غزة – «القدس العربي»: من شمال قطاع غزة، توجهت الطفلة ماريا، ذات السنوات الست، إلى جنوب القطاع، على أمل إجراء عملية تعيد لها بصرها الذي فقدته في عينها اليسرى خلال الحرب الإسرائيلية. ولكن توقف الخدمات الطبية حال دون عودة النور إلى عينها.
يقول والد الطفلة، محمد عادل أبو جبل لـ«القدس العربي» إن «شظية صاروخ إسرائيلي غاشم اخترقت عين ماريا أثناء قصف منزلنا، ومصاب أسرتنا كان أكبر بخسارة عدد من الأطفال ارتقوا شهداء نتيجة هذا العدوان الآثم. ومن مكان الاستهداف انطلق الأهل إلى المستشفى الإندونيسي لإسعاف ماريا، وهناك صدمتنا كانت لافتقاد المستشفى إلى قسم لمعالجة العيون، فقررنا المكوث في المستشفى والاحتماء به، ولكن سرعان ما وقع المبنى ضحية الحصار والقصف من قبل دبابات الاحتلال».
والد ماريا مكث أربعة أيام وأسرته تحت الحصار داخل المستشفى الإندونيسي، بعدما زعم الجيش الإسرائيلي أنه يبحث عن أنفاق لحركة حماس أسفل المستشفى، وعناصر للحركة داخلها، وقاعدة قرب المستشفى لإطلاق الصواريخ، وهي الحجج المزعومة التي ثَبُت زيفها لاحقا، ونفتها الحكومة الفلسطينية والخارجية الإندونيسية».
محمد أبو جبل يطالب بتسفير طفلته من القطاع للعلاج في الخارج
وعقب الضغط الدولي على قوات الاحتلال للسماح بخروج المدنيين العزّل من المستشفى، نزح أبو جبل وأسرته إلى جنوب قطاع غزة، وركض بابنته إلى مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس، ولكن لضعف الإمكانات الطبية نتيجة الحصار الشامل المفروض عقابا على قطاع غزة، لم تنجح العملية التي أجريت لماريا في إعادة بصرها إلى عينها.
لم يعرف والد ماريا ماذا يفعل وكيف يرد على ابنته التي ظلت تردد «بابا بدّي (أريد) عيني»، بكى وهو يطالب الدول العربية والأجنبية والعالم وكل من بيده المساهمة في تغيير مصير ابنته، بأن يساعد في إخراج ماريا من القطاع إلى أي دولة، بغرض علاجها وإعادة النظر إلى عينها.
فبعد الحادث والعملية (الجراحية) فقدت ماريا النظر بعينها اليسرى تماما، فيما تعاني عينها اليمنى ضعفا شديدا، وليس على لسانه سوى جملة «خدوا عيني الاثنتين وركبوها لبنتي، وأرجعوا لها نظرها».
ماريا التي شهدت أهوالاً أكبر من سنها بأضعاف مضاعفة، تسبب لها القصف والنزوح وفقدان بصرها في إصابتها بنوبات بكاء وهلع وصراخ متواصل، فقدت معها القدرة على التواصل بإيجابية مع الأطقم الطبية، ومع أقرانها من الأطفال، بل ومع أهلها كذلك.
الطبيبة النفسية في مجمع ناصر الطبي غالية بركة، قالت إن الصدمة كانت كبيرة على ماريا مثلها مثل العديد من الأطفال المصابين النازحين إلى المستشفى، حيث تم رصد سلوك سلبي وخوف شديد لدى الطفلة حال دون تمكن أحد من التواصل معها، وعليه خضع الأهل لجلسات توعية نفسية بحالة البنت وسلوكها وردود أفعالها المنطقية نتيجة الحادث، وتوعية بآلية التعامل مع هذه الردود.
وزادت لـ«القدس العربي»: بعد تكثيف جلسات التعبير عن المشاعر بالرسم، رسمت ماريا وعبرت عن مشاعرها السلبية المكبوتة نتيجة ما تعرضت له، كذلك يجري فريق وحدة الصحة النفسية في المستشفى جلسات ترفيه للأطفال النازحين والجرحى، أثرت إيجابا على ماريا وتم رصد تحسن كبير في سلوكها، وأصبحت أكثر قدرة على التواصل مع الأطفال، والتعبير عن مشاعرها وما تعاني منه، ولا ينقصها سوى السفر والعلاج في الخارج وإلا ستظل أعراضها النفسية تلازمها.
في حين، قالت الطفلة الفلسطينية قمر الشريحي (9 سنوات)، إنها تتمنى أن تعود لبيتها وتلعب بألعابها، وذلك بعد أن وجدت نفسها مبتورة القدم على كرسي متحرك في أحد مشافي قطاع غزة.
وتعاني قمر، من بتر في قدمها وكسور في قدم أخرى، بالإضافة إلى حروق في جسدها نتيجة للقصف الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث أصيبت الطفلة أثناء ذهابها للسوبر ماركت لشراء بعض الحلوى، نتيجة ضربة إسرائيلية على المسجد الأقصى، في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة.
وتتجول الطفلة قمر، في أروقة مستشفى شهداء الأقصى، في قطاع غزة، على كرسي متحرك برفقة صديقتها، وتسعى للترفيه عن نفسها ونسيان قسوة الواقع ولو قليلا.
وخلال تجوالها، تسرّح قمر، شعر دمية صغيرة قدمتها لها والدتها، لتصبح مصدرا للسرور والراحة في قلب الطفلة.
واستغلت الطفلة الفلسطينية التهدئة الإنسانية المؤقتة للتجول خارج أسوار مستشفى شهداء الأقصى، حيث تسعى لتحرير نفسها من القيود الزمنية والمكانية، وتجربة لحظات من الحرية والسعادة.
وقالت قمر للأناضول، «كنت ذاهبة لشراء بعض الحلوى، لكن قُصف المسجد، وتعرضت لإصابة». وأضافت: «تم إحضاري لمستشفى شهداء الأقصى وبترت قدمي». وتابعت: «أتمنى أن أعود إلى بيتنا وألعب بألعابي».