مطعم فرنسا الكبير

حجم الخط
0

ذاك المطعم الجديد الذي قصدناه، حيث نحن في المدينة الفرنسية، بدا لنا أضخم من سابقه الذي اعتدنا زيارته، بل إنه بزّه، باتساع مساحته، مرّات. لم نجد مكانا لنا في المرأب الفسيح الذي يتّسع لمئات السيارات فكان علينا أن ندور بسيارتنا ثلاث مرّات أو أربع منتظرين أن تخلي سيارة مكانها. كان الطقس حارّاً في الخارج، ولهذا ركضنا مسرعين نحو بوّابة المطعم التي تنفتح وتنغلق كهربائيا. كان الخارجون مساوين للداخلين لجهة العدد. وهذا يعني أن السبعمئة شخص، وهم سعة المطعم من الزبائن، كما سبق أن أُعلن، يتضاعفون هم أيضا بدخول جماعات على إثر خروج الجماعات التي أنهت غداءها.
ومثلما يصف فيه فرانز كافكا أمريكا التي لم يزرها قطّ، كان مشهد الحشود في الداخل. النادلة المكلّفة بإرشاد الزبائن إلى الطاولات التي أخليت طافت بنا على مقاصف كثيرة متفرّقة هنا وهناك، يتخلّل الطرق إليها رجال ونساء وأطفال يحمل كل منهم صحنا واحدا، ذاك الذي يحقّ له أن يجدّده بصحن آخر، أو بصحون أخرى متوالية، إن كان ما زال قادرا على الأكل. فهنا يستطيع الزبون أن يأكل ما يشاء، على قدر ما يشاء. وعلى كل حال، لم تلجأ إدارة المطعم إلى اختراع وسائل لإيقاف النهم عند حدّه، بل هي شجعت عليه بأن أعدّت لكل مرحلة من مراحل الغداء، أو العشاء، مأدبة كاملة. أقصد هناك كل شيء حاضر وممتلئ على طاولات العرض، سواء في ما خصّ مقدّمات الغداء، أو أطباقه الرئيسية، أو فاكهته، ثم حلوياته التي يجب أن لا يغيب شيء منها عن الأعين.

أي أن على قاصد هذا المطعم أن يأكل أكثر مما يجب، وهو لسبب ما، يشعر بأنه لم يأت إلى هنا إلا مستجيبا للتحدي المفروص عليه، وقوامه أن يأكل أكثر مما سيدفع. أي أن المجيء إلى هنا هو فرصة ينبغي اغتنامها، ذاك أنك ستخسر السبق إن اكتفيت بالقدر الذي تأكله عادة، ثم إن من المؤسف أن ترى على طاولات العرض كل ما تشتهيه وتتركه كما هو. فما تدفعه هنا ليس فاتورة سجّلت فيها أنواع الأطباق التي تناولتها، كما هي العادة في المطاعم، بل ما ستدفعه هو رسم دخول محدّد تبعا للأعمار: رسم لدخول الأطفال، ثم الأطفال الذين هم دون الاثني عشر عاما، ثم الراشدين، أو الناضجين. وهذا ما ادّى إلى أن يشعر الناس بأنهم سواسية هنا لا فرق بين عربيّ على أعجميّ إلا بالتقوى. فهنا لن يعيّر أحد أحدا بضعف مركزه الاجتماعي طالما أنهم، جميعا، سيدفعون ثمن الدخول ذاته. كما أن لا مجال لاعتزاز أحد بوجوده في المكان طالما أنه دفع مثلما دفع غيره وسيأكل مثلما أكل غيره، بل لا مجال لامرأة أن تحتفي بشيء فيها، بجمالها مثلا أو بجدة الثياب التي ترتديها، طالما أن الناس إنما جاؤوا لغير ذلك.

الوقت هو للأكل فقط، للأكل وحده. وليس على الزبون أن يضيّع وقت جلوسه بالتمهّل والانتظار، فجلوسك هنا مقبول ما دمت ما تزال تأكل، أما حين تنتهي فعليك أن تقوم. ليس المكان هو لتزجية الوقت أصلا، كما هو الحال في المقهى، حيث تستطيع البقاء ساعتين مع تناول فنجان قهوة واحد.
لكي ينجح مشروع ما عليه أن يتفوّق على ما كان سبقه من مشاريع مماثلة. أما التفوّق الذي اعتمده ذاك المطعم فليس قائما في الابتكار أو الإبداع، بل في أن تضرب، كما في جدول الضرب، ما سبقك بثلاثة أو أربعة أو خمسة. فبدل الاكتفاء بالأكل الآسيوي القائمة فكرته على الأسماك وثمار البحر، يضيف المطعم الجديد إلى ذلك جناحا للكاريبي وآخر للافريقي وجناحا للبيزا، وجناحا للهمبرغر، وآخر لأنواع البطاطا المقلية، إلخ.
السرعة هي ما يطغى على الجميع هنا: على النادلة في ما هي، بلحظة واحدة، تلقي على طاوتنا دورق الماء والأكواب التي لا يزيد عددها عن عددنا. وعلينا نحن أيضا، الذين ما كدنا نجلس كل على كرسيّه حتى نهضنا، من فورنا، لنملأ صحوننا. أما أنا نفسي ففكّرت بصديقي محمد وهبة، الذي بعد إقامة ثلاثين سنة في فرنسا، ما زال يذكر أسماء المطاعم الفرنسية، كأنه يقتطع جملا من أغنيات، أو مشاهد فاتنة من أفلام غرامية.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية