهمون فهم غير جديرين، وفي كلتا الحالتين انس أن يحكم الجيش الآن أو بعد شهور.

1 2 3 7

اشترك في قائمتنا البريدية